عرض/ محمد تركي الربيعو

يتناول هذا الكتاب تاريخ القهوة التي تتميز عن غيرها من المشروبات بتاريخ ثقافي في العالم العربي والإسلامي لا يمكن أن نجد له مثيلا في المشروبات التي جاءت من موطنها الأصلي إلى هذه المنطقة. وربما كانت طبيعة المشروب والهيئة التي كان يشرب فيها وراء هذا الجدل الواسع، الذي قسم الفقهاء والأدباء خلال عدة قرون بما أدى إلى تراكم نتاج فقهي أدبي لا يزال يستحق الدراسة، كما أدى إلى حراك اجتماعي نتيجة لظهور بيوت القهوة والمقاهي وما صاحب ذلك من استقطابها لمظاهر جديدة (الغناء والمسرح الشعبي الحكواتي).

إذ تكشف "واقعة مكة" عام 1511 عن هذا الجو الذي "ضبطت" فيه القهوة وهي تشرب في جوار الحرم، حيث إن المحضر الذي رفع حينئذ إلى العاصمة القاهرة يكشف عن عناصر الارتياب في تأثير هذا المشروب الجديد على الوسط المحلي وخاصة أن هذا المحضر نفسه قد تضمن أيضا أول أسباب ومظاهر الخلاف حول القهوة بين الفقهاء والذي سيستمر بعد ذلك عدة قرون.

التاريخ المنسي للقهوة بالحجاز والقاهرة
يقول المؤلف إن "واقعة مكة " سنة 1511 تكشف أن القهوة كانت قد وصلت الحجاز قبل سنوات على الأقل حتى انتشرت وارتبطت بها مظاهر معينة، كما هو واضح من المحضر الذي حرر الواقعة وأرسل إلى القاهرة تلك السنة، وهو أقدم ما لدينا من النصوص التي توفر بعض المعطيات المتعلقة بوصول انتشار القهوة.

-الكتاب: من التاريخ الثقافي للقهوة والمقاهي
-المؤلف: محمد موفق أرناؤوط
-عدد الصفحات:170
-الناشر: دار جداول، سوريا
-الطبعة: الأولى/ 2012

وكان السلطان قنصوه الغوري (1500-1516) قد عين خاير بك ناظرا على الحسبة في مكة، حيث رأى في إحدى ليالي 1511 خلال طريقه من الكعبة إلى بيته جماعة تحتفل بالمولد النبوي ووجد بينهم شيئا يتعاطونه على هيئة الشربة التي يتناولها المسكر، ومعهم كأس يديرونه ويتداولونه بينهم، فسأل عن الشراب المذكور فقيل هذا شراب اتخذ في هذا الزمان ويسمى القهوة حيث يطبخ من قشر حب يأتي من بلاد اليمن يقال له البن، وإن هذا الشراب قد فشا أمره بمكة وكثر وصار يباع في مكة على هيئة الخمارات ويجتمع عليه بعض الناس بالرهن وغيره مما هو ممنوع في الشريعة المطهرة.

ويبدو أن السلوكيات الجديدة قد أقلقت ناظر الحسبة (الوصي على أخلاق المجتمع) ولذلك فقد جمع صباح اليوم التالي قضاة الإسلام وعلماء الدين لمناقشة أمر القهوة. ويبدو من المحضر المذكور أن الشيخ نور الدين بن ناصر الشافعي (مفتي مكة آنذاك) كان من المدافعين عن القهوة خلال ذلك الاجتماع مما عرضه إلى مصاعب بعد أن كفره بعض الحاضرين، وقد وصل الأمر إلى أن يرسل مع المحضر المذكور إلى العاصمة القاهرة سؤالا يشير إليه لاستصدار فتوى ضد القهوة.

ويضيف المؤلف أن مرسوم السلطان الغوري والذي نشر إثر الواقعة لم يستجب لما ورد في السؤال المتحيز ضد مفتي مكة، وذلك لقيامه بالتمييز بين قبول القهوة ومنع شرابها من التظاهر بشربها والدوران في الأسواق، ولعل هذه الروح التوفيقية -برأي الكاتب- تعكس الجو العام في القاهرة وبالتحديد حول اختلاف العلماء بين مؤيد ومعارض للقهوة وما أسفر عنه من تجاذب ديني اجتماعي سياسي غير مألوف.

ففي هذا الإطار يبرز أولا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري (1420-1520) الذي أصدر فتوى بمنع الناس من شربها، إلا أن المولعين بشربها راجعوه في ذلك مما دعاه إلى اختبار شاربي القهوة، حيث لم يرى منهم من الكلام ما هو فاحش بل وجد منهم انبساطا قليلا ولذلك فقد صنف في حلها مصنفا قاطعا بالحل.

وفي المقابل وجد في محيط الأنصاري من عارض القهوة أمثال الشيخ ابن عبد الحق السنباطي الذي أخذ يقود حملة في مجالسه بالأزهر ضد القهوة وبيوتاتها من خلال الدعوة لحرقها، فنتج عن ذلك فتنة كبيرة. ولتجنب هذه الفتنة أحيل الأمر إلى قاضي القضاة محمد بن إلياس الحنفي الذي أحضر جماعة ممن يشربون القهوة فأمر بطبخها وسقى منها بحضرته وجلس يتحدث معهم معظم النهار فلم ير منهم شيئا منكرا فأقرها في حينها. ويبدو أن هذه الفتوى قد شجعت أنصار القهوة، وهذا ما يتضح من خلال فترة خسرف باشا الذي تولى حكم مصر (1534-1536) والذي عرف زمانه بتفشي القهوة والمقاهي.

معظم الروايات تربط بين القهوة والطرق الصوفية وبالتحديد الشاذلية حتى أصبحت علاقتهم بالقهوة وطيدة إلى حد أن اسمها أو شربها أصبح يرتبط بشكل وثيق بالشاذلي نفسه

القهوة وطقوس الصوفية ببلاد الشام الجنوبية
ويرى المؤلف أن وصول القهوة إلى جنوب بلاد الشام من الحجاز واليمن توافق مع التغير السياسي الذي حصل في المنطقة (سقوط الدولة المملوكية وبروز الدولة العثمانية). كما أن معظم الروايات المختلفة تربط ذلك بعدة أشخاص من دراويش الطرق الصوفية وبالتحديد الطريقة الشاذلية حتى أصبحت علاقتهم بالقهوة وطيدة إلى حد أن اسم القهوة أو شربها أصبح يرتبط بشكل وثيق بالشاذلي نفسه.

وهكذا نجد مثلا أن القهوة في الجزائر تسمى "شاذلية" بينما نجد في ضواحي دمشق إلى مطلع القرن العشرين أن صاحب البيت حين يأخذ إبريق القهوة من على النار يسكب الفنجان الأول على الأرض لأنها "حصة الشاذلي".

بيد أن استقرار القهوة في المحيط الفقهي الشامي لم تكن من السهولة، إذ أن الأمر كان يتعلق بالقاضي الموجود في دمشق والذي كان يتغير من حين لآخر ويتغير معه الموقف برمته. وهكذا بعد عدة سنوات عين الشيخ الحسيني قاضيا واتفق مع بعض العلماء المعروفين على تحريم القهوة ولم يكتف بهذا بل عرض الأمر على السلطان سليمان القانوني فورد أمر بإبطالها سنة 1546.

لكن سرعان ما اختلف الأمر بعد وفاة السلطان من حيث عودة الناس إلى شرب القهوة ثانية في عهد والي دمشق لالا مصطفى (1563-1568). ومما ساهم في ترجيح كفة أنصار القهوة أن العلماء المناصرين لها أخذوا يرتادون بيوتها، ويتمتعون بشربها هناك ويشرعون في الكتابة دلالة على ما أصبحت تعني بالنسبة لهم. كما أصبحت بيوت القهوة تجذب المزيد من الرواد لاعتبارها أماكن للتسلية والمتعة من خلال الاستماع إلى المغنيين المعتبرين في عصرهم.

رحلة القهوة
ويذهب الكتاب إلى أن البوسنة كغيرها من مناطق شبه جزيرة البلقان عرفت تغيرات سياسية واجتماعية وثقافية بعد ضم هذه المناطق إلى الدولة العثمانية. وقد كانت هذه المناطق تتبع حتى منتصف القرن الرابع عشر أنظمة إقطاعية متنازعة مما أدى إلى استمرار نمط الحصون /المدن المنغلقة عن بقية المناطق.

وقد تميز العصر العثماني الطويل في البلقان (ق14-ق20) منذ بدايته بتطور عمراني مثير ساهم في بروز مدن بملامح شرقية، إذا أصبحت بلغراد تعرف مثلا بـ"دمشق الأوروبية". كما بدا ذلك من خلال الأزياء والأطعمة والأشربة، ولذلك فقد اختفت عند المسلمين البلقانيين بعض الأطعمة والأشربة كلحم الخنزير ودخلت لديهم أصناف جديدة (الكباب والبقلاوة).

ومن ناحية أخري فقد أصبح طريق الحج الحيوي (سراييفو – إسطنبول- حلب- دمشق- المدينة –مكة ) جسرا هاما للتواصل الحضاري تنتقل فيه الأفكار والسلع الجديدة في اتجاهين وليس في اتجاه واحد. وكانت القهوة قد عرفت في اليمن والحجاز بداية الأمر، ومن هناك وصلت أولا إلى دمشق في مطلع القرن السادس عشر وتابعت طريقها إلى حلب.

وبالاستناد إلى ما يذكره المؤرخون العثمانيون في هذا المجال، فقد عرفت إسطنبول القهوة والمقاهي سنة 1554، حيث قام شخص من دمشق وآخر من حلب بفتح مقهيين في محلة تحت القلعة، وأخذ يتردد على المقاهي الأئمة وطلاب المدارس الدينية، حتى تقاعس الكثيرون منهم عن الذهاب إلى الجوامع مما أثار سخط بعض علماء الدين الذين بادروا إلى إصدار الفتاوى التي تحرم شرب القهوة لتبقى كذلك حتى سنة 1591.

غدت المقاهي في البوسنة تقدم متعة لزبائنها تتمثل في "الرواة " الشعبيين الذين كانوا على اطلاع جيد على التراث الشرقي مما ساهم في دخول مؤثرات شرقية إلى الأدب الشعبي البوسني

وفيما يتعلق بسراييفو عاصمة البوسنة، فمن المؤكد أن القهوة وصلت وانتشرت في النصف الثاني للقرن السادس عشر، لكن هذا الانتشار لم يتم من دون معارضة.

إذ تفيدنا رسالة مصطفى الأقحصاري المتوفى سنة 1755 (رسالة حول القهوة والدخان والأشربة) من خلال مقدمة رسالته بمعرفة أن الخلاف حول القهوة في البوسنة كان لا يزال مستمرا.

فالقهوة كانت قد انتشرت في البوسنة خلال ذلك الوقت، وباتت لصيقة بعادات وتقاليد اجتماعية من خلال اعتبارها رمزا للاحتفاء بالضيف. فدعوة شخص ما إلى "فنجان من القهوة" كانت تعني التشريف له ولصاحب البيت، كما باتت تعتبر مادة ثمينة، ولذلك كانت تقدم وتؤخذ كهدية في المناسبات المختلفة.

وغدت المقاهي في البوسنة تقدم متعة لزبائنها تتمثل في "الرواة " الشعبيين الذين كانوا على اطلاع جيد على التراث الشرقي مما ساهم في أن تكون بمثابة الطريق التي دخلت بواسطتها مؤثرات شرقية كثيرة إلى الأدب الشعبي البوسني.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك