عرض/ محمد تركي الربيعو

لعل ما هو موجود في اللغة العربية عن السلطان عبد الحميد وعهده يتشابه مع ما هو موجود عن الدولة العثمانية بشكل عام، حيث تتميز الدراسات والكتب المنشورة بالحدّية سواء كانت مع السلطان عبد الحميد أو ضده، وذلك نتيجة لعدم اعتمادها على الوثائق والمصادر التي تعبر عن مختلف الأطراف المعنية (العثمانية والألمانية والفرنسية والبريطانية).

ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة للمؤرخ اللبناني الراحل قيصر فرح الذي عمل أستاذا للتاريخ في جامعة مينيسوتا في الولايات المتحدة الأميركية، وقد وافته المنية قبل طباعة الكتاب الصادر في إسطنبول عن وقف الأبحاث والفنون والثقافة الإسلامية (أرسيكا) التابع لمنظمة التعاون الإسلامي.

-الكتاب: السلطان عبد الحميد والعالم الاسلامي
-المؤلف: قيصر أ. فرح
-المترجم : محمد م. أرناؤوط
-عدد الصفحات: 470
-الناشر: دار جداول بالتعاون مع أرسيكا،2012

وقد قام بترجمة الكتاب إلى العربية المؤرخ السوري محمد أرناؤوط الذي يعد من أهم المنشغلين حاليا في الساحة المشرقية العربية بإعادة تقميش واستكشاف التاريخ العثماني للولايات العربية والبلقانية، وذلك بالتعاون مع دار جداول البيروتية التي أخذت تقدم جهودا ضخمة في مجال النشر داخل الحقل الثقافي العربي على الرغم من حداثة ولادتها.

وبرأينا فإن أهمية دراسة فرح أنها تهاجر في الاتجاه المعاكس لمعظم الدراسات التي كتبت عن الفترة الأخيرة من زمن الدولة العثمانية والتي انحازت وساهمت في تشويه الصورة الاجتماعية والسياسية لتلك الحقبة، وأعني هنا الانحياز القومي الذي تقاسمه المراقبون الغربيون المعاصرون لتلك الفترة مع مؤرخي الشرق الأوسط اللاحقين.

فشهود العيان الأوروبيون والعديد من مؤرخي التاريخ القومي العربي أمثال جورج أنطونيوس في دراسته عن "يقظة العرب" غالبا ما نظروا إلى الشرق الأوسط قبل الحرب العالمية الأولى من خلال تصوير النزعة القومية على أنها قوة سياسية كبرى.

وكثيرا ما بحثوا في التاريخ السياسي لمجتمعاتنا من منظور الحركات القومية في المناطق البلقانية المسيحية، مع أن فكرة الانتماء إلى دولة قومية وفق النموذج الغربي الحديث لم تكن ذات معنى بنظر أكثر المسلمين.

حكاية آخر العثمانيين مع بردة النبي
تجمع معظم الدراسات التاريخية على أن عالم القرن التاسع عشر كان مغايرا للعقود السابقة سواء على الصعيد التنظيمي أو حتى الاجتماعي، والتي لم تكن انعكاسا لضغوط التحولات الخارجية فقط، وإنما كانت تعبر عن وعي ذاتي تجاه الحقبة الزمنية التي يعيشها العثمانيون وتغيرات العالم المحيط بهم.

ولذلك كان لا بد من إعادة إصلاح الإمبراطورية ضمانا لاستمراريتها من خلال الأخذ بتقنيات الغرب وبعض تنظيماته، مما أدى إلى تأسيس جهاز بيروقراطي جديد للدولة وإلى تغير في التوجه الألسني للحكومة من خلال مشاركة النخب الجديدة في إدارة البلاد بعد أن كان الصدر الأعظم وحده يؤسس ويدير السلطة.

مع ضرورة أن نميز على مدى هذا القرن من الإصلاحات بين جيلين من النخب البيروقراطية العثمانية الجديدة، كما يرى المؤرخ التركي البر أورطايلي في كتابه "الخلافة العثمانية"، وذلك بين الموجودين في بدايات الخطوات الإصلاحية والذين كانوا يمتلكون قوالب أكثر تقليدية من الجيل اللاحق الذي كان أكثر إعجابا بالمؤسسات والأدبيات السياسية الأوروبية. والذي تخطى الرغبة في الاقتصار على التقنيات الإدارية والعسكرية باتجاه الأخذ بالتقنيات السياسية التي كانت برأيه ستساهم في اختفاء مشاكل الأقليات والنزعات القومية في حال بنائها.

وقد نجحوا في ذلك من خلال فرضهم للمرحلة الدستورية الأولى عام 1876م التي سرعان ما تم تعليقها من قبل السلطان عبد الحميد الثاني الذي تنبّه إلى أن تطلعات النخب العثمانية كانت غارقة آنذاك في التفاؤل في ظل ظروف عالمية جديدة تحاصر الباب العالي، وأزمات داخلية تجعل الأرضية العثمانية غير جاهزة للتطبيقات التي كان يدعو إليها أنصار تركيا الفتاة.

بيد أن رؤية السلطان وسياساته الداخلية تلك لم تقرأ من هذا المنظور لدى قسم كبير من الباحثين سواء العرب أو الأتراك الذين غالبا ما نظروا إلى الأمر من باب الصراع بين البيروقراطية التجديدية ونزعة السلطان الاستبدادية. وفي هذه النقطة بالذات كثيرا ما نظر لهذا التعطيل أيضا من خلال محاكاته مع الواقع السياسي الشمولي الحالي.

حظيت فكرة نمو الاتحاد والتضامن الإسلامي بتأييد العديد من النخب الثقافية التي خاضت سجالا عميقا مع نخب القوى الإمبريالية الساعية بخطوات حثيثة لفصل الخلافة عن السلطنة والتركيز على حجج واهية

ومن هنا فإن الفكرة الأساسية للكتاب تحاول دحض هذه الرؤى من خلال قولها إن هذا الافتراء وهذا الفهم الخاطئ لسياسات "وحش يلدز" كما وصفته بعض الصحف الغربية في حينها تعود إلى القلق الغربي من الجهود الحثيثة التي بذلها لإحياء العظمة الدينية للخلافة بوصفها السلاح الوحيد للدفاع عما بقي له من الدولة العثمانية في مواجهة التنافس الأوروبي، وخاصة أن الإمكانيات الثورية لهذه السياسة الإحيائية كانت مقلقة للغاية وذلك عندما نعلم أن رعايا الدولة البريطانية من المسلمين الخاضعين لنفوذها الاستعماري والذين قد بلغ عددهم 56 مليون مسلم قد اعترفوا بالسلطان عبد الحميد الثاني باعتباره وارثا لعباءة الخلافة من الأسلاف الصالحين.

أما الأداة الحركية السياسية لهذا المشروع الساعي وراء قيادة مركزية تتخذ من إسطنبول مقرا لها ويمثلها السلطان/الخليفة، فتمت من خلال تبني فكرة الجامعة الإسلامية التي عادة ما تنسب للأفغاني بينما يرى فرح أن هذا الأخير كان أحد رواد هذه الفكرة التي تعود بجذورها إلى مرحلة السلطان عبد العزيز (1861-1876م) الذي أخذ يفضل العودة إلى النمط الإصلاحي في الحكم بعد التغلغل الأجنبي في مؤسسات صنع القرار.

وقد حظيت فكرة نمو الاتحاد والتضامن الإسلامي بتأييد العديد من النخب الثقافية التي خاضت سجالا عميقا مع نخب القوى الإمبريالية الساعية بخطوات حثيثة لفصل الخلافة عن السلطنة والتركيز على حجج واهية من خلال الادعاء بأن أحد الأسس الراسخة في الإسلام هو في الأصل القرشي للخليفة، أو من خلال تأييد خديوي مصر لأن يكون خليفة للمسلمين وذلك لإضعاف تأثير هذه المؤسسة التي كانت تشكل بدعوات عبد الحميد كخليفة للمسلمين تهديدا لمستعمراتها في أفريقيا وآسيا، وحتى لا يكون في وسعه إعلان الجهاد ضد القوى الإمبريالية.

الإمبراطورية الألمانية وفكرة الجامعة الإسلامية
حظيت زيارة القيصر الألماني فيلهلم الثاني للدولة العثمانية بتأييد السلطان والإسلام بشكل عام . إذ لم تكن تعاني ألمانيا من وصمة الاحتلال لبلاد العثمانيين، لذلك فإن مصداقيتها كانت قوية بين رعايا الدولة المسلمين. لكن هذا التقارب في العلاقات الألمانية العثمانية أثار حفيظة دول الحلفاء حيث يبدو ذلك جليا من خلال أرشيف الصحافة البريطانية التي حملت القيصر الألماني فكرة الجامعة الإسلامية وذلك في سبيل حصوله على التأييد في حال اندلاع حرب معها من خلال الإعلان عن الجهاد من قبل خليفة المسلمين العثماني بما يساهم في تقويض ولاء المسلمين لحكامهم البريطانيين أو الفرنسيين.

ولعل في هذه الشكوك ما يثبتها وخاصة أن المؤلف يستند في هذا السياق لكم كبير من الوثائق التابعة لوزارة الخارجية الألمانية والتي كما يبدو لم تحظ بالاهتمام الكافي في الساحة التاريخية العربية باستثناء بعض الحفريات الجدية للمؤرخ اللبناني عبد الرؤوف سنو في كتابه عن "ألمانيا والإسلام في القرنين التاسع عشر والعشرين". على الرغم من أن الألمان والنمساويين كانوا أكثر اطلاعا على حقائق الإمبراطورية ولم يتأثروا كثيرا بالنزعة القومية.

ومن هنا يكشف لنا أحد التقارير عن تفاصيل الإستراتيجية التي تبنتها برلين بواسطة ممثل "غير رسمي" في الوكالة الألمانية بالقاهرة ألا وهو ماكس فون أوبنهايم الذي أعدها لحشد العالم الإسلامي "ضد أعداء ألمانيا"، لكن ما يثير الاهتمام في هذه المساعي الباحثة عن خدمة المصالح القومية للدولة الألمانية وخاصة من قبل المثقفين والمستشرقين الألمان أنها أخذت تتجاوز النزعة السياسية الضيقة من خلال محاولتها تأسيس جهود عظيمة للبحث في تاريخ الإسلام ودوره.

أوبنهايم هو صاحب موسوعة أنثروبولوجية هامة للغاية عن البدو أعدها لتقديم تقارير عن كافة القبائل القاطنة في المشرق العربي وذلك لتزويدها بالسلاح في حال نشوء الحرب ضد الحلفاء

وللتذكير فإن أوبنهايم هو صاحب موسوعة أنثروبولوجية هامة للغاية عن البدو ترجمت قبل سنوات إلى العربية كان قد أعدها لتقديم تقارير عن كافة القبائل القاطنة في المشرق العربي وذلك لمحاولة تزويدها بالسلاح في حال نشوء الحرب ضد الحلفاء.

ولعل في جدية هذه المعرفة الألمانية بالشرق ما يذكرنا بما أثاره المفكر الإسلامي رضوان السيد قبل سنوات في كتابه "الاستشراق الألماني" من نقد لإعراض المرحوم إدوار سعيد عن رؤية الاستشراق الألماني انطلاقا من أن الألمان المستشرقين ما كانوا فاعلين أقوياء في "المؤسسة" الحاكمة التي لم تكن لديها طموحات استعمارية في العالمين العربي والإسلامي، بينما تثبت هذه الدراسة أن برلين كانت ذات سياسات استعمارية شرهة من خلال اتجاهها صوب أفريقيا لانتزاع بعض الأقاليم، ثم صوب آسيا العثمانية لإقامة علاقة إستراتيجية مع "الرجل المريض" في مواجهة الروس والبريطانيين والفرنسيين على حد سواء.

لكن رغم هذا الموقف السياسي فإن ذلك لم يؤثر على رؤية الاستشراق الألماني الغني والجاد لعظمة الحضارة الإسلامية مقارنة بالمدارس الاستشراقية الأخرى. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك