عرض/ بوعلام رمضاني

استبق الكاتب إريك دوبان المشكلات العويصة التي كانت تنتظر الرئيس الاشتراكي الجديد فرانسوا هولاند، وقدم له خدمة جليلة "بتخويفه الإيجابي" من نتائج انتصار لا تحمد عقباه مهما أبدع من حلول للقضاء أو الحد من أزمة تتجاوز بتجلياتها المتشعبة والمتشابكة المستوى الفرنسي الخالص وتطال أفراد الأسرة الأوروبية غير المتفقين على كيفية معالجتها.

-الكتاب: الانتصار المسموم
-المؤلف: إريك دوبان
-عدد الصفحات : 269
-الناشر: ساي, باريس
-الطبعة: الأولى/ 2012

السم المندس في أكثر من قضية اقتصادية واجتماعية -كالبطالة التي ستضرب ثمانية آلاف عامل وعاملة في مصنع بيجو للسيارات في الشهور القادمة- هو الفكرة المحورية التي تدور حولها فصول كتاب دوبان الذي نزل إلى شوارع المدن وأزقة القرى ودخل المقاهي وتردد على الأسواق للتحقيق في واقع وآراء وتطلعات وهواجس فئات متنوعة بغرض نقل السموم التي تهدد حياة ملايين من الفرنسيين الذين لا يرون كيف سيحقق الرئيس الاشتراكي المنتصر سلة من الوعود غير الواقعية كما يعتقد أنصار الرئيس اليميني المهزوم نيكولا ساركوزي.

وما يزيد من مصداقية الطرح المنهجي الذي تبناه الكاتب فضلا عن حياده واعتماده على آراء ممثلي فئات اجتماعية عديدة متفاوتة المستويات والانتماءات السياسية ومحاورته الرئيس الاشتراكي الجديد وماري لوبان وسياسيين من كل التوجهات، معرفته التاريخية والدقيقة بتجارب قادة الحكم الاشتراكي منذ ثلاثين عاما ناهيك عن تخصصه في "استنطاق" الرأي العام كإعلامي بارز.

ولا أدل على صحة ذلك من كتبه "خمسون عاما من استطلاعات الرأي" 1990 و"ما بعد ميتران" 1991 و"التلميذ أو الدروس العشرة التي تعلمها جوسبان من ميتران" 1991 و"إخراج اليسار من الإنعاش.. فهم جذور كارثة" 2002 و"هستريا الهوية" 2004 و"مجتمع الكلاب سفر صغير في الاستهزاء العام" 2006 و"على اليمين الكل" 2007 و"أسفار في فرنسا" 2011.

لكل انتصار سمه
كيف استطاع الحصيف الذكي هولاند أن ينتصر؟ ما هو المعنى الحقيقي لانتصاره؟ وما هي الانشغالات التي ينتظر الفرنسيون تجسيدها؟ ماذا سيفعل الرئيس الجديد بانتصاره في سياق أزمة تنخر جسد فرنسا؟ وأخيرا وليس آخرا إلى أي حد يعتبر انتصار هولاند هدية مسمومة؟ وألا يؤثر غموضه على تحقيق الوعود التي تقدم بها أمام الفرنسيين؟ للرد على هذه الأسئلة حاور الكاتب الرئيس الفرنسي ناقلا له معنى الهدية المسمومة قبل أن ينزل من برجه العاجي وينزل شوارع فرنسا المتأزمة لمعرفة آراء المتشائمين من مستقبل فرنسا في ظل أزمة تتجاوز إمكانات الرئيس الجديد والغني بتناقضات وبتحديات جمة وبذكاء وإدراك عميق قد لا يكفيان لتفادي سم انتصاره.

الرئيس الجديد اعترف للكاتب -الذي حاوره في مطعم صقلي قريب من مقر حملته الانتخابية- أن انتصاره يعد فعلا مسموما بقوله: "ليس هناك وجود لانتصار في سياق مثالي، وأنا أعي تماما قساوة الظرف وحجم وخطورة التحديات وضغط الأسواق والمشكلات العويصة التي يجب حلها في أقرب الآجال، وخلافا لانتصار عام 1981، فإن انتصاري يأتي عقب غضب اجتماعي عارم وغير مسبوق وحتى عنيف ما دامت المخلفات التي تركها الرئيس السابق مرادفة للعنف الاجتماعي".

هولاند:
انتصاري يأتي عقب غضب اجتماعي عارم وغير مسبوق وحتى عنيف ما دامت المخلفات التي تركها الرئيس السابق مرادفة للعنف الاجتماعي

التشاؤم غير المسبوق
تسمم انتصار هولاند المبدئي، يتمثل حسب كلود برتلوني -الاشتراكي الذي انتخب رئيسا للجمعية الوطنية بعد تاريخ صدور الكتاب- في مستوى التشاؤم غير المسبوق الذي يميز المجتمع الفرنسي بسبب اعتقاد الأغلبية أنها ستدفع ثمن الأزمة العميقة مجددا بشكل غير عادل، وهي الأزمة التي لا تنسجم في تقدير مارتين أوبري -ابنة رئيس الوزراء الإصلاحي الشهير السابق جاك دولور والمحبطة بسبب عدم نيلها منصب رئاسة الوزراء كما كان ينتظر معظم المراقبين- مع تحليل الرئيس الجديد المتشائم للأزمة من جهة ومع مزاجه المناقض من جهة ثانية لكل أنواع الحسم والمواجهة وتفضيله للتمييع وكرهه للبت بطريقة كاريكاتيرية مراهنا على اضمحلال الأمور من تلقاء نفسها, و"تعد هذه الحقيقة في تقدير المرأة الأكثر يسارية من الرئيس الجديد إشكالا مقلقا من شأنه أن يسمم انتصار الرئيس الجديد ويؤدي إلى تبخر أحلام المراهنين على التغيير المنشود".

حديث برتلوني عن فرضية دفع الشغيلة لثمن الأزمة عبر عنها ميشال سابان -أقرب الاقتصاديين إلى الرئيس الجديد وصديقه الشخصي- بقوله إن توفير 12 ألف وظيفة تعليمية وليس ستين ألفا كما جاء في برنامجه التي ستكلف الدولة ملياري ونصف مليار يورو خلال خمسة أعوام ستتم على حساب خفض وظائف عمومية أخرى دون تحديد الموقع.

سم الوعود غير الواقعية
تنفيذا لتحقيقه الميداني مع مسؤولين سياسيين وممثلين لكافة الفئات الاجتماعية بغرض الكشف أكثر عن السم المندس في انتصار الرئيس الفرنسي الجديد، قال جيروم كاوزاك، رئيس اللجنة المالية في الجمعية الوطنية "إن الرئيس لن ينفذ كل وعوده بسبب افتقاد البلاد للإمكانات الكافية ومن بينها توفير 300 ألف وظيفة"، في حين قال جان لوك ميلنشون -رئيس الجبهة اليسارية والمثير للجدل- مستعملا مثلا فرنسيا يطابق مقولة الحارث في الماء "إن هولاند غير قادر على قيادة بلد كبير مثل فرنسا في سياق أزمة اقتصادية غير مسبوقة ومعزز بفرضية فقدان أوروبا لانسجامها وذكاء الرئيس لا ينفع في هذه الحال لا سيما وأنه معروف بعجزه على الحسم".

وحسب الكاتب، "فإن سياق الأزمة سيكون سما رئيسا في طريق الرئيس المنتصر كما حدث مع الرئيس اليميني السابق المنهزم". تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الأعوام القادمة حقيقة شبه راسخة في ذهن فردريك أدولف -رئيس الاتحاد الجهوي للجمعيات العائلية- وفي تقديره "لم يعد السياسيون قادرين على توجيه المجتمعات التي أصبحت أسيرة المنظمات المالية".

إلى الشيء نفسه خلص دومنيك موسيار -مدير دار استقبال الشباب- بقوله إن "الشباب اليوم أصبحوا تراجيديا حقيقية ولا يرى كيف يمكن حل مشاكلهم لأنهم لم يتعودوا على العيش مستقلين وعلى تسيير شؤونهم الخاصة وحتى القيام بالتبضع".

لا وصفة سحرية
محند حمومو -الفرنسي والأمازيغي الجزائري الأصل ورئيس بلدية صغيرة في نواحي مدينة ليون- غير متفائل برئاسة هولاند بسبب عدم انتمائه للاشتراكيين بل لأنه لا يرى في المدى القريب أو المتوسط وصفة سحرية تخرج فرنسا من عنق زجاجة أزمة شاملة وخطيرة ومصابة بسموم عديدة بغض النظر عن أيديولوجية حاكم فرنسا الجديد.

البعض يرى أنه لا توجد وصفة سحرية تخرج فرنسا من عنق زجاجة أزمة شاملة وخطيرة ومصابة بسموم عديدة بغض النظر عن أيديولوجية حاكم فرنسا الجديد

في تصوره لا يملك هولاند هامش إمكانات كبيرة على الصعيد الاقتصادي شأنه في ذلك شأن زعماء التيارات السياسية الأخرى، ويأمل منه إعادة الاعتبار لقيم التضامن والعدل والعنصرية من خلال تعاط أفضل مع الهجرة والتعليم وفرض ضرائب أكبر على الميسورين.

فرتاريا إيزودور -رئيس غرفة تجارية وصناعية وكادح سابق جرب مهنا بسيطة مثل والده البناء- يشك بدوره في نجاح انتصار الرئيس الاشتراكي لأن عقلية الفرنسيين أقوى من الحلول التي وعد بها أثناء الحملة الانتخابية: "الفرنسيون يعيشون فوق إمكاناتهم الحقيقية وهم ليسوا أميركيين، ولا أرى كيف يستطيع الرئيس الجديد تجاوز هذه العقلية علما أنه يفتقد للتجربة والحنكة ولم يكن وزيرا يوما ما ولم يتخذ قرارات حاسمة من قبل وهذا الأمر يشكل عائقا كبيرا في وجهه".

هولاند ليس روزفلت
الانتصار المسموم -الذي تحدث عنه الكاتب دوبان كفرضية رئيسة في كتابه الهام- كامن في شخصية ومزاج وفكر الرئيس الجديد، حسب باسكال كوفان النائب الأوروبي الأخضر والصحفي السابق القريب من إيفا جولي القاضية الشهيرة السابقة والزعيمة الخضراء المنهزمة التي يفضلها على هولاند بسبب يساريتها الحقيقية أسوة بمارتين أوبري.

التغيير الذي جعل منه الرئيس الجديد شعارا لحملته الانتخابية لا يعني شيئا في نظره بالنظر إلى تردده في تحقيقه رغم ارتدائه ثوب روزفلت، ويرى كوفان أن هولاند ليس صاحب قناعات راسخة ومائعا أيديولوجيا ويخلط بين الضعف والمصداقية ولا أدل على صحة رأيه، على حد تعبيره "عدم حزمه وغموضه حيال سلطة المال وعدم وضوحه حيال أوروبا وخشيته من تمدد وتعمق الأزمة بالشكل الذي يعصف به ويفجره".

فرانسوا دولابيار -مدير حملة جان لوك ميلنشون، زعيم جبهة اليسار- زاد من حجم الشكوك المحيطة بانتصار هولاند الحامل لسموم ذاتية من شأنها قتل وعوده بقوله "إن مشروع الرئيس الاشتراكي يعاني من معوقات بنيوية رهيبة تتناقض مع ماهية وروح الدينامية المنشودة بحكم عدم انسجامها مع الطموحات الشعبية نتيجة عدم تجذرها في منطق فكري يساري حقيقي، الأمر الذي يذكرنا بإستراتيجية ليونال جوسبان، رئيس الوزراء السابق عام 2002".

اليسار المسموم
التحديات الكثيرة التي تسمم انتصار فرنسوا هولاند خطيرة ومن غير الممكن تجاوزها حينما يفقد اليسار معناه الحقيقي في نظر النائب اليميني فرنسوا كورنو الذي يرى أن افتقاد الدولة للمال العمومي يشكل تناقضا صارخا مع الإجراءات التقشفية الحتمية التي ستفرض على الرئيس الجديد بدافع اللحاق بالديون الكبيرة والمتراكمة منذ عدة أعوام، الأمر الذي ستدفعه مرة أخرى طبقة العمال.

فرنسيون آخرون كثر يشككون في جدوى انتصار هولاند المحاصر بسموم قاتلة من كل جانب، ومن هؤلاء النقابي ريمي روديو الذي يعتقد أن هولاند قد انتصر بسبب خيبة الأمل الشاملة التي خلفها الرئيس السابق ساركوزي ولم يكن أمام الشعب الفرنسي غير خيار البديل المرادف لعقوبة كانت في انتظار الرئيس اليميني السابق الذي فشل في تحقيق وعوده، وسيفشل مثله في استعادة الأمن الذي وعد به لأن سياسة اليسار لا تختلف جوهريا عن مثيلتها عند اليمين، على حد تعبيره وهذا ما سيزيد من معاناة المواطنين البسطاء الذين يسكنون الأحياء البائسة التي تنتشر فيها البطالة بشكل مخيف.

أخطر سم سيواجه الرئيس اليساري الجديد يتمثل في استمرار ارتماء الآلاف من الشبان والعمال الكادحين الذين كانوا يصوتون لليسار في أحضان اليمين المتطرف

غلاء المعيشة المتزايد سم آخر لن يستطيع الرئيس اليساري الجديد القضاء عليه، وادعاؤه العكس يعد كذبة سياسية في نظر التاجر الشاب برودوم البالغ من العمر 24 عاما، وسيستمر الغلاء مع هولاند وسيضحي البسطاء من أمثاله بعطلهم وبزياراتهم العائلية وبمشروع الإنجاب خوفا من مستقبل مجهول.

أخيرا وليس آخرا أكد الكاتب إريك دوبان أن أخطر سم سيواجه الرئيس اليساري الجديد يتمثل في استمرار ارتماء الآلاف من الشبان والعمال الكادحين الذين كانوا يصوتون لليسار في أحضان اليمين المتطرف الذي ساهم في إلحاق الهزيمة بساركوزي بعد أن خيب أآال الذين صوتوا عليه عام 2007، وسيقضي كتحصيل حاصل على إمكانية تحسن الحياة السياسية والاجتماعية في ظل الحكم الاشتراكي الجديد على حد تعبير جان بول لوتونور الذي أصبح من أنصار التيار اليميني المتطرف المتنامي بعد أن قضى سنوات يصوت لصالح الاشتراكيين.

ابن العامل الكادح المذكور يعتقد أن هولاند لن يفعل شيئا أمام ضياع الهوية الفرنسية بسبب المهاجرين الذين غزوا بلده وقضوا على قيمها "سوف أبقى أتذكر دائما أنني كنت التلميذ الأبيض الوحيد في المدرسة الكائنة في حي سان سان دونيه".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك