عرض/ زياد منى

مؤلفة هذا الكتاب تعمل محاضرة في كلية التربية في الجامعة العبرية بالقدس المحتلة، وهي ليست معادية للصهيونية، بمعنى أنها ليست مع استبدال دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية بالكيان الصهيوني. فهي نالت جائزة زخاروف لحقوق الإنسان والفكر التي يقدمها برلمان الاتحاد الأوربي، كما أنها عضو في منظمة "آباء فلسطينيون وإسرائيليون ثكالى من أجل السلام والمصالحة". ومن هذا المنطلق أو المنظور وجب تقويم الكتاب، رغم أهميته الكبيرة.

الكتاب
على أي حال، هذا ليس فقط كتابا تستعرض فيه المؤلفة نصوصًا محددة من الكتب المدرسية الإسرائيلية المخصصة لأعمار مختلفة حيث ترد الإشارة إلى فلسطين، شعبا وقضية وأرضا وتاريخ.. إلخ، بل تتجاوز ذلك لتحليل بنية الإحالات ووظيفتها النفسية والفكرية وبالتالي السياسية، وتأثير ذلك كله في المتلقي، الذي هو في نهاية المطاف مشروع جندي.

-الكتاب: فلسطين في الكتب المدرسية في إسرائيل، الأيديولوجيا والدعاية في التربية والتعليم
-المؤلفة: نوريت بلد-إلحنان
-ترجمه عن الإنجليزية: ياسين السيد
-عدد الصفحات: 342
-الناشر: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، رام الله
-الطبعة: الأولى/ 2012

فعلى كل طالب أتم دراسته الأساسية الالتحاق بالجيش، وحروب إسرائيل كلها كانت خارج حدود الدولة، ولذا وجب توجيهه نفسيًا نحو قناعات تخدم أهداف المؤسسة الحاكمة الدائمة التطلع نحو التوسع وإلغاء الآخر، الفلسطيني، وتاريخه وتاريخ البلاد.. إلخ.

لذلك فإن المؤلَّف مخصص لبحث بنية النصوص والمفردات أيضًا وكيفية عملها ومهامها، والكاتبة تستعين بكتابات كثير من المؤلفين الغربيين المتخصصين ومنهم فان ليوفِن وإيلان بابيه ونوت المتخصص في علم الدلالات، ومورغان الخبير في علم الجغرافيا الاجتماعية والثقافية، وغيرهم.

إعلام القارئ بمحتوى الكتاب وبنيته وتفاصيله يتطلب، في ظني، ذكر بعض أقسامه الرئيسية والفرعية.

تخصص المؤلفة مقدمة خاصة عبر أكثر من ستين صفحة لشرح طبيعة كيان العدو، الديمقراطية المزعومة الوحيدة في الشرق الأوسط، الذي ترفضه. عنوان المقدمة: إثنوقراطية يهودية في الشرق الأوسط. هنا توضح المؤلفة، مستعينة بالممارسات النظرية والتطبيقية، عدم صلاحية مصطلح ديمقراطية لوصف إسرائيل، بل تؤكد أنها دولة لليهود فقط. والحقوق الممنوحة لأهل البلاد الذين بقوا أو سمح لهم بالبقاء فيها، لسبب أو لآخر، ليست مواطنة كاملة.

فديمقراطية إسرائيل المزعومة، دومًا وفق المؤلفة، هي إما إثنوقراطية أو ديمقراطية إثنية. والسبب أن الإثنية، أي الانتماء العِرقي، وليس التبعية أو المواطنة، هي التي تحدد توزيع الحقوق والسلطة والموارد في الدولة.

فاليهود من مواطني دول أخرى والذين يعيشون خارج حدودها هم آليًا مواطنون فيها يملكون كافة حقوق المواطنة، التي لا يملكها المواطنون الفلسطينيون الذين يعيشون داخل حدود الدولة، وفي الوقت نفسه يصنف فلسطينيو الضفة الغربية بأنهم بلا تبعية قانونية.

الدولة أو النظام الإثنوقراطي، وفق أهل الاختصاص، والمؤلفة تتبنى هذا التعريف، يحوي ملامح ديمقراطية مثل الانتخابات الدورية وحرية ممارسة الديانة والتشريع والحرية المحدودة في مجال الإعلام والاتصالات، وتوفر قدرًا معتبرًا، وإن مجتزأ من الحقوق المدنية للأقليات.. إلخ.

الأنظمة الإثنوقراطية، مثل إسرائيل، تقوم بنيتها الأساس على السيطرة الإثنية الإقليمية التي تتجلى في سيطرة الجماعة الإثنية المهيمنة على الأرض والمستقرات السكانية والقوات المسلحة وتدفق رؤوس الأموال والدستور والثقافة العامة.

هذه الحقائق النظرية، التي تضع المؤلفة تطبيقاتها النظرية عبر فصول الكتاب التالية بتفاصيل مهمة مع تحليلات علمية نقدية عميقة، تشكل أساس تحليلها لكيفية تعامل الكتب المدرسية الإسرائيلية مع فلسطين، بما يخدم الفكر الصهيوني، الذي يزور التاريخ المعروف ويخلق بدلاً منه تاريخًا وهميًا قائمًا على الأساطير والخرافات الدينية التوراتية وغيرها.

بهذا يتم إلغاء ألفي عام من تاريخ فلسطين والفلسطينيين في البلاد، ويتم تصوير سكان فلسطين المحتلة من اليهود على أنهم امتداد تاريخي عِرقي لسكانها قبل العهد الروماني في فلسطين الذي بدأ في القرن الأول قبل الميلاد، وأن اليهود عادوا إلى بلادهم!

كتب الجغرافيا المقررة في المدارس الإسرائيلية تعمل على تشويه الحقائق والمبادئ العلمية التي تشملها صور التمثيل البصري واللفظي من خلال الرسائل السياسية والتزامها بالتالي بتعزيز الهوية اليهودية

الفلسطينيون في الكتب المدرسية
الفصل الأول من الكتاب عنوانه: تمثيل الفلسطينيين في الكتب المدرسية المتداولة في إسرائيل، الذي تستهله باقتباس ورد في مؤلف كاتب إسرائيلي هو يفتاحيل صدر عام 2006 القائل: لم تسع إسرائيل قط إلى تحقيق المواطنة المتساوية بين العرب الفلسطينيين واليهود. ولم تسع كذلك لتأمين موافقة مواطنيها العرب على فرض أيديولوجيا الدولة اليهودية عليهم بالقوة.

هذا الفصل يضم أقسامًا فرعية منها: تصنيف الفلسطينيين في الكتب المدرسية الإسرائيلية، وما الذي يعنيه الاسم- لا شيء يكتسب معنى ما لم يكتسب اسمًا، وتوظيف الخطاب العنصري- العنصرية اللفظية، اللاشخصنة، التعميم؛ وتحديد السمات الوظيفية، خلع الصفات الشيطانية؛ والتمييز باعتباره تطبيعًا وتثبيتًا للوجود وظاهرة موجهة بحد ذاتها؛ والعنصرية البصرية؛ وطرد الفلسطينيين، وغيرها.

المؤلفة تلخص نتائج تقصيها العلمي العميق بأن تمثيل الفلسطينيين في كتب التاريخ التي تدرس في المدارس الإسرائيلية حلقة مكتملة، استهلت في العقد السادس من القرن الماضي بالتمثيل المتحيز والمتحامل الذي تلفه العداوة والبغضاء وانتهت بالخصائص والسمات ذاتها في العقد الأول من هذا القرن.

الفصل الثاني يحمل عنوان: جغرافيا العداوة والإقصاء- التحليل المتعدد الوسائط. والمقصود هنا الصور والرسوم التوضيحية والخرائط والرسوم البيانية والتصاميم والألوان والتعبيرات أو المصطلحات الموظفة.

هذا الفصل الذي يتعامل بعمق ليس فقط مع محتوى الكتب أو النصوص ذات العلاقة، وإنما في وظيفتها عبر تحليل دور كل عامل في تثبيت فكرة في ذهن المتلقي، ذلك أن الكلمة نصف يقوله المتكلم ونصف يسمعه المستمع.

المؤلفة تحدد أساس الفصل بالقول إن كتب الجغرافيا المقررة في المدارس الإسرائيلية تعمل على تشويه الحقائق والمبادئ العلمية التي تشملها صور التمثيل البصري واللفظي من خلال الرسائل السياسية والتزامها بالتالي بتعزيز الهوية اليهودية الإقليمية والقومية التي تستند إلى إنكار الهوية الفلسطينية.

فتهويد حقل الجغرافيا يعزز تشويه الحقائق الجغرافية. وتضيف المؤلفة القول: تمثل الكتب المدرسية الإسرائيلية نصوصًا مفرَّعة لكل من النص الأصلي أو النص السابق له، الاجتماعي-السياسي المهيمن والنصوص المعرفية المرتبطة به.. لذلك لا تتطابق أنماط الخطاب التي توظفها الكتب المدرسية مع أنماط خطابها المعرفي على الإطلاق.

لذا نجد أن كتب الجغرافيا المدرسية الإسرائيلية تستخدم إستراتيجيات التمثيل العنصري البصري بهدف تصوير الفلسطينيين على المناحي الآتية: بدائيون ومتطفلون جديرون بالازدراء؛ وخارجون عن القانون؛ ولصوص؛ وعدو من الداخل.. إلخ. ومن الأقسام الإبداعية في هذا الفصل تحليل المؤلفة دور اللون وقوته بوصفه مصدرًا سيميائيًا من مصادر المعنى.

التصميم يشكل وسيلة قوية لا تقتصر فقط على ترسيخ الروايات الرسمية وإنما أيضًا في تشكيل تفسيرات بديلة وإفراغ المفاهيم التي يحملها القارئ في الخطاب التعليمي

توسع المؤلفة تحليلاتها الإبداعية في الفصل الثالث لتضم: التصميم بوصفه حاملاً للمعنى- الرسائل الصريحة والضمنية التي ينقلها التصميم. كما تحلل بنية صفحة الكتاب وتأثير ذلك في المتلقي.

المؤلفة تقول إن هدف هذا الفصل تحليل الوظيفة التي يؤديها تصميم الصفحة والكتاب في تمثيل النزاع على مفهومين هما: التصميم الأيديولوجي وترقيم العلامات السيميائية، أي: صناعة المعنى. ومن الأقسام التي يحويها الكتاب: مسارات القراءة بوصفها سبيلاً للنفاذ إلى المعرفة في النص المتعدد الوسائط.

منهجية المؤلفة تقوم هنا على سعي لتحليل التصميم للوقوف على معاني مفرداته التي تسم كل جزء منه، أي المعاني التي يشكلها الترتيب والعلاقات القائمة بين الأجزاء والعلاقات النصية المتداخلة التي يقيمها التصميم كليًا أو جزئيًا مع النصوص الاجتماعية والسياسية.

لنقدم مثلاً ليوضح مدى تأثير هذا العامل التصميمي في المتلقي: التعارض بين المثالي والحقيقي يستطيع تكوين علاقة بين النص والصورة. فإذا كان النص يشغل القسم العلوي من الصفحة، وكانت المصورات تقع في الجزء السفلي، فالأول سيؤدي دورًا أيديولوجيًا بارزًا، وتؤدي الصورة دورًا تابعًا، لكنه يبقى مهمًا لأنه يوفر التحديد والتمثيل والإثبات والنتيجة العملية وما إلى ذلك.

ولذا تلخص المؤلفة نتائج الفصل بالقول: إن التصميم يشكل وسيلة قوية لا تقتصر فقط على ترسيخ الروايات الرسمية وإنما أيضًا في تشكيل تفسيرات بديلة وإفراغ المفاهيم التي يحملها القارئ في الخطاب التعليمي.

عمليات الشرعنة
الفصل الرابع منحته المؤلفة العنوان: عمليات الشرعنة في الروايات الواردة حول المجازر. هذا الفصل يشرح المقصود عبر أقسام مختلفة منها: طبيعة الشرعنة والخلفية النظرية؛ والأساس الأيديولوجي الذي تستند إليه شرعنة المجازر في كتب التاريخ المدرسية في إسرائيل؛ وشرعنة القواعد والقوانين وأنواع الشرعنة ومنها: صناعة الخرافات والتبرير أو التسويغ، والتقويم الأخلاقي، والتفويض، وتتعامل مع بعض المجازر الصهيونية بحق الفلسطينيين العزل مثل كفر قاسم والطنطورة وغيرهما.

هذا كله يؤدي إلى التحاق الطلبة الإسرائيليين بالخدمة العسكرية بناءً على قناعاتهم بأن التعاطف يرتبط بالعرق أو الدين، وبالتالي لا مكان له في علاقاتهم مع جيرانهم الواقعين تحت رحمتهم، وأن المنفعة هي المعيار الوحيد الذي يجب أن يوجه سلوكهم.

خلاصة
الكتاب أكثر ثراءً من أي عرض له، ضمن المساحة المسموح بها هنا، والهدف تحفيز قارئ هذه الأسطر على اقتنائه لاستيعاب كافة الأفكار الكثيرة الواردة فيه. مع ذلك من المفيد الآن ذكر بعض ما تصل إليه المؤلفة من استنتاجات:

الطلبة الإسرائيليون لا يتعلمون من كتب التاريخ المقررة لهم في الخطاب الذي يعتمده المؤرخون، بل يتعلمون أيضًا خطاب أهل السياسة والمحامين وغيرهم ممن يتلاعبون بأنماط الخطاب. كما يتعلم الطلبة تقديم التفسيرات كما لو كانت حقائق وإدراج وجهات نظرهم الشخصية ضمن صور التمثيل. كما يتعلم الطلاب لغة القوة.

الطلبة الإسرائيليون لا يتعلمون من كتب التاريخ المقررة لهم في الخطاب الذي يعتمده المؤرخون، بل يتعلمون أيضًا خطاب أهل السياسة والمحامين

منبع الخطر في التعامل مع تاريخ المجاز والمفروض، الذي يجري الاحتفاء به وإحياء ذكراه. مصدر الرواية يتحول إلى شِرك عندما تتولى السلطات العليا حبك الروايات التاريخية وتفرض سردًا يحظى بالقبول منها عن طريق الإكراه أو الإغراء أو الخوف أو المداهنة.

هنا يكمن تشكل مخادع من النسيان يتمخض عن تجريد الفاعلين الاجتماعيين من قوتهم الأصلية في إعادة تفسير الأفعال التي يؤدونها.. مما يجعل النسيان أشبه بالسلوك السلبي والإيجابي من خلال الرغبة في عدم المعرفة.

المؤلفة تقول إن دراستها التي تركز على الأساليب السيميائية، التي توظفها الكتب المدرسية الإسرائيلية لنقل رسائلها، تبقى ناقصة ووجب إثراؤها بدراسة إضافية عن الآثار التي تخلفها هذه الكتب في الطلبة المتلقين لمحتوياتها.

كتاب نوريت مهم للغاية، ونوصي بقراءته وإثرائه والتعلم منه، ونوجه كلامنا هذا خصوصًا للعرب المولعين بالتشدق بديمقراطية إسرائيل العنصرية حقًا حتى نخاع العظم، وعلى لسان إحدى كبار العاملات في حقل تربية أجيال من الصبية والفتية الإسرائيليين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك