عرض/زياد منى

لعل الأمر الأكثر أهمية في كتاب "فشل رأسمالية النأي عن التدخل بالاقتصاد" هو مؤلفه الاقتصادي بول كريغ رُوبرتس الحائز على العديد من الشهادات الأكاديمية من جامعات الولايات المتحدة المرموقة، لأنه أيضا كان قد شغل منصب نائب وزير المالية لسنوات عديدة في إدارة الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان.

-الكتاب: فشل رأسمالية النأي عن التدخل بالاقتصاد
-المؤلف: بول روبرتس
-عدد الصفحات: 192 تضم مجموعة مصورة
-الناشر: كْلَرِتِي برس، أطلنطا، الولايات المتحدة
-الطبعة: الأولى 2013

ألف رُوبرتس العديد من الكتب عن الاقتصاد الأميركي والعالمي وكتب مئات المقالات في كبريات الصحف والدوريات المتخصصة. بعد انتهاء عمله في إدارة ريغان عمل مستشارا في وزارتي الدفاع والتجارة في بلاده، واستدعي عدة مرات للمثول أمام الكونغرس للإدلاء برأيه بخصوص سياسات اقتصادية محددة.

الكتاب في نسخته التي بين أيدينا، قسمه المؤلف إلى قسمين بعنوانين دالين هما:

1-مشاكل في النظرية الاقتصادية
2- انتزاع الملكية

ويأتيان بعد مقدمة يشرح فيها المؤلف نظرته الجديدة. لكن الكتاب تتصدره مقدمة طويلة ظهرت في الطبعة الألمانية التي صدرت في كل من ألمانيا والنمسا وسويسرا بقلم الاقتصادي العالمي يُوهانس مَاروشزك، وهو رئيس المركز الأوربي للنمو الاقتصادي وصاحب عشرات الكتابات من مؤلفات ومقالات في الاقتصاد الأوروبي.

هذه المقدمة ضرورية لإظهار أهمية النظريات المطروحة في الكتاب ومصداقية النقد الوارد فيه إضافة إلى جدية الأفكار البديلة.

ولن ندخل في تفاصيل بنية الكتاب بل سنركز بدلاً من ذلك على الرسالة أو الرسائل التي تقع بين دفتيه، علما بأن صاحب المؤلف دعمها بمجموعة من الرسوم البيانية التي توضح وجهة نظره.

نبدأ بمقدمة الاقتصادي الألماني يُوهانس مَاروشزك الذي يجزم بأننا شهود انعطافة تاريخية حيث يولد أمام أعيننا نظام عالمي جديد ينتقل فيه مركز القوة الاقتصادية العالمية إلى دول منظمة البريكس التي تضم كلا من روسيا والصين والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا، إضافة إلى صعود تحالفات جديدة تتمثل في منظمة شنغهاي للتعاون المتشكلة في عام 2001 والتي عقدت قمتها الجديدة أخيرا في مدينة بيشكك الواقعة في قرغيستان بوسط آسيا.

صاحب المقدمة يرى أن الدول الأعضاء بالمنظمة -التي تضم العديد من دول آسيا وانضمت إليها أخيرا إيران وتركيا بصفة مراقب- تمتلك اقتصادات صاعدة بينما رديفها في الغرب وتحديدًا في كل من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي يشهد حالة انقباض وأفول حيث يزداد إملاق شعوب هذه الدول، ما يهدد على نحو جاد النظم الديمقراطية فيها، كائنا المقصود بذلك ما كان، ويفسح المجال أمام التطرف السياسي والفكري.

الكتاب ينتقد سياسة الإنتاج خارج البلاد التي تمارسها كبرى الشركات الأميركية والأوروبية حيث تلهث وراء شروط ضرائبية أفضل مما في الوطن وأيدٍ عاملة ماهرة أقل كلفة

الكاتب يرى أن اقتصاديي تلك البلاد يتشاركون في تحمل مسؤولية هذا الانحدار الاقتصادي. ويعزو السبب في ذلك لتمسكهم بالمنطلقات العَقِدية أو الأيديولوجية بدلاً من البحث عن حلول للمعضلات الاقتصادية المواكبة للسياسات المتبعة. لذا فإن الاقتصاديين، دوما -برأي كاتب المقدمة وبالتالي صاحب الكتاب- أهملوا كل ما لا يخدم مع منطلقاتهم العقدية.

النقطة المهمة الأخرى هي الاعتراف بأن كثيرا من الاقتصاديين المروجين للسياسات المتبعة قد باعوا أنفسهم، أو لربما أجروها فقط للتجمعات الاقتصادية الكبرى وهي الرابح الأكبر وربما الوحيد من السياسات المتبعة القائمة على الاقتصاد الحر من دون أي ضوابط.

موضوع الكتاب الأساسي هو النظر في الموقفين الاقتصاديين، علما بأن المؤلف كان من ضمن المشاركين في وضع سياسة ريغان الاقتصادية.

المشكلات التي يستعرضها المؤلف في كتابه هي نجاحات السياسات الاقتصادية المعتمدة إلى الآن وإخفاقاتها أيضا. يناقش النظرة الاقتصادية الكينزية التي تطالب بتدخل حكومي موسع في التنظيم الاقتصادي، والنظرة الأخرى النيوليبرالية أو الليبرالية الجديدة التي ترفض أي تدخل حكومي في العملية الاقتصادية بهدف ضبطها والتحكم فيها.

المؤلف يرى أن رأسمالية النأي عن التدخل بالاقتصاد تواجه مشاكل في ثلاثة مجالات: عدم صحة الادعاء بأن السوق ينظم نفسه بنفسه، الإيمان المطلق بفوائد التجارة الحرة في عصر العولمة يقود حتما إلى خسائر فادحة في الرعاية الاجتماعية. والنقطة الثالثة التي يلفت المؤلف النظر إليها تتعلق باستغلال الرأسمال الطبيعي، أي كيفية التعامل مع البيئة على نحو غير منظم أو غير مسيطر سيؤدي إلى تحقيق البعض أرباحا، خيالية أحيانا، على حساب مستقبل الأجيال البشرية القادمة.

المؤلف يناقض بالتفاصيل المهمة منطلقات كافة الأفكار من مؤسّسيْ علم الاقتصاد البريطاني جون كينز وديفيد ريكاردو، ويناقش الشروط التي تعمل فيها تلك القوانين الاقتصادية ومدى تأثرها بالتغيرات الحاصلة في العالم.

القسم الأكبر من الجزء الأول من الكتاب خصصه المؤلف لنقد سياسات الولايات المتحدة الأميركية الاقتصادية موضحا مكامن ضعفها وضررها، إضافة إلى كيفية ضبطها من وجهة نظر اقتصادية.

في الوقت نفسه فإن الكتاب ينتقد سياسة الإنتاج خارج البلاد التي تمارسها كبرى الشركات الأميركية والأوروبية حيث تلهث وراء شروط ضرائبية أفضل مما في الوطن وأيدٍ عاملة ماهرة أقل كلفة.

السياسات الاقتصادية الممارسة تعني أن النخبة التي تسيّر الاقتصاد تمكنت من الاحتفاظ لنفسها بكل أفضلياتها، بينما تركت تحمل كلفة ذلك للفقراء والمستقبل

من الأمور الهامة الأخرى التي يشير إليها المؤلف ويؤكدها هي أن السياسات الاقتصادية المتبعة إلى الآن في الولايات المتحدة الأميركية لم تؤد فقط إلى فقدان الشعب الأميركي اقتصاده، بل إنه يفقد حريته في الوقت نفسه. فهو يشدد على أن سمعة الولايات المتحدة ووجها قد فقدا في خضم الأحداث المتتالية حيث إن الحرب على الإرهاب المزعوم جردت المواطنين الأميركيين من كثير من حقوقهم المدنية التي كفلها الدستور وهو ما جعل من الدولة الأميركية داعية حروب عدوانية، وفق الكاتب. وهو ينتهل من الحكمة القائلة: نرى في المسار الإنساني أن كل دولة إما أنها اضطرت لإعلان إفلاسها أو أنها سقطت ضحية احتلال.

هذا الكلام صرح به المؤلف في عام 1993. والآن، وبعد مرور عقدين من الزمن على ذلك التصريح الرسمي للمؤلف الذي أدلى به في مكتبه، نرى أن التجمع الصناعي الحربي ونخبة رأس المال المالي قد أمسكت بدفة الحكم وبدأت بإعادة توزيع الدخل والسلطة والثروة لصالح الأقلية الثرية التي بدورها تمول الانتخابات وتسيطر بالتالي على مختلف سياسات الدولة عبر مجلسي الشيوخ والنواب في واشنطن.

يلخص المؤلف دراسته باستنتاج أن السياسات الاقتصادية الحالية الفارغة المضمون قد أدت إلى فشل الرأسمالية نفسها. فالسياسات الاقتصادية الممارسة تعني أن النخبة التي تسير الاقتصاد تمكنت من الاحتفاظ لنفسها بكل أفضلياتها، بينما تركت تحمل كلفة ذلك للفقراء والمستقبل. هذا الفكر الاقتصادي يطلق عليه صفة (العالم الفارغ) وهو لا يصلح الآن في (العالم المليء) بمليارات البشر.

النقطة الأكثر أهمية -من منظور كاتب هذه الأسطر- هي الأخطار الكبيرة الناجمة عن السياسات الاقتصادية الغربية الحالية، حيث أكد المؤلف وكاتب المقدمة الألماني تنامي ميول التطرف السياسي والولع بالحروب الخارجية والعدوان وإكمال سيطرة نخب رأس المال المالي والتجمع الصناعي العسكري الذي حذر منه الرئيس الأميركي الجنرال دوايت آيزنهاور على كافة مناحي الحياة في الدول الغربية بكل العواقب الخطيرة المرتبطة بهذا الانحدار.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك