عرض/ سعد السالم
يطل يوسف خليفة اليوسف أستاذ الاقتصاد بجامعة الإمارات سابقا بكتاب جديد عنوانه "الإمارات العربية المتحدة على مفترق طرق" صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. قام اليوسف بتقييم تجربة دولة الإمارات عبر استعراض تاريخي شامل لما مرت به منذ أكثر من قرنين حين كانت تحت الحماية البريطانية، متحدثا عن المصاعب التي واجهت كل إمارة على حدة، مركّزا على النواحي الاقتصادية والسياسية وأساليب الحكم وانتقاله.

-العنوان: الإمارات العربية المتحدة على مفترق طرق
-
المؤلف: يوسف خليفة اليوسف
- عدد الصفحات
: 415
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية
- الطبعة: الأولى، بيروت، مايو/أيار 2013

يؤكد المؤلف في مقدمته وفي ثنايا كتابه أن دراسته للإمارات هي دراسة لكامل منطقة الخليج العربي، وذلك لتشابه أنظمة الحكم الوراثية والهياكل الاقتصادية المعتمدة على النفط بشكل أساسي وتشابه الدين واللغة وحتى العادات الاجتماعية، لذلك فهو يريد تقديم حلول ربما تكون موجهة بشكل مباشر للإمارات ولكنها صالحة لكل دول الخليج.

وضع المؤلف كتابه في خمسة أقسام يعالج في كل قسم قضية إماراتية.

نشأة الاتحاد
وقد جعله تحت فصلين، يتعلق الأول بقرار الانسحاب البريطاني من الخليج وما تبعه من محاولات اتحاد تساعي (الإمارات المتحدة الحالية بالإضافة إلى قطر والبحرين)، ويروي المؤلف تفاصيل ربما تنشر لأول مرة على هذا النطاق حول ماذا حدث في هذه المؤتمرات الأربعة التي عُقِدت بغية إقامة الاتحاد التساعي، ومن ثم يحاول استخلاص بعض الخلاصات التي حالت دون إقامة هذا الاتحاد التساعي.

وفي الفصل الثاني تحدث المؤلف عن بعض العقبات التي بدأت مع الاتحاد السباعي (الحالي) الذي قام عام 1971 كقضية احتلال إيران ثلاثَ جزر إماراتية وما هي خلفيات هذا الاحتلال؟ وكذلك قضية الخلاف بين أبو ظبي والسعودية حول منطقة واحة البريمي وكيف اضطرت الإمارات إلى تقديم تنازلات، وأخيرا تأثير الإرث البريطاني بعد خروجه من المنطقة.

المؤسسات
يرى الكاتب أن مؤسسات الاتحاد تعاني من الهشاشة والضعف منذ قيامه مما سينعكس سلبا على مسار الاتحاد، وقد ركز على فكرة أن تهميش غالبية أبناء المجتمع وتركيز السلطة في أيدي الحكام وحدهم جعل القرارات التنموية والأمنية تتجه في مسار لا يخدم المجتمع والمنطقة بشكل عام.

في هذا القسم تحدث الكاتب في الفصل الثالث عن أهم الإشكالات الدستورية خصوصا ما يتعلق بإدارة الثروة النفطية، حيث ينص دستور الإمارات على أن الثروات والموارد الطبيعية في كل إمارة تعتبر مملوكة لهذه الإمارة، الشيء الذي عمّق الفجوة بين الإمارات الغنيّة والأخرى الفقيرة، وما ترتب على ذلك من تضارب القرارات النفطية مستشهدا بما حدث مع "أوبك".

كذلك من الإشكالات الدستورية توحيد القوات المسلحة الذي تمت معالجته عام 1996.

وتعرض المؤلف أيضا لموضوع الحقوق السياسية في الدستور، حيث يرى أن هذا الدستور لا صلة لشعب الإمارات به لا من حيث وضعه وإقراره ولا من حيث الدور الذي يعطيه لهم في عملية صنع القرار.

يستعرض المؤلف موضوع الحقوق السياسية في الدستور حيث يرى أن هذا الدستور لا صلة لشعب الإمارات به لا من حيث وضعه وإقراره ولا من حيث الدور الذي يعطيه لهم في عملية صنع القرار

ويختم هذا الفصل بتنظيم العلاقات الخارجية للإمارات كما تقررت في الدستور الذي يجعل السلطة الاتحادية مسؤولة عن تشريع وتنفيذ السياسات الخارجية، بينما في الوقت ذاته تجيز مادة أخرى للحكومات المحلية عقد اتفاقات محدودة مع الدول والأقطار المجاورة، مما جعل منها ثغرة أضعفت السلطة الاتحادية.

وفي القسم الرابع يعالج الباحث أزمة الشرعية السياسية في الإمارات (والخليج بالضرورة) فيعتبر أن النظام الوراثي تمت مأسسته من خلال احتكار المناصب الرئيسية الاتحادية والمحلية كرئاسة الدولة ورئاسة الوزراء ونوابه ووزارة الدفاع والمالية ورئاسة المجالس التنفيذية ورئاسة شركات الطيران ورئاسة الأركان والدواوين والمؤسسات التعليمية وحتى الأندية الرياضية ومؤسسات العمل الخيري.

وقارن بين الوضع الحالي وكيف كان "حاكم ما قبل النفط" حين كان التساوي هو الطبيعة السائدة، مستعرضا بعض الوقائع التاريخية من أساليب المعارضة القبليّة لبعض قبائل الإمارات لتصرفات الحكام الأوائل.

كما تحدث في هذا الفصل عن إضعاف البيئة المؤسسية كالمجلس الوطني الاتحادي والقضاء والإعلام وتهميش المجتمع المدني.

التنمية
في هذا القسم يتحدث المؤلف عن "كشف حساب بما آلت إليه جهود التنمية التي استمرت لأكثر من أربعين عاما في ظل مؤسسات شكليّة لا تعبّر عن إرادة أبناء المجتمع.

ويبين في الفصل الخامس كيف أن النمو الاقتصادي الذي تحقق للإمارات خلال السنوات السابقة ظل متذبذبا بفعل النفط وتقلّباته، مقرّرًا أن مستوى الرفاه الذي تعيشه الدولة مرتبط بإنتاج النفط وتصديره وأهميته وتسعيره.

ويشرح الكاتب معنى التنمية ويوضح أن ما تعيشه الإمارات هو نمو بدون تنمية، شارحا الفرق بين اقتصاد اللؤلؤ الذي عاشته المنطقة قبل اقتصاد النفط والفروق بينهما من حيث القيمة المضافة وتوفير وظائف، وكذلك أوجه الشبه بينهما من حيث تأثير وجود بديل لهذا المصدر الناضب.

ويستعرض في هذا الفصل أيضا مستوى التنمية في دولة الإمارات في البنية الأساسية والنمو الاقتصادي والزراعة والصيد والصناعة والخدمات، مستعينا بإحصاءات وتحليلات رقمية من عدة مصادر رسمية وأخرى دولية مستقلة.

يختص الفصل السادس بالبحث في الصناديق السيادية في الإمارات، والتي تضم أكبر صندوق سيادي في العالم وهو جهاز أبو ظبي للاستثمار الذي تقدر حجم أصوله بما بين خمسمائة وتسعمائة مليار دولار (هذا التفاوت في التقديرات عائد إلى انعدام الشفافية في إدارة هذا الجهاز) ويراجع المؤلف أهداف هذه الاستثمارات وحجمها ومجالاتها وتوزيعها الجغرافي وأداءها ومستوى الشفافية في إدارتها.

وفي الفصل السابع يتحدث عن موضوع يمس الإماراتيين وغيرهم بشكل مباشر وهو نموذج دبي والأزمة المالية، حيث يقارن ابتداء بينه وبين النموذج السنغافوري الذي استوحت دبي نموذجها منه، وهل هناك أوجه شبه حقيقية بينهما؟ ثم يعرّج على الأزمة المالية التي عصفت بدبي عام 2009، مستعرضا جذور هذه الأزمة ثم نتائجها وتكاليفها وانعكاساتها على نموذج دبي.

الموارد البشرية
يعتبر الباحث أن هذا الجانب هو أكثر جوانب النموذج التنموي الإماراتي تشوّها وخطورة، حيث يخصص الفصل الثامن لمناقشة التعليم في الإمارات من حيث نشأته وتاريخه، ثم يعرّج على كفاءة هذا النظام من حيث إدارته وميزانيته ومعدلات تسجيل الطلاب، ومدة التعليم ونوعيته وعدالته، ويختم الفصل بوصفة إصلاحية للنظام التعليمي معتمدا على ثلاثة محاور لتطويره: المدخلات والحوافز والمساءلة.

أما الفصل التاسع فيعالج قضية السكان والاختلال السكاني الذي يعتبر من أكبر المآخذ على النموذج الإماراتي، حيث يقرر الباحث أن هذا الاختلال يهدد وجود المواطنين في الدولة، حيث يبدأ بتوضيح حجم هذا الاختلال السكاني الذي وصلت نسبة المواطنين بسببه إلى 10.7% من مجموع السكان، ومن ثمّ يدرس آثاره الاقتصادية والثقافية والسياسية والأمنيّة.

يبحث الكتاب في الصناديق السيادية للإمارات، والتي تضم جهاز أبو ظبي للاستثمار الذي تقدر حجم أصوله بما بين 500 و900 مليار دولار، ويراجع أهداف هذه الاستثمارات وحجمها ومجالاتها وتوزيعها الجغرافي وأداءها ومستوى الشفافية في إدارتها

الأمن
في هذا القسم يكشف المؤلف عن الفرق بين مفهوم أمن شعوب المنطقة والأمن من وجهة النظر الغربية الذي يراه مشوّها لأنه ينحصر بالحفاظ على المصالح الغربيين وحلفائهم مع تجاهل الشعوب وأهل المنطقة.

يُدرج المؤلف فصلين تحت هذا القسم، حيث يخصص الفصل العاشر للأمن الداخلي الذي درسه من ثلاثة جوانب: علاقة أعضاء الأسر الحاكمة بعضهم ببعض داخل كل إمارة، وعلاقة الأسرة الحاكمة لكل إمارة بشعب تلك الإمارة، وأخيرا علاقة الإمارات بعضها ببعض.

وقد أفاض في هذا الفصل واستدعى شواهد وأحداثا تاريخية ربما لا يستطيع عرضها بهذه الكمية وهذه الدقة إلا أحد أبناء الإمارات الذين واكبوا كثيرا من هذه الأحداث وروى لهم آباؤهم ما عايشوه.

وقد تحدث المؤلف ابتداء عن النظام الوراثي وعلاقته بالاستقرار السياسي، واستطاع إثبات أن هذا النظام بطبيعته ليس مستقرا، مستعينا بقصة كل إمارة وتاريخ تداول السلطة فيها والكم الكبير من الاغتيالات السياسية التي كانت تحدث داخل تلك الأسر الحاكمة طمعا في السلطة. واستطاع المؤلف تقليب أوراق الحركة الإصلاحية في دبي عام 1938، وأخيرا كانت هناك بعض الأمثلة التي تعطي صورة عما كان من علاقات بين الإمارات من صراعات سياسية واقتصادية وأحيانا عسكرية.

وبعد الحديث عن الأمن الداخلي ينتقل المؤلف في الفصل الـ11 ليتحدث عن الأخطار الخارجية التي تواجه هذه الدولة، فيبدؤها بدراسة مجلس التعاون الخليجي الذي يعتبره الحزام الأمني الأول لدولة الإمارات، لكن هناك نقاط ضعف في هذا التعاون ظلت وما زالت عقبات أمام تحقيق طموحات شعوب الخليج.

واكتفى المؤلف بدراسة أربع عقبات لتوضيح هذا الضعف، فبدأ بالخلافات الحدودية كالتي بين السعودية وأبو ظبي وتلك التي بين الإمارات وعُمان، والعقبة الأخرى كانت السياسة الخارجية وافتقادها للحد الأدنى من التعاون، أما العقبة الثالثة فكانت حول السياسات الدفاعية، حيث عجز هذا المجلس عن تطوير سياسة دفاعية موحدة وفاعلة رغم مرور أكثر من ثلاثين سنة على إنشائه.

وتتعلق العقبة الأخيرة التي تمت دراستها في هذا الفصل بالوحدة النقدية والتكامل الاقتصادي، حيث يحاول استقصاء الأسباب الاقتصادية والسياسية لإعلان عُمان عام 2006 انسحابها من هذه الوحدة النقدية، وكذلك انسحاب الإمارات عام 2009 قبل عام من إعلان تلك الوحدة رسميا، حيث اتفق أعضاء المجلس على إعلانها 2010 وذلك في قمة مسقط 2001.

تكشف الأرقام والإحصائيات والمراجع والمصادر المُثبَتَة عن جهد كبير بُذل في هذه الدراسة، بالإضافة إلى كون الكاتب خليجيا متخصصا في الاقتصاد والسياسة، مع ضرورة الاعتراف بندرة المراجع المستقلة العربية -والخليجية بالضرورة- حول مثل هذه القضايا الحساسة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك