عرض/شرين يونس

يتطرق الكاتب في مؤلفه "أقباط المهجر.. ثلاثية الدولة والكنيسة والمواطنة" إلى العديد من القضايا، منها تأثير العولمة على مفهوم المواطنة، ونشأة ما يعرف بأقباط المهجر ومنظماتهم، ودورهم سواء في صنع سياسة البلدان المقيمين بها، أو تأثيرهم على قضايا الأقباط داخل الوطن الأم، وكذلك علاقاتهم بالكنيسة والدولة المصرية.

ويرجع الكاتب الفضل لثورة 1919 في إخراج الأقباط بشكل واضح إلى الحياة العامة، فالتحقت قيادات سياسية منهم بحزب الوفد الذي جسد الوحدة الوطنية، وأصبح الأقباط أعضاء بمجلس النواب وفي مجلس الشيوخ بنفس نسبة وجودهم في المجتمع، وعلى قدر نشاطهم.

ولكن وبعد قيام ثورة يوليو/تموز 1952، تعطلت مسيرة مصر نحو الدولة المدنية، فالمواطنة المرتبطة بعاملي "المشاركة والمساواة" تأثرت بالعديد من السياسات سواء بحسب القيادة السياسية في البلاد، أو بالإجراءات الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك وفقا لنفوذ القيادات والتنظيمات الدينية وموقعها داخل الدولة.

المواطنة وإشكالياتها
يرى الكاتب أن المواطنة تواجه في مصر عددا من الإشكاليات، منها الحديث عن الطائفية، مع بروز الطائفية النصوصية والفكرية منذ السبعينيات، التي تعنى بإنتاج نصوص فكرية تقسم البشر كل حسب دينه، مما مثل تراجعا حاسما عن المواطنة التي تساوي بين الجميع.

-الكتاب: أقباط المهجر.. وثلاثية العلاقة بين الدولة والكنيسة والمواطنة
-المؤلف: د. يسرى العزباوى
-عدد الصفحات:390
-الناشر: مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام, القاهرة
-الطبعة: الأولى/ نوفمبر 2012

إضافة لإشكالية صعود الدعوة لحقوق الإنسان/الأقليات، حينما أتاحت التحولات العالمية وتداخل المصالح الاقتصادية التدخل تحت مظلة حقوق الإنسان/الأقليات، وباتت قضايا وأوضاع الأقباط، والعلاقة بين المسلمين والأقباط، تناقش على أرض حقوق الإنسان/الأقليات.

وظهرت أيضا إشكالية الثروة، والربط بين القدرة المالية والوضع كمواطنين يعيشون على أرض الوطن، مما أفرز بعض المشكلات التي يعاني منها الأقباط الذين لا يمتلكون الثروة من أبناء الفئات الوسطى.

وأشار الكاتب إلى إشكالية تقديم البيروقراطي على المثقف السياسي، واستغلال الجهاز الإداري البيروقراطي وتكليفه بعلاج الاحتقانات الطائفية، بالإضافة إلى انتشار حالة الاغتراب وغياب الانتماء بين المواطنين لعدم توافر حد أدنى من الحياة الكريمة اجتماعيا واقتصاديا.

وتتعدد مظاهر وتداعيات هذه الأزمة على مستويات عدة، منها التمييز ضد الأقليات الدينية، الذي تمثل في تهميش الأقباط في الحياة النيابية والسياسية في مصر، وخلو بعض القطاعات المهمة والحساسة من الأقباط، وإعمال القوانين الاستثنائية كقانون الطوارئ، ناهيك عن الغياب السياسي للمواطنين نظرا للانشغال بلقمة العيش.

تحديات العولمة
في حين تواجه المواطنة والدولة القومية العديد من التحديات بفعل العولمة، منها ظهور مؤسسات وفاعلين يقومون بدور الدولة مثل المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية والنقابات والاتحادات، إضافة لاستخدام بعض الفاعلين الدوليين لحقوق الإنسان حجة للتدخل في شؤون الدول كما حدث في حالة الصومال والبوسنة وكوسوفو.

وأثار نشر قيم حقوق الإنسان بالصيغة الغربية العديد من النعرات بالنسبة للمجموعات الاجتماعية المتنوعة، حيث جاء الضغط بإحلال صيغة حقوق الإنسان محل المواطنة، دون اعتبار للبنى الاجتماعية والاقتصادية للدول المختلفة.

ناهيك عما أبرزته العولمة من تعدد الولاءات والانتماءات بسبب زيادة الهجرات، وغلبة العامل المادي في ثقافة الفرد، إضافة للترويج لنظام السوق باعتباره الوصفة الناجحة لكل المشكلات الاقتصادية، وما يتتبعه من انحسار لدور الدولة في تحديد نمط التنمية وتخطيطها، وما ينتج عنه من تآكل التضامن الاجتماعي وانتشار الإحباط وعدم الثقة في الأشكال القائمة للعمليات السياسية.

وفي المقابل يرى فريق آخر أن العولمة ساعدت الدولة في تقوية وسائل السيطرة على المجتمع وتوحيد صفوفه، وأن المواجهة السلمية للعولمة تمثل تقوية للمواطنة وتدعيما للانتماء الوطني، وأن على الدولة الارتقاء بحال الديمقراطية واستكمال الجوانب التي تدعم المواطنة.

الفترة الناصرية عززت الطائفية من خلال تبني خطاب القومية العربية الذي مهد لبروز العامل الديني لتحديد الهوية، وأيضا لاتباع نظام الحصص للأقباط للمرة الأولى فى تاريخ مصر

التوتر الطائفي في مصر
انتقل الباحث للحديث عن التوتر الطائفي في مصر، مستعرضا مختلف الحقب السياسية منذ ثورة 1952، ويرى أن الفترة الناصرية عززت الطائفية من خلال تبني خطاب القومية العربية الذي مهد لبروز العامل الديني لتحديد الهوية، وأيضا لاتباع نظام الحصص للأقباط للمرة الأولى في تاريخ مصر.

ورغم ذلك فقد ساعدت الإنجازات الاجتماعية التي شملت المسيحيين والمسلمين، وكذلك تصاعد قضية الصراع مع إسرائيل، على انحسار الميول الطائفية.

ولكن ومع ذلك يؤكد الكاتب أنه خلال تلك الحقبة حدث تراجع حقيقي في أوضاع الأقباط فيما يتعلق بتولي الوظائف القيادية والتمثيل البرلماني، كما أن النظام لم ينه القيود المفروضة على بناء دور العبادة للمسيحيين، كما دشن هذا العصر بداية ظهور دور الكنيسة كفاعل في السياسة.

في حين شهدت حقبة السادات تصاعدا لدور نشطاء أقباط المهجر، نتيجة لعبه على وتر الدين لصالح تثبيت دعائم حكمه، وتنامي التيار الإسلامي الذي أدى لاتساع نطاق التمييز على أساس الدين في مصر، رافقه ازدياد وتيرة العنف ضد المسيحيين، مما أدى إلى ارتفاع مكانة الكنيسة ونفوذها بين الأقباط، كما برز متغير جديد/قديم في المشكلات القبطية وهو علاقة الخارج بالتوتر الطائفي.

تلك العلاقة طوال حقبة مبارك اتسمت بالعديد من التعقيدات، حيث اتخذت الدولة خطوات حاسمة على صعيد تحرير الاقتصاد، والتخلي عن لعب دور اجتماعي، مقابل ظهور المؤسسات الخيرية على الجانبين الإسلامي والمسيحي لتقدم خدماتها، ومن ثم مزيد من الارتباط بين هذه المؤسسات والأفراد، مما أدى لنوع من العزلة والانكفاء على الذات.

إضافة لما عاشه المصريون من ظروف البطالة وارتفاع الأسعار، وتصاعد حمى الفقر، وكذلك بروز الإسلام السياسي متمثلا في جماعات الإسلام الراديكالي في التسعينيات واكتسابه مصداقية واسعة بين الجماهير، في حين نمت ثقافة تمييزية داخل جهاز الدولة بحسب الدين، مع تزايد تعنت الأجهزة الأمنية في عرقلة بناء وإصلاح الكنائس، واستبعاد الأقباط من المشاركة في إدارة شؤون البلاد.

وخلال الحقبة وُجد طرحان أساسيان لمواجهة الأزمة، أحدهما يطرح التغيير من الخارج، وهو الحل الذي تبنته بشكل أساسي بعض جماعات أقباط المهجر، والثاني يطرح الدولة الديمقراطية العلمانية التي تؤكد قيم المواطنة باعتبارها المخرج لتجاوز الحالة الطائفية.

نشأة وبروز أقباط المهجر
يؤكد الباحث عدم وجود تكتل سياسي أو حتى اجتماعي أو ديني يسمى أقباط المهجر، فلا أزمنة ولا تواريخ وأسباب خروجهم، ولا جغرافية انتشارهم، ولا ثقافة النشأة تنتج كتلة موحدة لهم، مستعرضا أهم موجات الهجرة للأقباط وأسبابها.

الموجة الأولى لهجرة الأقباط من مصر جاءت بعد يوليو/تموز 1952 بسبب تمصير المؤسسات والهيئات، فضلا عن تداعيات قرارات يوليو كقانون الإصلاح الزراعي، وقوانين التأميم الاشتراكية، وتمصير الشركات الأجنبية، التي عصفت بالملكية الخاصة وكان للأقباط نصيب أوفر منها، خاصة كبار الرأسماليين والمثقفين والأكاديميين منهم.

ويرى الكاتب أن تلك القوانين لم يكن الهدف منها الاستيلاء على أموال الأقباط، بل كانت سياسة عامة هدفها الصالح العام، استفاد منها الأقباط والمسلمون، في حين تضررت منها المصالح الأجنبية والرأسمالية، أيا كانت هويتها الدينية.

بينما تزايدت موجات الهجرة بين الأقباط خلال السبعينيات وحتى الآن، بسبب تصاعد المد الإسلامي، إضافة للضغوط الاقتصادية، والرغبة في الحصول على فرص أفضل للتعليم والعمل والحياة، اشتدت الهجرة خاصة بين رجال الطبقة الوسطى من المهنيين وأصحاب المشروعات الوسطى.

من العوامل التي أدت لإبراز دور أقباط المهجر في العقد الأخير من القرن العشرين: الاهتمام بالديمقراطية وحقوق الإنسان, والعولمة، واتساع دائرة حرية الرأي والتعبير

ويلفت الباحث النظر إلى مجموعة من العوامل أدت لإبراز دور أقباط المهجر في العقد الأخير من القرن العشرين، منها: الاهتمام بالديمقراطية وحقوق الإنسان على المستوى الدولي، والعولمة، واتساع دائرة حرية الرأي والتعبير في ظل انتشار وتنوع وتعدد الصحف في الدول الغربية، التي تعتبر مسرحا لنشطاء حقوق الإنسان.

ويشير الكاتب كذلك إلى تصاعد دور الدين في السياسة العالمية، وعلى وجه الخصوص في ظل صحوة الأصوليات الدينية والسياسية على مستوى العالم، وهو ما جعل الأقليات الدينية أو العرقية على مستوى العالم محط أنظار هذه السياسة.

منظمات ومطالب
وسعى المهاجرون الأقباط في المجتمعات الغربية إلى تنظيم أنفسهم من خلال إنشاء بعض التنظيمات التي تلبي احتياجاتهم المعيشية وغيرها من المطالب السياسية، كما أنشئت العديد من الاتحادات التي تضمها مثل الاتحاد في القطبي الدولي الذي أنشئ عام 1997، واتحاد المنظمات القبطية عام 2008.

وتتمثل أهم مطالب هذه المنظمات في تحقيق المساواة في الحقوق والواجبات بين المسلمين والمسيحيين في مصر، وفتح باب الوظائف العليا أمام المسيحيين، والتمثيل النيابي العادل للمسيحيين، ووقف الاعتداءات على المسيحيين وممتلكاتهم وكنائسهم، والحرية الكاملة في التحول من دين إلى دين، وتدريس الحقبة المسيحية في المدارس والجامعات، وإقرار القانون الموحد لبناء دور العبادة، ووقف الإهانات الموجهة للمسيحية من منابر المساجد والإعلام الرسمي.

وتعتمد هذه المنظمات في عملها على العديد من الآليات منها: المسيرات السلمية والإعلانات المدفوعة الأجر، وعقد المؤتمرات، وإنشاء الصحف والمواقع الإلكترونية، واستخدام سلاح الضغط بكشف ما يحدث من ظلم للمسيحيين للعالم الخارجي، ومطالبة مصر بتنفيذ تعهداتها الدولية، إضافة للتعاون مع معظم منظمات حقوق الإنسان في مصر والخارج والتواصل مع المسؤولين في مصر.

أقباط المهجر والكنيسة المصرية
ونظرا لإدراك البابا شنودة لأهمية أقباط المهجر، فقد عني بالتوسع فى إنشاء الكنائس بالخارج، بحيث وصل إلى نحو 130 كنيسة بعد أن كانت سبعا فقط عند توليه مسؤوليته، بالإضافة لتوحيد النظم والقوانين الخاصة بكل الكنائس التي أنشئت في الخارج، وإنشاء أسقفية خاصة بالشباب لرعايتهم، وترجمة الكتب الدينية، فضلا عن إنشاء مدارس ومراكز تعليمية خاضعة للكنيسة بالخارج، وكذلك إنشاء العديد من الأديرة بالخارج، وتقديم خدمات اجتماعية وثقافية وروحية للشباب.

واللافت أنه لم يظهر الدور السياسي لأقباط المهجر إلا في السبعينيات، وذلك لأن فترة الستينيات والخمسينيات تميزت بعدم وجود صدام بين الأقباط والنظام القائم، كما أن الأقباط الذين هاجروا لم تترسخ أقدامهم إلا في السبعينيات.

وكان موقف الكنيسة واضحا "بالرفض" للاستقواء بالخارج، واتجهت إلى التحذير من أقباط المهجر على أن مواقفهم تسعى إلى تكريس الطائفية بين أبناء الشعب الواحد، كما أن المظاهرات الاحتجاجية لأقباط المهجر أثارت ردود أفعال متباينة على كافة الأصعدة، فرفضت الكنيسة تنظيم تلك المظاهرات، على الرغم من ترحيب معظم قطاعات الشعب القبطي بها، كما رفضت أيضا دعوات الإضراب ووصفت الدعوة بأنها متطرفة وتتنافى مع تعاليم المسيحية.

أما ما يتعلق بتأثير نشطاء المهجر على الكنيسة، فيرى الكاتب أن منظمات أقباط المهجر حددت شكل وطبيعة العلاقة بينها وبين الكنيسة، وهي علاقة روحية دينية فقط، أما الأمور السياسية والدنيوية فلا علاقة لهم بالكنيسة.

يظل التحول لجماعة ضغط قوية حلما يراود أقباط المهجر، بينما يظل تحقيقه وقفا على الوزن الديمغرافي لأقباط المهجر كناخبين، والوزن المالي كمساهمين في الحملات الانتخابية

فرغم وجود اتفاق عام على مفهوم ومحددات مشكلات المسيحيين بين الجميع فإنه كثيرا ما تختلف الأولويات، فبينما تضع الكنيسة موضوع بناء الكنائس على رأس اهتماماتها، يركز النشطاء على العمل الحقوقي بالمعنى الواسع.

ومن ناحية أخرى ينتقد كثير من النشطاء علنا الكنيسة ويعتبرونها أحد أسباب تفاقم مشكلات المسيحيين المتراكمة، وذلك بسبب محاولتها الاحتفاظ بدور ممثل المسيحيين لدى الحكومة، وأيضا لعجزها عن التصدي للمشكلات وإيجاد حلول لها، وكذلك لاحتكارها لجهود المسيحيين مالا ووقتا، مما لا يترك الموارد اللازمة للنشاطات الحقوقية.

ويظل التحول لجماعة ضغط قوية حلما يراود أقباط المهجر، بينما يظل تحقيقه وقفا على الوزن الديمغرافي لأقباط المهجر كناخبين، والوزن المالي كمساهمين في الحملات الانتخابية، وأيضا درجة تسييس المسيحيين.

ويبقى حل المشكلات في ملف الأقباط الشائك مرتبطا بحسب الباحث بإجراءات بناء الثقة بين المواطنين المسيحيين وأجهزة الدولة المختلفة، وبين المسيحيين والمسلمين بشكل عام.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك