عرض/محمد العلي
تجنبت مراكز الأبحاث الفلسطينية المعروفة بجدية ما صدر ويصدر عنها, الغوص في تعقيدات العلاقات الفلسطينية اللبنانية بمستوياتها السياسية والأمنية والاجتماعية.

ويرتبط ذلك حكما بالحساسية العالية لهذه العلاقات, ولكونها إلى اليوم نقطة تجاذب واختلاف بين مكونات لبنان السياسية والطائفية والمذهبية.

- العنوان: حين كان الزمن الفلسطيني اللبناني جميلا
- المؤلف: حسين أبو النمل
- عدد الصفحات: 54
- الناشر: الأونروا ومعهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولي في الجامعة الأميركية في بيروت
- الطبعة: الأولى، 2013

وثمة أسباب أخرى لا تقل أهمية بينها أن الفلسطينيين اتهموا من قبل زعماء الموارنة في لبنان بالمسؤولية عن إشعال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1989). بالمقابل ارتكبت المليشيات المسيحية مجازر ضد المدنيين الفلسطينيين في تل الزعتر وصبرا وشاتيلا في مراحل مختلفة من تلك الحرب.

كما أن حركة أمل الشيعية انخرطت بدورها في حرب ضد المخيمات الفلسطينية في لبنان (1985-1988)، وهي أحداث لم تطو صفحتها تماما, وما زالت حية في وجدان وذاكرة الفلسطينيين عموما, رغم توافق اللبنانيين فيما بينهم على طي صفحة تلك الحرب.

بيد أن معهد عصام فارس للسياسة العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت في أغسطس/ آب الماضي, ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في لبنان, خرقا جدار الصمت المحيط بهذا الموضوع المسكوت عنه من قبل الباحثين الفلسطينيين واللبنانيين على حد سواء, عندما نشرا في أغسطس/آب الماضي تقريرا بحثيا أعده الباحث الفلسطيني المعروف حسين أبو النمل واختار له عنوان "حين كان الزمن الفلسطيني اللبناني جميلا".

وصنف العنوان الفرعي للتقرير البحثي جهد أبو النمل كـ"مقاربة منهجية تاريخية تأصيلية للعلاقات الفلسطينية اللبنانية والحقوق المشروعة لفلسطينيي لبنان".

أتت مقاربة أبو النمل -حسب هامش مثبت على غلاف التقرير الداخلي- في سياق برنامج للأبحاث الأكاديمية التي يعدها المعهد حول "السياسات والإدارة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين".

ويهدف هذا البرنامج إلى "توفير آلية تنسيق مفتوحة وغير منحازة للباحثين والمجتمع المدني والمسؤولين الحكوميين والمنظمات الدولية تمكن من التوصل لقراءة سليمة وتحليل دقيق لواقع المخيمات الفلسطينية في الشرق الأوسط ومن وضع توصيات لصناع القرار في هذا الشأن".

يتيح تقديم التقرير للقارئ الوقوف على نص يصفه كاتبه -المعروف بأبحاثه المعمقة والرائدة عن الاقتصاد الإسرائيلي- بأنه "أعمق وأشجع ما كتبت". وهو يقوم على مقاربة مختلفة لموضوع العلاقات الفلسطينية اللبنانية الحساس, قوامها حسبما جاء في التقديم أيضا "نوع مركّب معروف من الكتابة، يؤدّي فيه الشخص نفسه دور الكاتب الباحث في ناحية، ودور الشاهد المصدر في أخرى، وذلك بوصفه شاهدَ عيانٍ على وقائع تاريخية، له بها رأي مخالف".

يغطي التقرير البحثي الحقبة الممتدة من عام 1948 أي تاريخ بدء الوجود الفلسطيني في لبنان, ولغاية عام 2011 تاريخ إعداد البحث، لكنه يتجنب الخوض في تفاصيل الوقائع السياسية والاجتماعية والأمنية التي واكبت هذا الوجود, وهي كثيرة, مكتفيا بعناوين كبرى, تلخص أبرز المحطات التي حكمت العلاقة بين لبنان (دولة وسلطة ونظاما وأحزابا وشخصيات وطوائف) بفلسطينييه.

يغطي التقرير البحثي الحقبة الممتدة من عام 1948 أي تاريخ بدء الوجود الفلسطيني في لبنان, ولغاية عام 2011 تاريخ إعداد البحث، لكنه يتجنب الخوض في تفاصيل الوقائع السياسية والاجتماعية والأمنية التي واكبت هذا الوجود, وهي كثيرة
تتخذ هذه العناوين البالغ عددها 53 عنوانا أحيانا صفة السؤال الجامع, أو المدخل الذي يحيل القارئ إلى محطة مفصلية محلية أو إقليمية ذات صلة بموضوع البحث, وأحيانا أخرى لمحطات ذات طابع حقوقي أو تاريخي أو أيديولوجي, لكنها تبقى جميعها ضمن الإطار المنهجي للبحث العلمي.

فتحت عنوان "من هم فلسطينيو لبنان, بل ما هو لبنان نفسه محل الحديث" يعرض الكاتب في وقت واحد رؤيته كشاهد عيان ومكلف بدراسة علمية في وقت واحد. يقول في هذا الصدد في إطار التعريف بالمناخ السياسي الذي عاشه فلسطينيو لبنان ما يلي:

"حين أقول إنني كنت كغيري متلقيا لحاصل العلاقات الفلسطينية اللبنانية لا أريد مجرد تأكيد أمر بديهي بل إلقاء الضوء على الوجه الآخر للصورة الجميل والمغيب مقابل الوجه الآخر القبيح والمستحضر في الذهن دائما حيث لا وجود إلا للقمع وسوء المعاملة وللخسارة الصافية والعزل في (غيتو) المخيمات ترجمة لنظرية عنصرية, ربما, لكني مدين أيضا للبنان الذي أنتجني ثقافيا كديمقراطي عقلاني كان لي نصيبي من غنى لبنان علميا وحضاريا واقتصاديا وماليا، وهو ما تجسد في فجوة علمية واقتصادية ظاهرة قياسا بأقراننا الفلسطينيين القادمين من غزة والضفة وسوريا".

ولا يغفل أبو النمل دور زعامة جمال عبد الناصر في ضبط علاقة السلطة اللبنانية بفلسطينيي لبنان خلال حكم الرئيس كميل شمعون والرئيس فؤاد شهاب.

فيتحدث تحت عنوان "الناصرية تنظم السياستين الشمعونية والشهابية فلسطينيا" عن مفارقة في هذه العلاقة المركبة ملخصها أن الشهابية المعروفة بقمعها لفلسطينيي لبنان عبر المخابرات العسكرية أي "المكتب الثاني" كانت تنسق سياساتها "الفلسطينية" مع "الناصرية" أكبر نصير لفلسطين.

وفي سياق استجلاء علاقة اللاجئ القادم قسرا من شمال فلسطين إلى جنوب لبنان بالفسيفساء الطائفية اللبنانية, يستخدم الكاتب ذات التصنيفات القائمة بدون مواربة كمدخل لقراءته.

فيقول تحت عنوان "الذاكرة اللبنانية, المارونية, الشيعية, السنية, لفلسطيني سني": لعل إقامتي الدائمة خارج المخيم خصوصا في رميش "المارونية" والحنية" الشيعية" من دون خدش لذاكرتي عرفتني بكرا ومبكرا طفلا ويافعا على "الماروني" و"الشيعي".

يشاء القدر أن "مدرسة الحنية تحمل اسم محمد سامح الخالدي المربي الفلسطيني المقدسي ووالد الدكتور وليد الخالدي ونسيب آل سلام الذين بنوا تلك المدرسة من ضمن مسؤوليتهم عن جمعية المقاصد الإسلامية السنية البيروتية" (ص 14).

وعند بلوغ العنوان الذي اختير كي يكون صفة جامعة لكل البحث أي "حين كان الزمن الفلسطيني اللبناني جميلا"، يكتشف القارئ أن ذلك كان قائما, عندما كان الزمن اللبناني اللبناني, واللبناني الفلسطيني جميلا بدوره.

عند حديثه عن عنوان البحث يكتشف القارئ أن ذلك كان قائما, عندما كان الزمن اللبناني اللبناني, واللبناني الفلسطيني جميلا، مستذكرا أن جمعية المقاصد السنية الصرف أقامت حوالي عام 1957 مدرستين ابتدائيتين في قريتي "زبقين" و"الشعيتية" وهما قريتان شيعيتان بالكامل
ويستعيد هنا ما اختزنه في ذاكرته البكر أن جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية السنية الصرف أقامت حوالي عام 1957 مدرستين ابتدائيتين في قريتي "زبقين" و"الشعيتية" وهما قريتان شيعيتان بالكامل.

وتحت عناوين أخرى مختصرة ومكثفة في تاريخ فلسطينيي لبنان وعلاقة سلطاته بهم، يتناول الكاتب إبعاد الفلسطينيين عن مناطق الحدود الملاصقة لوطنهم وارتباط هذا الإجراء بحرب الفدائيين في قطاع غزة عام 1955.

ويشدد من واقع تجربته وأسرته على أن الإبعاد السياسي كان قرارا أمنيا لم ترافقه إهانات شخصية أو تحقير.

ويخلص الباحث في سياق قراءته لعلاقة النظام اللبناني مع فلسطينييه في حقبة الستينيات إلى استنتاج بأن الممارسات القمعية ذاتها ضد الفلسطينيين واللبنانيين كانت تتم وفق معايير نظام ديمقراطي.

ويقول تحت عنوان "هوية النظام الديمقراطية تنظم الممارسة الأمنية للسلطة" ما يلي "حين نتحدث عن ممارسة الأجهزة الأمنية اللبنانية تجاه اللبنانيين, الفلسطينيين، أو سواهم، علينا أن نذكر أنها تمت وتتم تحت السقف السياسي والقانوني للنظام الديمقراطي اللبناني, واستطرادا كان منسوب القمع يتعاكس دائما مع منسوب الديمقراطية وحضور القانون في الحياة السياسية اللبنانية" (ص 17).

ويقدم الباحث دليلا على مقولته المخالفة للصورة السائدة لدى غالبية الفلسطينيين عن ممارسات الأجهزة الأمنية اللبنانية بالقول في ذات الصفحة "نعم كان القمع اللبناني منضبطا سياسيا لناحية القرار والحوافز والاستهداف بدليل أن ما أصاب معارضي السلطة من اللبنانيين خلال ثلاثة عهود على الأقل، كان أفدح مما أصاب الفلسطينيين من قمع حتى خلال ذروة نشاط المكتب الثاني في ستينيات القرن العشرين رغم كل الادعاءات المعاكسة".

ويتتبع الكاتب مسار العلاقة الفلسطينية واللبنانية والتعقيدات التي واكبتها مع تحويل الصراع السياسي في لبنان "إلى أيديولوجية كراهية.. فثقافة عنصرية" على الضفتين الفلسطينية واللبنانية.

ويقول أبو النمل إن "هناك إعادة إنتاج كاملة للذاكرة الفلسطينية, وهو ما جرى ويجري على الضفة اللبنانية أيضا حيث يراد ألا يكون هناك وجود إلا لصورة الفلسطيني القبيح الطامع في وراثة لبنان وتوطنه نهائيا بديلا عن فلسطين بعدما خربه ومزقه إربا (ص 25).

على أهمية الخوض الجريء لأبو النمل في تعقيدات علاقة لبنان والفلسطينيين المقيمين على أرضه في الماضي, إلا أن الحاضر والمستقبل لم يغيبا عن الباحث والبحث. وهو يتناول ما ردده الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 2007 من ادعاء حاكميته للبنان خلال الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان بين أعوام 1969 و1982 والنتائج السلبية التي ترتبت على التصريح والخطوات التي تلته.

فتحت عنوان "الزعيم عرفات يدعي حاكمية لبنان ماذا كان يفعل الرئيس الأسد؟" رأى الباحث أن ما ردده الزعيم الفلسطيني الراحل "هو بناء الذاكرة الفلسطينية اللبنانية وسواها على ادعاءات كاذبة ومؤذية للطرفين على السواء" رغم أن المقولة ذاتها كان يقصد عرفات بها توصيل رسالة إلى الغرب وإسرائيل أن عرفات قادر على حكم الضفة وغزة بنجاح ما استنادا إلى تجربته بحكم لبنان.

ويرى الباحث أن تهافت هذا الزعم مرتبط بوقائع أهمها الوجود العسكري السوري المرتبط بغطاء عربي, إضافة إلى أنه "ما من أمر إستراتيجي تم في لبنان قبل عام 1982, أي خلال وجود عرفات في لبنان، من انتخابات رئاسة الجمهورية إلى تشكيل الحكومات، إلا وكان لسوريا حق الفيتو أو أكثر فيه (ص 28).

على وفرة العناوين الكاشفة لتطور علاقة لبنان بفلسطينييه في التقرير، تبقى الخلاصات التي توصل إليها الباحث في التقرير هي الأهم وخصوصا تلك المتعلقة باتفاق الطائف الذي أنهى عام 1989 الحرب الأهلية اللبنانية
على أن هذا الزعم الكاذب والمؤذي -حسب التقرير- ترتبت عليه نتائج سياسية لا تقل خطورة عن الوضع الهش لفلسطينيي لبنان, عندما وجه السفير الفلسطيني المعين في لبنان حديثا عباس زكي عام 2008 اعتذارا عن مقولة عرفات اختار لها عنوان "إعلان فلسطين في لبنان".

وعلى وفرة العناوين الكاشفة لتطور علاقة لبنان بفلسطينيه في التقرير، تبقى الخلاصات التي توصل إليها الباحث في التقرير هي الأهم وخصوصا تلك المتعلقة باتفاق الطائف الذي أنهى عام 1989 الحرب الأهلية اللبنانية.

وهذه العناوين لم تطرق عمليا لا في الإعلام ولا في البحوث العلمية لأنها تنتمي إلى ما صنفه الباحث "تقية" عند الفلسطينيين واللبنانيين على حد سواء.

فتحت عنوان صيغ بدوره بشكل سؤال، يقول أبو النمل "هل دفع الفلسطينيون كلفة الطائف مسيحيا"؟ يجيب في صفحة 38 من التقرير على النحو التالي: لو هتكنا التقية الفلسطينية، فإن الوجدان الفلسطيني منذ الطائف وحتى الآن يقوم على أن الطائف أخذ من المسيحي ليعطي المسلم, وأخذ من الفلسطيني لتعويض المسيحي! ولمن يود تقصي الهواجس الفلسطينية مثل "الارتياب" و"يا ويلنا" و"يا وحدنا" و"الكل متآمر ضدنا" سيجد أقوالا أهمها أن الفلسطيني دفع ثمن اتفاق الطائف- اتفاق اللبنانيين".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك