عرض / حسين عبد العزيز

اعتمادا على البحث الميداني والنقد الأكاديمي الرصين، يحاول هذا الكتاب فهم ديناميكيات الاحتجاج في مصر، ثورة 25  يناير/كانون الثاني، وسدّ النقص المعرفي في أدبيات علم السياسة الراجع إلى اقتناع راسخ بأولوية مطلقة للسياسة من أعلى على حساب استبعاد السياسة من أسفل.

في فصول هذا الكتاب، يتوقف الباحثون عند دور الجماعات الشبابية في الميدان قبل الثورة وخلالها، ومدى التوافق والاختلاف فيما بينها، مرورا بالانشقاقات والتمايزات بين الحركات الشبابية من جهة، والقوى السياسية الأكثر تنظيما من جهة أخرى كالإخوان المسلمين.

ديناميكيات الجماعات المختلفة بميدان التحرير
أدت الحركات الشبابية والطلابية دورا مهما خلال المنعطفات السياسية في مصر، وتعود بدايات الحراك الشبابي إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية عام 2000، ومنذ هذا التاريخ وحتى اللحظة يمكن تقسيم النشاط الشبابي إلى أربع مراحل:

-الكتاب: الربيع العربي في مصر الثورة وما بعدها
-المؤلف: مجموعة باحثين
-الصفحات: 415
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2012

ـ المرحلة الأولى ( 2000 ـ 2003 ): مع بداية الألفية الجديدة حاز الحراك الشبابي زخما متجددا باندلاع الانتفاضة الفلسطينية عام 2000، حيث نظم الشباب مظاهرات لدعم الانتفاضة الفلسطينية، وانضم الآلاف منهم إلى الحملة الشعبية لدعم الانتفاضة الفلسطينية، ومع غزو العراق واحتلاله عام 2003 استمرت التعبئة السياسية الشبابية في اكتساب زخمها، ونشأت حركات جديدة مثل حركة 20 آذار / مارس وحملة القاهرة لدعم الشعبين الفلسطيني والعراقي.

ـ المرحلة الثانية ( 2004 ـ 2006 ): مع بدء القوى الغربية وحركات المعارضة المحلية عام 2004 في الضغط على النظم العربية لتبني إصلاحات سياسية، انتقل الحراك الشبابي من التركيز على القضايا الخارجية إلى القضايا الداخلية، ففي عامي 2004 و 2005 انضم مئات الناشطين الشباب إلى حركات جديدة مثل الحركة المصرية للتغيير (كفاية) والحملة الشعبية للتغيير (الحرية الآن) اللتين دعتا إلى تغيير سياسي شامل.

ـ المرحلة الثالثة ( 2006 ـ 2009 ): مثلت إضرابات عمال المحلة عام 2006 نقطة البداية لموجة جديدة من التعبئة العمالية ضد الأوضاع الاقتصادية في البلاد، ومع نهاية العام شهد الحراك العمالي تطورا ملحوظا بازدياد عدد الاحتجاجات العمالية.

وفي عام 2007 تم إنشاء حركات سعت إلى تضييق الهوة بين القضايا الاجتماعية والسياسية، فتأسست حركة تضامن التي دعت في آذار / مارس من عام 2008  إلى إضراب عام في 6/ 4 / 2008، وفي غضون أيام وصل عدد المنضوين على الفيسبوك إلى نحو سبعين ألفا، وسرعان ما أيدت حركة كفاية وحزب الغد الإضراب في حين عارضه الإخوان المسلمون.

ـ المرحلة الرابعة ( 2010 ـ 2011 ): مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية عام 2010 والرئاسية عام 2011 عملت حركة 6 أبريل مع حركات سياسية أخرى على تأسيس حملة البرادعي مرشحا للانتخابات الرئاسية، وفي الأشهر التالية أدى الشباب دورا مهما في حملة البرادعي.

بالتزامن مع ذلك، انضم عشرات الآلاف إلى مجموعة "كلنا خالد سعيد" على الفيسبوك احتجاجا على مقتله على أيدي مخبرين، وفي صيف 2010 نظمت الحملة عددا من الأنشطة الاحتجاجية التي جذبت عددا كبيرا من الشباب.

في الأيام السابقة على الثورة، اجتمعت مجموعة من الشباب للإعداد لمظاهرة في 25 يناير/كانون الثاني الموافق لعيد الشرطة، للمطالبة بإقالة وزير الداخلية ورفع حالة الطوارئ، وتم التنسيق للمظاهرة مع مجموعة كبيرة من المجموعات التي تحولت فيما بعد إلى ائتلاف ثورة 25 يناير، وهي حركة 6 أبريل، والحملة الشعبية لدعم البرادعي، وشباب حزب الجبهة، وشباب حركة الحرية والعدالة اليسارية، وشباب الإخوان.

بعد ذلك دعا الشباب إلى مظاهرة أخرى في 28 يناير، ونظرا لنجاح مظاهرة 25 يناير أعلنت عدة قوى سياسية مشاركتها في المظاهرة الجديدة، بمن فيهم الإخوان المسلمون وحزب الوفد وشخصيات مستقلة.

وخلال الثورة تأسست عدة كيانات بهدف تمثيل شباب الثورة، منها لجنة الحكماء، ومجلس أمناء الثورة، وجبهة دعم الثورة.

وبعد الإطاحة بمبارك، بدأت القوى الثورية تشهد انقسامات فيما بينها من جهة، وبين المجلس العسكري من جهة ثانية، الأمر الذي أدى بحسب المؤلف إلى إضعاف الثورة وتمكين المجلس العسكري من رسم ملامح المرحلة الانتقالية على نحو يمكنه من الحفاظ على تماسكه ويقلل من احتمالات التغيير الحقيقي.

محطات رئيسية
ويمكن تقسيم أهم المحطات التي مرت بها القوى الثورية عقب تنحي مبارك كما يلي:

1- استفتاء 19 مارس/آذار وانقسام الحركة الشبابية: ألف المجلس العسكري لجنة برئاسة طارق البشري لصياغة تعديلات دستورية، ووضع خارطة طريق للانتقال نحو الديمقراطية، الأمر الذي أثار حفيظة بعض القوى بعدما ضمت اللجنة في عضويتها ممثلا عن الإخوان المسلمين دونا عن كل القوى السياسية الأخرى.

فشل المجلس العسكري في تلبية مطالب الثورة حيث رفض إخضاع رموز نظام مبارك للمحاكمة كما رفض إشراك القوى المدنية في صنع القرار

اقترحت اللجنة تعديلات دستورية أثارت انقساما في أوساط الشباب والحركات السياسية، فاختلفت الآراء حول قضيتين رئيسيتين:

أولاهما: قضية إعادة تفعيل دستور عام 1971 بعد تعديله وهو ما رفضته قوى شباب الثورة، غير أن المجلس العسكري أصر على إجراء التعديلات والاستفتاء، ثم فاجأ المجلس مؤيديه ومعارضيه بإصدار إعلان دستوري يحل محل دستور عام 1971.

ثانيهما: نصت التعديلات على انتخاب مجلسي الشعب والشورى ورئيس الجمهورية قبل صياغة الدستور، على أن يقوم المجلسان بتأليف لجنة تأسيسية من مائة عضو تتولى مهمة صياغة الدستور الجديد، وهو ما قبل به الإخوان في حين رفضته القوى الثورية، وتم الاستفتاء في 19 مارس/آذار بتأييد 77 % من الناخبين ورفض 23%.

2- العمل الحزبي والمشاركة في الانتخابات البرلمانية: بعد انتهاء معركة الاستفتاء، بدأ الشباب يبحثون في أفضل وسيلة لتحقيق مطالب الثورة، وقد ظهرت ثلاثة توجهات:

 أ- تحويل ائتلاف شباب الثورة إلى حزب سياسي موحد لجموع الثورة. 
ب- كل فصيل يؤلف حزبا يعبر عن توجهاته بدلا من حزب واحد. 
ج- تشكيل جماعات ضغط (حركة 6 أبريل).

تراجع التوجه الأول وأخذ الشباب بالرأيين الأخيرين، فانضم الليبراليون إلى أحزاب ليبرالية جديدة، مثل حزب المصريين الأحرار والحزب الديمقراطي الاجتماعي، واتجه اليساريون إلى تأسيس حزب التحالف الاشتراكي وحزب العمال، واتجه شباب التيار الإسلامي إلى تأسيس حزب الحرية والعدالة الإخواني وحزب النور السلفي.

أما تيار الشباب فقد فضل الاستمرار في صيغة حركات غير رسمية تعتمد التظاهر أساسا لها (حركة شباب 6 أبريل وحركة الاشتراكيين الثوريين).
 
3- المواجهة مع المجلس العسكري: فشل المجلس العسكري في تلبية مطالب الثورة، حيث رفض إخضاع رموز نظام مبارك للمحاكمة، في وقت أحال أكثر من عشرة آلاف ناشط إلى محاكمات عسكرية، كما رفض المجلس إشراك القوى المدنية في صنع القرار، ولذلك نظمت القوى الشبابية عددا من الحملات بهدف فضح ممارسات المجلس وتجاوزاته، بدءا بحملة "لا للمحاكمات العسكرية" مرورا بحملة "كاذبون" وانتهاء بحملة "حاكموهم" التي هدفت إلى التعبئة ضد إعطاء المجلس العسكري الحصانة من المساءلة.

4- المواجهة مع البرلمان ومع التيار الإسلامي: ويرى المؤلف أن حالة الاستقطاب تعمقت بعد ذلك بين القوى السياسية خلال الانتخابات البرلمانية، حيث اتهمت القوى المدنية الأحزاب الإسلامية باستخدام الدعاية الدينية من أجل تشويه منافسيهم، وبعد فوز الإسلاميين بنحو 70% من مقاعد البرلمان ظهر جدل واسع بين القوى الإسلامية والقوى المدنية حول شرعية البرلمان في مواجهة شرعية الميدان.

الإسلام السياسي
 تكون المشهد الإسلامي المصري قبل الثورة من خمس مجموعات أساسية:

- الحركة الصوفية: تأثيرها في الحياة السياسية والاجتماعية ضعيف.

- المؤسسة الدينية الرسمية: يعد الأزهر المؤسسة التعليمية الأقدم في العالم الإسلامي، لكن منذ فترة عبد الناصر تراجع هذا الدور حتى الآن.

- الحركة السلفية: لم يكن لها أي دور سياسي واقتصر دورها على الجوانب الدينية والاجتماعية، ولكن قبل الثورة ومع اضمحلال النظام بدأ التسييس يدخل الحركة لاسيما مع قضية كاميليا شحاتة زوجة الكاهن القبطي التي أسلمت وحجزت رهينة في الكنيسة، الأمر الذي دفع الحركة للتظاهر، ومع ذلك فتأثيرها السياسي ضعيف.

- الإسلام النيو ليبرالي: نشأ مع ظهور الدعاة الجدد أواخر القرن الماضي، مستندين إلى مظهرهم الحداثي وخطابهم العصري، فسرعان ما أصبحوا نجوما على شاشات التلفزيون، لكن تأثيرهم ظل محدودا في الإطار الأخلاقي التنموي.

- الإخوان المسلمون: أكبر الجماعات المعارضة في مصر، واستطاعت خلال عقود بناء هيكل هرمي متماسك، لها تأثير اجتماعي كبير، وزادت قوتها السياسية منذ بدء الثورة.

من التحديات التي تواجه الإسلاميين في الحاضر والمستقبل تطوير برامج سياسية متماسكة، ففي حين يتسبب الاستقطاب في المجال العام بتمترس الأغلبية بسياسات الهوية يبقى البعض مصرا على السياسة والإصلاح

أدى الانشقاق في المجال العام إلى استقطاب على أساس الهوية صنف اللاعبين الأساسيين كإسلاميين وعلمانيين، وبدأت تطرح أسئلة حول دور الدين في النظام السياسي، وتباينت ردود الإسلاميين عليها، ففي الوقت الذي يرفض السلفيون أي اصطلاحات تهدف إلى رأب الهوة مثل الدولة المدنية، يتجاهل الصوفيون الأمر، أما الإخوان المسلمون فقد عمقت سنوات الحوار مع القوى الأخرى قناعتهم بالدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، معتمدين على يوسف القرضاوي وعلماء من أصحاب المصداقية لتبرير قبولهم بالدولة المدنية، ولذلك تعمل الجماعة على تقديم نفسها كفصيل رئيسي في الحركة الوطنية يمثل جسرا بين السلفيين والعلمانيين.

أما في مسائل أخرى كالأخلاقيات العامة ودور الدولة فيها، فلا يزال الإخوان المسلمون يتبنون موقفا مبهما، وقد سمح الانفصال بين حزب الحرية والعدالة وبين الإخوان بمساحة من المراوغة السياسية وفقا لرأي المؤلف.

ومن التحديات التي تواجه الإسلاميين في الحاضر والمستقبل: تطوير برامج سياسية متماسكة، ففي حين يتسبب الاستقطاب في المجال العام بتمترس الأغلبية بسياسات الهوية يبقى البعض مصرا على السياسة والإصلاح، لكن مسار الأحداث يدفع الإسلاميين خارج سياسات الهوية، فإلغاء الحواجز القانونية للمشاركة والاعتراف القانوني ببعض الأحزاب الإسلامية سيعيد تحديد الأولويات بطريقة تدفع التركيز الإسلامي إلى أسئلة السياسة بدلا من الهوية، وسيثبت أن الأسئلة حول الاقتصاد والسياسة الخارجية وأمور أخرى ستكون أكثر مركزية في الحوار العام المصري.

ومع ذلك يؤكد المؤلف أن الحركات الإسلامية مطالبة بتوخي الحذر في حركتها خارج سؤال الهوية، فالحركة السريعة ستعني خسارة الجمهور الذي سيلجأ إلى مستويات أكثر جمودا من الحركات الإسلامية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك