عرض/ أحمد التلاوي

بعد أن بدأت الصورة تتضح في عدد من البلدان العربية التي شهدت في السنتيْن الأخيرتَيْن ثورات شعبية أطاحت بعدد من الأنظمة العتيدة في الحكم، كما في مصر وتونس وليبيا؛ ظهرت العديد من التساؤلات حول قدرة الأنظمة والحكومات الجديدة التي يشكل الإسلاميون قوامها وعمادها الرئيسي، على الاستمرار في الحكم، ومواجهة التحديات القائمة، وخصوصًا ما يتعلق بالأوضاع التي تركت عليها الأنظمة البائدة هذه الدول والمجتمعات.

-الكتاب: الإسلاميون وتحديات الحكم في أعقاب الثورات العربية
-المؤلف: مجموعة من المؤلفين
-تحرير: حامد قويسي وآخرون
-النَّاشر: مركز دراسات الشرق الأوسط – الأردن - سلسلة ندوات (63)
-الطبعة: الأولى 2012

وبين أيدينا كتاب بعنوان "الإسلاميون وتحديات الحكم في أعقاب الثورات العربية" يتناول مجموعة من القضايا التأصيلية التي تتعلق بالتحديات القادمة التي من المنتظر أن تواجه الإسلاميين في الحكم، في بلدان الربيع العربي من مختلف النواحي، الداخلية والحركية والتنظيمية، الخاصة بها، وعلى المستويين الداخلي والخارجي للأوطان التي يحكمها الإسلاميون أو يشاركون في حكوماتها.

والكتاب في الأصل عبارة عن أوراق ندوة علمية عقدها مركز دراسات الشرق الأوسط بالأردن، وصدر ضمن سلسلة الندوات التي يصدرها المركز، وشارك فيها سياسيون وأكاديميون متخصصون من أحد عشر بلدًا عربيًّا.

وبين هؤلاء رموز وقيادات في الحركة الإسلامية، وخصوصًا جماعة الإخوان المسلمين، مثل رئيس حركة النهضة التونسي ةالدكتور راشد الغنوشي، ووزير الأوقاف السوداني الأسبق الدكتور عصام البشير، والأمين العام لجماعة الإخوان في مصر الدكتور محمود حسين.

وجاء الكتاب في أربعة فصول، احتوت الثلاثة الأول منها على الأوراق العلمية للندوة، وجاء كل منها في ثلاثة مباحث، تناول الفصل الأول موضوع تحديات الحكم بعد الثورات العربية، من زاوية الإدراك القيادي للإسلاميين والقضايا التأسيسية أو التأصيلية، المرتبطة بذلك، في حين عالج الثاني محور "الإسلاميون والحكم لجهة السياسات الداخلية.

أما الفصل الثالث، فقد خُصِّص لمناقشة قضية الإسلاميين والسياسات الإقليمية والدولية، من جهة التحديات التي تواجههم، والاستجابات الآنية والمتوقعة لهم، ثم جاء الرابع متضمنًا النقاشات وخلاصات الأوراق التي ناقشتها الندوة، ثم خاتمة تحوي أهم خلاصات الكتاب ونتائجه وتوصياته.

المدركات الذاتية للإسلاميين
الفصل الأول كان بعنوان "قضية الحكم وتحدياته في الإدراك القيادي.. مقاربات تنظيمية حركية وشرعية فكرية، وتناول في مباحثه الثلاثة مجموعة من المسائل حول قضية إدراك قيادات الحركة الإسلامية في دول الربيع العربي، للتحديات التي تواجهها في الحكم بعد الثورات العربية.

وتأتي أهمية تناول ذلك، باعتبار أن هذا الإدراك هو الذي سوف يحدد مدى قدرة هذه القيادات على صناعة القرار واتخاذه، ومن ثم كيفية الاستجابة للتحديات التي تواجه الإسلاميين في الوقت الراهن، في تلك المرحلة النادرة في التاريخ، والتي يتولون فيها الحكم بشكل مباشر.

وحدد المشاركون هذه التحديات في أربعة هي؛ التحدي الأول المشروع الذي ينتوي الإسلاميون تطبيقه لتحقيق النهضة في إطار المرجعية الرئيسية للتيار الإسلامي.

إدراك التحديات يحدد مدى قدرة القيادات الإسلامية على صناعة القرار واتخاذه، ومن ثم كيفية الاستجابة للتحديات التي تواجههم وهم يتولون الحكم بشكل مباشر

أما التحدي الثاني، فهو الإسلاميون ذاتهم والتنظيمات التي تضمهم، وخصوصًا فيما يتعلق بدرجة استعدادهم للمرحلة الحالية والمستقبلية، وما يرتبط بذلك في صدد كيفية إعادة بناء العلاقات فيما بينهم وبين مجتمعاتهم ومحيطهم الإقليمي والدولي.

التحدي الثالث يخص مسألة إعادة بناء الدولة وتأسيسها داخليًّا، أما الرابع فهو التحديات الخاصة بالبيئة الدولية والإقليمية، وكيفية التعامل معها، وتأثيرها على البنية الداخلية لهذه التنظيمات، وكذلك البيئة الداخلية في البلدان التي يحكمونها.

كما تناول هذا الفصل، قضية الإسلاميين والحكم، بين المرجعيات الحاكمة للأحزاب والحركات الإسلامية، وبين متطلبات التعامل بواقعية في الإطار السياسي والمجتمعي القائم، وملابساته في الداخل والخارج.

وقدم في هذا مقاربة سياسية وشرعية حول قضية الحكم وممارسة السياسة، ميز فيها بين الدين باعتباره أمرًا إلهيًّا ثابتًا، والتدين كظاهرة إنسانية، ومفهوم السياسة الشرعية في هذا الإطار، وكيف يمكن تطبيقه.

وأشار إلى نموذج حالة من خلال تجربة حركة النهضة التونسية منذ بداياتها، وحتى وقتنا الراهن، باعتبار انتقالها بين المعارضة والحكم في العقود الثلاثة الماضية.

تحديات السياسات الداخلية
الفصل الثاني من الكتاب بعنوان "الإسلاميون وتحديات الحكم.. السياسات الداخلية"، ركزت مباحثه الثلاثة، على عدد من القضايا المطروحة على الأحزاب والحركات الإسلامية فيما يخص سؤال الحكم داخل بلدان الربيع العربي، ولاسيما فيما يتعلق ببناء الدولة الحديثة وتأسيس السلطة الحاكمة على أسس جديدة، وممارسة العملية السياسية نفسها.

ويقول الكتاب في هذا، إنه بالرغم من أن هناك فارقًا بين الدولة الحداثية في فكر الحركات الإسلامية، مقارنة بمفهوم الدولة في المدرسة العلمانية؛ إلا أنه كذلك، هناك اختلافات بين مشروع الدولة لدى الإسلاميين وما يُعرف بالدولة الدينية، حيث إن الدولة لدى الإسلاميين، هي دولة قانون، تقوم على المبادئ السياسية التي تقوم عليها الدولة وفق المنظور الإسلامي.

ومن بين المستهدفات الأساسية لدولة الإسلاميين المدنية، أنها تُعتبر أداة لتنفيذ المشروع الإسلامي، الذي بدوره يعتبر خدمة المجتمع بمختلف ألوان طيفه أساسًا للنهضة.

أهم عوامل نجاح ممارسة العملية السياسية لدى الإسلاميين قبول فكرة التغيير السياسي، والعمل على إصلاح أنظمة الحكم القائمة

وفيما يتعلق بمبدأ التداول السلمي للسلطة، يمكن القول بأنه يجب على الإسلاميين وضع نموذج خاص بهم في هذا، ولكنه لا يتجاهل أهمية الآلية الانتخابية في تحقيق ما وصفه بدوران المناصب السياسية، باعتبار أن ذلك هو صُلب مفهوم التداول السلمي للسلطة، مع ضرورة غرس فكرة تداول السلطة في ذهنية الإسلاميين في هذه المرحلة، وألا يطرحوا أنفسهم كـ"بديل وحيد" في السلطة، وإنما كـ"بديل جديد".

وفيما يتعلق بقضية ممارسة العملية السياسية لدى الإسلاميين، أكدت الأوراق التي قدمها المشاركون بالندوة في هذا الجانب، أن عامل النجاح الأهم لهم في هذا الأمر، هو قبول فكرة التغيير السياسي، والعمل على إصلاح أنظمة الحكم القائمة.

وقدم المشاركون نموذجًا لكيفية إدارة الإسلاميين للعملية السياسية، من خلال تجربة حزب التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمون)، وأحزاب اللقاء المشترك التي كانت تعارض الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح.

وأشاروا إلى تحدٍّ رئيسيٍّ يواجهه الإسلاميون في هذا السياق، وهو الممانعة التي يلقونها من جانب بعض الأطراف داخل الدول التي سقطت أنظمتها القديمة، ويقدم الكتاب "نصيحة" لمختلف الأطراف السياسية والمجتمعية الموجودة في هذه المجتمعات، بضرورة إعطاء الإسلاميين فرصة للتجربة قبل الحكم عليهم.

وطرحوا في هذا الإطار، ثلاثة مستويات من التحديات بالنسبة لمستقبل التجربة الإسلامية في الحكم في بلدان الربيع العربي، المستوى الأول: المواطن الفرد العربي، ومدى قبوله للجديد الذي يطرحه الإسلاميون، والثاني: مستوى هيكل الدولة المستقبلي، بعد عقود من الفساد والترهل، والثالث: المستوى الخاص بهيكل النظام الدولي، ومدى قبوله للإسلاميين.

تحديات إقليمية ودولية
الفصل الثالث، حمل عنوان "الإسلاميون والسياسات الإقليمية والدولية.. التحديات والاستجابات"، وجاء أيضًا في ثلاثة مباحث، وتناول جدلية تحديات تفاعلات الداخلي والدولي في سلوك الأحزاب والحركات الإسلامية.

ففي تناوله للعوامل الخارجية التي دفعت لوقوع الثورات العربية، قدم هذا الفصل رؤية خاصة لخريطة القوى العالمية وتحالفاتها الإقليمية، وخصوصًا التحالف الأميركي الصهيوني، والدور الذي لعبته تبعية الأنظمة السابقة لهذا التحالف في تحريك الشارع العربي.

وحول الاستجابات المتوقعة للإسلاميين إزاء تحديات الداخل والخارج، والتي من أبرزها القوى المناهضة للتغيير، والتي لا تزال- داخليًّا- تسيطر على أجهزة ومؤسسات الدولة، وخارجيًّا محاولات عدد من الأطراف الإقليمية والدولية إجهاض التجربة الثورية؛ قال المشاركون إنه على المستوى الداخلي يجب تحويل أهداف الثورة إلى برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي متنوع، والعمل المشترك مع مختلف القوى السياسية القائمة.

يجب أن يدرك الإسلاميون أن العالم فيه الكثير من الأقطاب الأخرى، بخلاف الولايات المتحدة والغرب، يمكن التعامل معها مثل روسيا والصين
 

أما خارجيًّا، فقد قدم المشاركون في الندوة تجارب حكومات وأنظمة إسلامية قائمة بالفعل مثل تركيا وإيران والسودان، وأشاروا إلى ضرورة إدراك الإسلاميين أن العالم فيه الكثير من الأقطاب الأخرى، بخلاف الولايات المتحدة والغرب، يمكن التعامل معها، مثل روسيا والصين، مع ضرورة رسم اختيارات التعامل مع القوى المختلفة في النظام الدولي، مشيرين إلى أنه من أهم الأهداف المطلوب التصدي لها، ما وصفوه بـ"إشكالية المقبولية الدولية للحركات الإسلامية".
أما الفصل الرابع فيتناول المداخلات والنقاشات التي شهدتها أروقة الندوة، وركزت على جانب مهم للتجربة الإسلامية الصاعدة في الحكم بعد الربيع العربي، وهي قضية الممارسة الديمقراطية، وكيف يمكن للإسلاميين، أحزابًا وحركات، وأفرادًا، أن يفوا بالالتزامات الداخلية والإقليمية والدولية الواقعة أمامهم في هذه المرحلة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك