عرض/أحمد محمود التلاوي

تُعتبر قضية الممارسة السياسية في الإسلام، والنظام السياسي في الدولة الإسلامية، إحدى أهم القضايا التي تشغل فكر المنظرين العلمانيين والإسلاميين على حد سواء؛ حيث تسعى الفئة الأولى إلى نقض أسس المشروع الإسلامي، بينما تسعى الثانية إلى توضيح الحقائق وتقديم النموذج السليم القابل للتطبيق وفق المنظور الإسلامي.

- العنوان: الاستبداد.. دراسة مقاصدية في فقه التحرُّز من التغلُّب
- المؤلف: د. محمد العبد الكريم
- عدد الصفحات: 223

- الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت
- الطبعة الأولى: 2013

ولعل المشكلة الأبرز التي تواجه أنصار المشروع الإسلامي والفكرة الإسلامية، هي الجانب التاريخي في الممارسة السياسية في دولة الخلافة، حيث ساد المُلك العضوض أغلب فترات تاريخ الدولة الإسلامية، بما ألقى بظلاله على النموذج الأصلي، كما جاء في مصادره في الكتاب والسُّنَّة النبوية الشريفة.

وهذا الكتاب "تفكيك الاستبداد.. دراسة مقاصدية في فقه التحرُّز من التغلُّب" للدكتور محمد العبد الكريم، يتناول قضية حكم المتغلِّب والمُلك الجبري في التاريخ الإسلامي، ويحاول أن يدلل على أهمية العودة إلى الحكم الشوري الذي دعا إليه الإسلام في أصوله النقية.

ومن الأهداف المهمة في هذا الإطار، والتي يسعى الكتاب لتحقيقها، تفكيك تأصيلات الاستبداد والملك العضوض، أو حُكْم المُغلِّب، المنسوبة للشرع الحنيف، مركزًا في هذا الإطار، على قراءة التجربة السياسية للصحابة الكِرام رضوان الله تعالى عليهم، وإثبات أن الحكم الشوري لا بديل عنه.

والمؤلف الدكتور محمد العبد الكريم، أستاذ مساعد بقسم أصول الفقه، كلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرِّياض، ومستشار بهيئة حقوق الإنسان، وعضو الجمعية السعوديَّة للعلوم السياسيَّة، وله نشاط سياسي وحقوقي معروف، حيث تعرَّض للاعتقال في المملكة بسبب بعض آرائه.

يتكون الكتاب من مقدِّمة، ومدخل، وثلاثة فصول، وخاتمة، ويبدأ بمقدمة وجيزة يؤكد فيها أن السعي في مواجهة الحُكَّام الظالمين؛ إنما هو أمر يدخل في باب الجهاد، وأنه من أهم الجهود التي يجب على الإنسان القيام بها، التصدي للفساد والاستبداد داخل مجتمعه.

مدخل الكتاب، جاء بعنوان "قراءة في التجربة السياسية الأولى للصحابة" وتناول فيها العبد الكريم، الملابسات التي بدأ فيها المجتمع الإسلامي الأول، بعد وفاة النبي الكريم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أولى تجاربه السياسية.

ويستفيض الكاتب في هذا الإطار، في شرح تجربة سقيفة بني ساعدة، التي اجتمع فيها المهاجرون والأنصار، لاختيار خليفة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكيف رجحت كفة رأي المهاجرين وتم تولية أبي بكرٍ الصديق (رضيَ اللهُ عنه).

وبعيدًا عن النظر إلى التفاصيل التاريخية التي أوردها الكاتب، والمعروفة للجميع؛ فإن العبد الكريم وقع في خطأ أخذه عليه العلماء والمفكرون الذين أجروا مراجعات سابقة للكتاب، وهي أنه وضع الممارسة السياسية للصحابة الكِرام في هذه المرحلة، في إطار توصيفي سياسي يندرج في ذات الإطار الذي ينتقده، وهو حُكم التَّغلُّب.

فقام بعرض ما قال إنه دور الغَلَبَة القبلية في ترجيح كفَّة رأي عمر بن الخطاب (رضيَ اللهُ عنه)، خلال دعمه لموقف أبي بكرٍ الصديق، في مواجهة موقف سعد بن عبادة، الذي أراد أن يجعل الخلافة بين الأنصار، ورأى أن موقف الأنصار في ذلك الحين كان سياسيًّا بحتًا؛ حيث أرادوا أن يسترجعوا سيطرتهم على المدينة المنورة.

الاستبداد يعتمد على أربع أدوات رئيسية من أجل تثبيت أقدامه، أولها سلاح أو أداة الأمن، ثم القضاء، ثم الإعلام، وأضاف إلى هذه الثلاثة "الدرع الديني"، من أجل "الأدلجة والتدجين" وفق وصف الكاتب

ولكنه يقول إن هناك انتصارًا كبيرًا يُحسب للصحابة الكبار، جرى في هذه المرحلة، وهو أنهم تجنبوا مخاطر حدوث انقسام، وفي ذلك الوقت نأوا بأنفسهم وبالحكم في الدولة الإسلامية الوليدة عن الحكم العائلي، والذي صار بعد ذلك إحدى السمات التي ميزت دولة الخلافة.

بنيان الاستبداد
الفصل الأول من الكتاب، جاء بعنوان "بنيان الاستبداد" ويصف فيه الكاتب الاستبداد بأنه بنيان تاريخي عميق ضارب بجذوره في أعماق التجربة الإنسانية في السياسة والحكم، وأنه تحول إلى عقيدة لدى أصحابه.

ويقول الكاتب في مستهل هذا الفصل: إن الاستبداد يعتمد على أربع أدوات رئيسية من أجل تثبيت أقدامه، أولها سلاح أو أداة الأمن، ثم القضاء، ثم الإعلام، وأضاف إلى هذه الثلاثة "الدرع الديني" من أجل "الأدلجة والتدجين" وفق وصف الكاتب.

ومن العبارات اللافتة التي أوردها الكاتب، حول هذا الأمر "لقد تم التأصيل والتشريع والتكوين وتنظيم مشروع الاستبداد على نحو يصعب الوصول لأبراجه الشاهقة في البنيان والتَّراص، بل يصعب التصدي له ما لم تتعاضد الجهود الفكرية والشرعية للتشهير به وتعريته مهما كان الثمن الذي سيُدفع".

والمؤلف في سياق "حماسته" في الدعوة إلى مواجهة الاستبداد والفساد؛ فإنه خصص غالبية الكلام في هذا الفصل من أجل "توضيح" مساحة الدور الذي لعبه ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح الفكر الديني الموجَّه، في تكريس مبدأ الاستبداد، والمُلك الجبري والمُلك العضوض.

وينتقد في هذا الإطار ما اصطُلح على أن يُطلق عليه اسم "شيوخ السلطان" ويحمل بعض السلف مسؤولية تكريس الاستبداد، في تاريخ الدولة والحكم في الإسلام، وذلك من خلال تأييدهم ما وصفه بـ"جريمة الشرع والقوة" عندما دعوا إلى عدم استعمال القوة في مجابهة السلطان المستبد الذي يستولي على السلطة بالقوة بدوره، حفاظًا على أرواح الناس.

وينكر الكاتب هذا المبدأ، كما ينكر أيضًا الكثير من الآراء التي خرج بها السلف في القرون التي تلت ظهور الحكم العائلي في تاريخ الخلافة الإسلامية، فيما يتعلق بموضوع تقويم سلوك الحاكم الفاسد المستبد، مثل مناصحته سرًّا فقط، وإنكارهم على رعيته مناصحته بالعلن أو مقاومته بالوسائل السلمية.

ويستهجن أطروحات البعض في صدد الشطط الذي وصلوا إليه في توصيف موقف مخالفي هذه الآراء التي ذهبوا إليها في صدد كيفية التعامل مع الحاكم، من أن المعارضين "خوارج" وما اتصل بمثل هذه المصطلحات التي تم استنساخها من خلال تجارب استثنائية في التاريخ الإسلامي.

مزاعم المستبدين في أنهم يحكمون باسم الدين باطلة لأن الإسلام (الدين) جاء في الأصل ليهدم دولة الظلم والاستبداد ويحرر الشعوب من العبودية لغير الله تعالى

تفكيك الاستبداد وآثاره
هذا الفصل الثاني الذي جاء بعنوان "تفكيك الاستبداد" هو الأكبر والأهم بين فصول الكتاب، حيث يتضمن الأفكار الرئيسة التي سعى الكاتب إلى مناقشتها في كتابه، وهو فصل الشريعة عن مفهوم الاستبداد السياسي الذي صبغ تجربة الحكم بدولة الخلافة في مرحلة ما بعد فترة الخلافة الراشدة.

وبداية، يُعرِّف الكاتب الاستبداد لغةً، على أنه "الانفراد بالأمر" وفي الاصطلاح يعني الاستبداد السياسي، انفراد الحاكم بشؤون الحكم، وكما عرَّفه الكواكبي، فهو يعني تصرُّف فرد أو جمع في حقوق القوم بالمشيئة، وبلا خوف تبعة.

ويركز بهذا الصدد على ما يمكن أن يُطْلَق عليه -وفق الكاتب- توظيف الحاكم المستبد للأداة الدينية، لتبرير وتكريس استبداده، ومن معالم ذلك، كما يقول، توظيف نصوص طاعة ولي الأمر في القرآن الكريم، ونصوص الإمارة والطاعة والصبر في السُّنَّة النبوية الشريفة، والتأصيل العقائدي في فكرة "طاعة المتغلِّب" وتوظيف الإجماع فيما يخص شرعيته، وما قال إنه -بشكل عام- استثمار القواعد الفقهية في بقاء المستبد الجائر.

كما ناقش فكرة تفكيك المصطلحات الشرعية وإعادة تركيبها بالشكل الذي يخدم الهدف السابق، مثل البيعة وأهل الحِل والعقد والشورى والفتنة والخروج، ونشر المأثورات السلفية ومقولات الفكر الساساني الفارسية، في تقديس الحكام.

أما آثار الاستبداد، فقد ناقشها الكاتب في الفصل الثالث، وركز على تداعيات استغلال الدين من جانب المستبدين على عقيدة التوحيد وكُلِّيَّات الإسلام، وقال إن استغلال الحُكَّام المستبدين لأصول وقواعد الدين تتنافى أصلاً مع أصول الإسلام النقية التي جاء بها الرسول الكريم (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم).

فيشير إلى أن الإسلام جاء لكي يخلص الناس من ظلم واستبداد الملوك والحكام الجائرين، ويحرر الإنسانية من عبودية غير الله تعالى من المخلوقات التي خلقها.

وقال إن هذه الرسالة الأساسية التي جاء بها الإسلام، هي ما دفعت صناديد ورموز مكة المكرمة وشبه الجزيرة العربية إلى شنِّ حربٍ ضروس على الإسلام في بداياته الأولى لمجرد أن محمدًا (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) قال لهم "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" ومن ثَمَّ علم كل مستبد منهم، أنه لو قالها لفقد كل امتيازاته وسيادته، مع تحرير الإسلام لعقول وقلوب الناس، وربطها فقط بعبودية الله عز وجل ووحدانيته.

ومن هنا فهو يقول ببطلان مختلف المزاعم التي يعتمد عليها مستبدو هذا الزمان، من أنهم يحكمون باسم الدين، الذي جاء في الأصل لكي يهدم دولة الظلم والاستبداد والفساد.

وختم المؤلف كتابه بعدد من الأطر التي وضعها، والتي يقول إنها الأطر التي قدمها الإسلام حقيقةً للتعامل مع أنظمة الفساد والاستبداد بين ظهرانيي بلدان عالمنا العربي والإسلامي، ومن بينها أن ما أخذه المستبدون بالقوة لا يُستَرد بالنصيحة، وأن كل تابع لغيره قد انتقص من حريته، محذرًا من أن للاستبداد آثارًا وخيمة على عقيدة التوحيد ومقاصد الشريعة، وهنا مأخذ مهم على الكاتب حيث إنه قال بإطلاق تأثير هذه الآثار، ولم يقل بأنها تقع في مدى تحقيق هدف نشر الشريعة الإسلامية والدين الحنيف.

فلا يمكن لأحد أن ينتقص من دين الله تعالى وشريعته، وإنما فقط تأتي الآثار ضمن السُّنَن التي وضعها الله تعالى في خلقه، في تعطيل مسيرة إعمار الأرض والحكم بما أنزل الله تعالى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك