عرض/ عبد الحافظ الصاوي
يعد حازم الببلاوي من أسرع من سجل تجربته في الحكومة إبان توليه منصب وزير المالية ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية في حكومة عصام شرف الثانية في الفترة الانتقالية الأولى التي أدارها المجلس العسكري بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، إذ يعرض في كتابه "أربعة شهور في قفص الحكومة" رؤيته الاقتصادية للمشكلات الرئيسية التي يعاني منها الاقتصاد المصري.

- العنوان: أربعة شهور في قفص الحكومة
-
المؤلف: حازم الببلاوي
-
عدد الصفحات: 182
-
الناشر: دار الشروق، مصر
-
الطبعة: الأولى 2012

شغل الببلاوي منصب وزير المالية ونائب رئيس الوزراء خلال الفترة من 21 يوليو/تموز 2011 إلى 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، وقد شكا غير مرة من حالة عدم قبول أعضاء مجلس الوزراء لرؤيته الاقتصادية، إلا أن رئيس الوزراء والمجلس العسكري أقروه على كثير من الأفكار التي طرحها.

اتسم الكتاب بتضمين مجموعة من المذكرات والتقارير التي رفعها الببلاوي لمجلس الوزراء أو المجلس العسكري، تعكس رؤيته للمشكلات الاقتصادية وطريقة التعامل معها للوصول إلى حلول ممكنة.

رؤيته الاقتصادية
لخص الببلاوي رؤيته في تناول المشكلات الاقتصادية بأن بنية الاقتصاد العيني والحقيقي في مصر تعاني فقط من بطء، وأن المشكلة تكمن في النواحي التمويلية، وخاصة بعد خروج الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، وتوقف السياحة، ونزيف احتياطي النقد الأجنبي.

وركز على مشكلة عجز الموازنة، وأنه لم تعد آلية الاقتراض المحلي صالحة للتعامل مع هذه المشكلة، ولابد من اللجوء إلى التمويل الخارجي سواء عبر المساعدات العربية أو الأوروبية، أو عبر صندوق النقد الدولي للحصول على قرض رفضته حكومة شرف الأولى بسبب الخلفيات السلبية تجاه الصندوق أو لوجود بعض الوزراء أصحاب الأيدولوجيات التي لا تقبل التعامل معه.

كما تناول قضية الحدين الأدنى والأعلى لأجور العاملين بالجهاز الإداري وقدم تصورا يقوم على ضرورة سد الثغرات التي يحصل من خلالها العديد من كبار المسؤولين على مبالغ كبيرة، وخلص إلى أن الأمر يحتاج إلى دراسة متأنية تراعي الجوانب القانونية والمالية.

غير أن الببلاوي استعرض تجربته الشخصية في الإفصاح عن راتبه الذي بلغ 40 ألف جنيه، وأنه رفض أن يحصل على بدل حضور اجتماعات، وأن المشير طنطاوي اتصل به ليستفسر منه عن ذلك، وأخبره بأنه يكتفي براتبه فقط.

بنية الاقتصاد العيني والحقيقي في مصر تعاني من بطء، وتكمن المشكلة الحقيقية في النواحي التمويلية، خاصة بعد خروج الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، وتوقف السياحة، ونزيف احتياطي النقد الأجنبي

أما القضية المهمة التي تناولها فهي قضية الدعم، وركز بشكل رئيسي على دعم الطاقة، وما تكتنفه هذه القضية من تشابكات مالية معقدة، وأنه لا سبيل للتخلص منها إلا بالعلاج التدريجي لرفع أسعار الطاقة، سواء للصناعات ذات الاستخدام الكثيف للطاقة، أو للأفراد.

وركز على ضرورة وجود قاعدة معلومات لحصر المستحقين للدعم لتفعيل آلية الدعم النقدي، من أجل سد باب الفساد على المسؤولين الحكوميين والوسطاء.

تباطؤ عربي
يسرد الببلاوي تجربته في السعي للحصول على تمويل من دول الخليج لمساعدة مصر في مشكلاتها التمويلية، ويذكر أن الاقتصاد العيني والحقيقي في مصر لم تكن خسائره فادحة بعد ثورة 25 يناير، ولكن المشكلة تركزت في القطاع المالي، وخاصة ما يتعلق بالأوضاع الحكومية، مثل عجز الموازنة، وعجز ميزان المدفوعات، واحتياطي النقد الأجنبي.

ولذلك رأى أن يعرض الأوضاع المالية لمصر خلال حضوره اجتماعات رسمية دعي إليها باعتباره ممثلا لمصر في العديد من المؤسسات الاقتصادية الإقليمية، بالإضافة إلى محاولاته مقابلة بعض المسؤولين الاقتصاديين والماليين في دول الخليج العربي بحكم علاقاته الشخصية وعمله في المؤسسات الاقتصادية العربية والإقليمية.

وقد حرص -كما ذكر في كتابه- على أن يسوق رؤية اقتصادية هو مقتنع بها لمستقبل الاقتصاد المصري، بعد أن عرضها على مجلس الوزراء والمجلس العسكري.

ومفاد هذه الرؤية أن مصر حريصة على اتباع اقتصاد السوق، واحترامها للمعاهدات والاتفاقيات الدولية، وهي حريصة أيضا على توقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وأنها ترحب بكافة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ولكن مشكلتها تكمن في فجوة تمويلية تتراوح ما بين 5 و7 مليارات دولار.

ورغم عرض الببلاوي هذه الرؤية في محافل عربية وأجنبية وثناء مستمعيها من العرب والعجم، فإن الاستجابة لدعوته إلى تقديم مساعدات مالية خليجية لانتشال اقتصاد مصر من عثرته كانت ضعيفة.

فمثلا ذكر أنه اتصل بالسفير السعودي في القاهرة لتحديد موعد يصحبه فيه محافظ البنك المركزي المصري لمقابلة وزير المالية السعودي للاتفاق على تنفيذ الوعود السعودية، ولكن لم يصله أي رد من سفير المملكة.

ولم يختلف رد وزير المالية الكويتي الذي قابله الببلاوي في واشنطن ووعده بتقديم مساعدات لمصر، ولكن الأخير لم يتمكن من الوصول إليه هاتفيا رغم علاقته الشخصية به.
الببلاوي تلقى ردا خليجيا فاترا على طلبات التمويل المصرية، ويعتقد أن الدول الخليجية لم تكن حينها في عجلة من أمرها بشأن تقديم مساعدات مالية لمصر، وأنها لم تحسم أمرها بعد

أما الإمارات فيذكر الببلاوي أن بعض مسؤوليها اكتفوا بسماعه، وبعضهم فضل اتباع سياسة "انتظر وانظر"، وأن أبو ظبي لم تستجب لما تم الاتفاق عليه بشأن الاكتتاب في سندات مصرية بنفس سعر الفائدة على السندات الأميركية.

وخلص في هذا الأمر إلى أن الدول الخليجية ليست في عجلة من أمرها بشأن تقديم مساعدات مالية لمصر، وأنها لم تحسم أمرها بعد.

انتقاد وزراء
انتقد الببلاوي في كتابه مواقف بعض الوزراء، ومنهم وزير يمثل اليسار لم يذكره في الموقف الأول وذكر منصبه في الموقف الثاني.
 
ففي الموقف الأول تناول فيه واقعة هذا الوزير "الأكثر صخبا بالحديث عن العدالة الاجتماعية" والذي طلب من مجلس الوزراء استمرار صرف حوافز شهرية له باعتباره رئيسا لإحدى اللجان، أسوة بما كان متبعا مع رؤساء مجالس الإدارة السابقين، فأجابه الببلاوي بأن هذا الأمر يتطلب موافقة المشير طنطاوي وليس وزير المالية، ثم استنكر الببلاوي حديث الوزير المتكرر للصحف ووسائل الإعلام بأنه لا يتقاضى سوى راتبه الوزاري وبعض البدلات.

وفي الموقف الثاني ذكر الببلاوي عن وزير التموين والتضامن الاجتماعي -وهو حينها جودة عبد الخالق- إعلانه أنه بصدد توزيع أسطوانات البوتاغاز بنظام الكوبونات، وهو ما جعل الببلاوي يستلزم وجود قاعدة بيانات يمكن الاعتماد عليها في توزيع الدعم بصفة عامة، وبسؤال الوزير كانت إجابته المعتادة أن العمل يجري على قدم وساق في هذا الشأن.

ولكن فجأة أعلن وزير التموين أن المشروع تعثر ولا يمكن تنفيذه في الوقت الحاضر، مما أثار حفيظة الببلاوي وأصابه بخيبة أمل بشأن قاعدة المعلومات.

أما الموقف الثالث فحدث عندما كان مجلس الوزراء يناقش أطروحات وزارة المالية بشأن الضرائب، وكان من بينها زيادة الضرائب على الدخان والسجائر، فكان رأي الوزير المعارض -كما وصفه الببلاوي- أن هذه الإجراءات تضر بالفقراء باعتبارهم الشريحة الأكثر استهلاكا لهذه السلع، الأمر الذي أثار استغراب الببلاوي -حسب ما ذكر- لكون هذه السلع ضارة صحيا بالفقراء، فكيف نشجعهم على استهلاكها؟!

رئاسة الوزراء
ذكر الببلاوي غير مرة أنه رُشح أو عُرض عليه منصب رئاسة الوزراء، سواء في الحكومة الانتقالية التي شكلت بعد استقالة الفريق أحمد شفيق، أو بعد تقديم حكومة شرف الثانية لاستقالتها.

ففي المرة الأولى أخبر أنه واحد من ثلاثة أسماء مرشحة من قبل مجموعة من الائتلافات لتولي رئاسة الوزراء، إلا أنه لم يتم اختياره وجاء عصام شرف رئيسا للوزراء.
كتاب الببلاوي يعتبر وثيقة تصلح لمحاسبته الآن بعد عودته رئيسا للوزراء بعد ما جرى يوم 30 يونيو/حزيران 2013، خاصة أنه عاد رئيسا للوزراء ولديه صلاحيات لتنفيذ كل ما طرحه من أفكار ورؤى اقتصادية واجتماعية

أما المرة الثانية فكانت عقب استقالة حكومة شرف الثانية، حيث أخبره صديقه اليساري حسام عيسى (وزير التعليم العالي حاليا) بأنه مرشح لرئاسة الوزراء، وبالفعل اتصل به الفريق سامي عنان لعرض الأمر، ولكنه بعد مشاورات مع أسرته اعتذر عن قبول العرض.

الاستقالة
أكد الببلاوي أن سبب تقدمه باستقالته من حكومة شرف هو ما شعر به من تقصير إزاء حق الوطن في توفير الأمن، حيث وقعت أحداث محمد محمود الأولى، وما تبعها من أحداث عنف زهقت فيها بعض الأرواح، ثم بعدها وقعت أحداث ماسبيرو التي راح ضحيتها شباب مسيحيون كانوا يتظاهرون اعتراضا على الاعتداءات التي تعرضت لها بعض الكنائس، إلا أن المظاهرات انتهت إلى مواجهات مع القوات المسلحة. كما لم تكن المعالجة الإعلامية لأحداث ماسبيرو -كما يراها الببلاوي- على المستوى الوطني.

وذكر أن الاتجاه في مجلس الوزراء بعد هذه الأحداث أن تتقدم الحكومة بالاستقالة لفشلها في تحقيق الأمن، وأيد هذا الاتجاه البعض وعارضه البعض، إلا أنه أخذ بزمام المبادرة وتقدم بالاستقالة، واتصل به المشير طنطاوي لثنيه، ولكنه أصر واعتبر نفسه مكلفا بتسيير شأن الوزارة إلى حين تكليف وزير آخر، أو تعيين وزارة جديدة.

ويعتبر كتاب الببلاوي وثيقة تصلح لمحاسبته الآن بعد عودته رئيسا للوزراء بعد ما جرى يوم 30 يونيو/حزيران 2013، خاصة أنه عاد رئيسا للوزراء، ولديه صلاحيات لتنفيذ كل ما طرحه من أفكار ورؤى اقتصادية واجتماعية.

هذا فضلا عن أن أسباب استقالته من الوزارة ما زالت قائمة وبصورة أكبر، فلماذا استقال كوزير وقبل فيما بعد أن يكون رئيسًا للوزراء؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك