عرض/مصطفى فؤاد

يسعى هذا الكتاب إلى تبيان وتفسير دور الدولة في التاريخ السياسي للبلاد، والتأثير الحاسم لـ"حماة الجمهورية" غير المنتخبين (قيادة الجيش والقضاء الأعلى والبيروقراطية) الذي ظل يشكل السياسة التركية منذ الخمسينيات على الأقل.

كما يتمعن في نوبات الإصلاح السياسي والتغيير المجتمعي، ويحاول فهم الدور الغامض للاتحاد الأوروبي في العمليات التي شكلت تركيا في العقود الثلاثة الأخيرة، ويتناول الكتاب الانقطاعات والتدخلات الكثيرة في التاريخ الحديث للبلاد، التي شكلت فعليا السير الحياتية لكل مواطن تركي.
جاء الكتاب في خمسة فصول على النحو التالي:

نهايات الدولة العثمانية وقيام الجمهورية التركية
حكم السلاطين العثمانيون من العاصمة "القسطنطينية" وعلى مدى خمسة قرون تقريبا آسيا الصغرى والبلقان وجزءا كبيرا من العالم العربي، وحينما بلغت قوة الإمبراطورية ذروتها عسكريا وسياسيا واقتصاديا في القرن السادس عشر، استطاعت التمدد من النمسا والمجر إلى رومانيا والقِرم في أوروبا والجزائر في جنوب المتوسط، لتشمل كل الأراضي بينها.

-الكتاب: تركيا الأمة الغاضبة
-المؤلف: كِرم أوكتم
-ترجمة: مصطفى مجدي الجمال
-عدد الصفحات: 283
-الناشر: سطور الجديدة، القاهرة
-الطبعة: الأولى 2012

غير أنه مع قدوم القرن الثامن عشر فقدت هذه القوة تفوقها، فلم تعد تكنولوجيتها العسكرية القديمة قادرة على الصمود في وجه الجيوش الأوروبية الأكثر تقدما، وفشلت قاعدتها الزراعية في المنافسة مع التوسع الرأسمالي الأوروبي النشيط في بداياته. ومع السلطان سليم الثالث، وبالتزامن مع الثورة الفرنسية، دخل عصر الإصلاح ومفردات الحداثة إلى الأراضي العثمانية.

وشهدت الفترة من (العشرينيات-1946م) نشأة الجمهورية التركية عام 1923م تحت قيادة مصطفى كمال (أتاتورك: أبو الأتراك) التي سرعان ما تحولت إلى دولة حزب واحد تسلطية، ولكنها ذات أجندة تحديثية مثيرة، ولا يمكن مقارنتها إلا بحملات فرض السوفياتية على آسيا الوسطى في عهد ستالين، أو الثورة الثقافية التي قادها أنور خوجة في ألبانيا.

وقد جاء انهيار الجمهورية جزئيا عام 1946م، بتحول غير كامل نحو السياسات الديمقراطية، وتبلورت في هذه الفترة الصراعات الناجمة عن أيديولوجية الجمهورية وأفكارها الخاصة عن المواطنة والانتماء، إلى جانب إنشاء البنية المؤسسة لتركيا الحديثة.

الانقطاع، الوعد، الفرص الضائعة (1980-1991م)
تمثلت الديناميكية الرئيسية لهذا العصر في الصراع بين فاعلين اثنين: حكومة "تورجوت أوزال" المنتخبة، وحزب "الوطن الأم" الذي يترأسه من ناحية، والدول الحارسة (الجيش والقضاء والبيروقراطية وممثليهم في الحقل السياسي) من ناحية أخرى.

وقد تشكل هذا الصراع وفق ثلاثة عوامل:
أولا: الحكم الرسمي للجيش في الفترة (1980-1983م)، وقبضه على السلطة حتى سقوط الجنرال "إيفرين" كرئيس عام 1989م، وهو ما ضمن تقليص صلاحيات الحكومة.

ثانيا: لم يكن هناك صدام دائم بين الفاعلين، فقد احتضن "أوزال" بخلفيته الأيديولوجية في الإسلام السياسي التحول الإسلامي للجنرالات.

ثالثا: بعدما وطد "أوزال" سلطته في الثمانينيات واقترب من تحدي الجنرالات، بدأ يظهر ميلا للحكم المتسلط والسياسات غير الليبرالية، إلى جانب الفساد السياسي والمحسوبية.

تمكن "أوزال" مع تحقيق معدلات نمو تجاوزت 5% من خفض معدل التضخم من ثلاثة أرقام إلى رقم واحد، والأهم أنه فتح الطريق أمام نشوء طبقات اجتماعية جديدة

وعد الوطن الأم: الثروة والاستقرار
تمكن "أوزال" مع تحقيق معدلات نمو تجاوزت 5% من خفض معدل التضخم من ثلاثة أرقام إلى رقم واحد، والأهم أنه فتح الطريق أمام نشوء طبقات اجتماعية جديدة، فمن خلال تقليص التدابير الحمائية، وإنهاء احتكارات الدولة، سهل نشوء طبقة جديدة من الرأسماليين الصناعيين في مدن الأناضول، وتم استثمار رأسمال كبير في بضعة مراكز للإنتاج الصناعي في إسطنبول وما حواها، و"أزمير" و"أطنوة"، ومن ثم عرف برأسمال إسطنبول.

كانت معظم المدن الأناضولية مراكز للتجارة، وتستضيف في أحسن الأحوال مشروعات صناعية مملوكة للدولة، كان من أدوارها خلق فرص العمل.

لم يكن للجنرالات من صديق سوى الجيش الأميركي وحلف الناتو، بيد أن "أوزال" بمجرد أن أصبح في السلطة اهتم شخصيا بالسياسة الخارجية، وسعى لاستعادة وضعية تركيا دوليا خطوة خطوة بعد الدمار الذي لحق بها، فأعاد الانفتاح على العالم العربي الذي فشل الحكم العسكري في الاحتفاظ به، خاصة فيما يتعلق بالتجارة الثنائية وتصدير الخدمات، في صورة شركات التشييد التركية. وأخذت العلاقات مع أوروبا بوجه عام بالتحسن ولكن ببطء.

العقد الضائع
شهد "العقد الضائع" (1991-2002م) ثماني حكومات ائتلافية، وحكومتي حزب واحد لم يدم عمر الواحدة منهما خمسة أشهر. وفي الواقع، فإن كل الحكومات كانت محدودة الفاعلية، حيث أصبح البرلمان في أنقرة مسرحا لاقتتال سياسي عقيم، ولتقاسم المالية العامة بين المحسوبيات المختلفة.

أدار الجيش والشرطة الحرب ضد حزب العمال الكردستاني الانفصالي، ولكن هذه الحرب تحولت باطراد إلى حرب ضد الشعب الكردي ككل، وضد كل فرد يعد عدوا. واستهدفت التنظيمات السرية، مثل المركز الدركي للاستخبارات ومكافحة الإرهاب، والفرقة الخاصة، إلى جانب القتلة المأجورين ومقاتلي حزب الله الذي ترعاه الدولة وحراس القرى.

كما استهدفت المثقفين والمعتدلين الذين يمكن أن يلعبوا دور الوسيط بين مطالب الحد الأقصى التي رفعها حزب العمال الكردستاني، خاصة مطلب الاستقلال وبين إصرار الدولة التركية على وحدة التراب.

ومن ثم، فإن عمليات القتل خارج القانون، والتدمير الكلي للقرى، وحرق الغابات، وانتهاكات حقوق الإنسان قد بلغت مستويات لم تعرفها تركيا منذ الفظائع التي ارتكبت أوائل القرن العشرين.

الأزمات والآمال
وقد غلب على هذا العقد العودة القوية لحراس الجمهورية، وتدخلهم في السياسة والمجتمع، ونتيجة لهذا انشق المجتمع إلى شقين: المحافظات الكردية التي حكمت بحالة الطوارئ القاسية التي داست على حقوق الإنسان وتسببت في زيادة راديكالية المواطنين العاديين باستخدام التعذيب والإذلال، وتمثل الشق الثاني في بقية المحافظات التي عرفت سياسة ديمقراطية (فيما عدا انتهاكات حقوق الإنسان والاستخدام الواسع للتعذيب) ولكن كان يمتد إليها أحيانا عنف حالة الطوارئ.

كان الاقتصاد التركي في معظم التسعينيات ينمو بشكل غير منتظم، حيث عرف فورات من النمو السريع كانت تقطعها أزمات صغيرة وكبيرة

كان الاقتصاد التركي ينمو بشكل غير منتظم في معظم التسعينيات، حيث عرف فورات من النمو السريع كانت تقطعها أزمات صغيرة وكبيرة. وقد ارتفع الإنفاق العام بسبب زيادة النفقات العسكرية وتكاليف الحرب في المحافظات الكردية، إلى جانب سخاء الدعم الاجتماعي، وقامت الحكومات الائتلافية بتمويل عجز الموازنة العامة بالتوسع في الاقتراض، بينما تكيفت البنوك مع هذه البيئة وحققت أرباحا كبيرة عن طريق إقراض الحكومة.

وقبيل أواخر التسعينيات تكون إجماع تدريجي بأن البنية المؤسسية للاقتصاد، وإستراتيجيات الاقتراض الحكومية تحتاج إلى الإصلاح، وتوصلت المفاوضات بين حكومة الائتلاف الثلاثي برئاسة أجاويد وصندوق النقد الدولي إلى صياغة برنامج للتقشف تتضمن عناصره الرئيسية ضبط الموازنة العامة، وربط العملة الوطنية، وخصخصة مشروعات الدولة وتقليص الدعم الزراعي، والأهم من ذلك كله تنظيم القطاع المصرفي.

العدالة والتنمية
أثار النصر الانتخابي لحزب العدالة والتنمية عام 2002م الكثير من الدهشة داخل تركيا وخارجها، وجزعت الدولة الحارسة والجيش والقضاء وقسم من البيروقراطية لرؤية حزب إسلامي آخر في السلطة، بعدما كان الجنرالات قد تدخلوا عام 1997م للإطاحة بحكومة حزب الرفاه بقيادة أربكان.
 
وقد كان الأداء الاقتصادي أثناء السنوات الخمس لحكم حزب العدالة والتنمية (2002-2007م) محوريا في تشكيل آراء الناخبين، إذ استقرت معدلات النمو عند مستوى 7% سنويا، وتضاعف نصيب الفرد من الدخل القومي، وسجلت معدلات مرتفعة في الاستثمار الأجنبي المباشر، وارتفعت مؤشرات البورصة.. وأسهم هذا كله في بناء الثقة بالحزب.

ففي تصويت واضح بالثقة والتأييد، ازداد التصويت لحزب العدالة والتنمية من 34.3% عام 2002م إلى 46.7%، وقد جاء ترتيب الحزب الأول في كل البلاد ما عدا عددا قليلا من المحافظات الساحلية في الغرب.

وقد أظهرت نتيجة الانتخابات العزم على منع اللاعبين غير المنتخبين من الاستمرار في المسلك التدخلي الذي اعتادوه، وفي الحقيقة فإن الجنرالات بتآمرهم على حزب العدالة والتنمية من خلال استخدام القضاء والضغط من الشارع، قد حطوا من قيمة المعارضة العقلانية لعملية الأسلمة الواضحة والمتزايدة للمجتمع.

التحرك نحو الحاضر (2007-2010م)
الشأن الداخلي: رغم كون حزب العدالة والتنمية قد دخل في حالة تحد صريح للدولة الحارسة، فإن سياستها في المحافظات الكردية وإزاء ممثلي الحركة القومية الكردية وحزب المجتمع الديمقراطي لم تختلف اختلافا كبيرا -بالنظرة الأولى- عن سياسات الدولة الحارسة القائمة على التحكم والتخويف، غير أن سياسة "الانفتاحات" على الأكراد أولا والعلويين ثانيا قد أحدثت تحولات مطردة للسياسات التي يمكن وصفها بالقليل جدا في توقيت متأخر جدا.

وكان من نقاط الانطلاق المثيرة في الانفتاح على الأكراد بدء برنامج تعليم الكردية في جامعة أنشئت حديثا في ماردين، وبدء مقررين للكردية والزازاكية في معهد آخر في تونسيلي (ديرسيم).

طبق أوغلو في الممارسة الخارجية مبدأ انخراط تركيا مع العالم في الألفية الجديدة، وأطلق على هذا المبدأ اسم العمق الإستراتيجي

وقد حققت سياسة الانفتاح هذه بعض الانقطاعات المهمة عن عقود من السياسات القمعية، كما أوجدت منتديات جديدة للتباحث بشأن الهوية الكردية واحتياجات الأكراد، رغم الحرص على عدم الظهور بمظهر المستسلم للمطالب القومية التركية.

الانخراط في العالم: اتخذت السياسة الخارجية التركية مسارا ثابتا وواضحا وناجحا، فقد طبق أوغلو في الممارسة الخارجية مبدأ انخراط تركيا مع العالم في الألفية الجديدة، وأطلق على هذا المبدأ اسم "العمق الإستراتيجي"، وقد بني على فكرة جغرافيا جديدة لعلاقات حسن الجوار والتبادل الاقتصادي.

وكان في موضع القلب من هذه الرؤية الإستراتيجية إعادة تشكيل الفضاء العثماني، حيث يتوجب على تركيا أن تضطلع بمسؤولية قوة إمبراطورية سابقة، ومن ثم يجب تمهيد الطريق أمام "القرن العثماني" أو الكومنولث العثماني من خلال إنهاء الصراعات مع كل الجيران وحل النزاعات التي مرت عليها عقود طويلة.

مستقبلات تركيا المحتملة
بناء على مسار الأحداث في العقود الثلاثة الأخيرة، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحا أنه سيكون خليطا بين الدولة الليبرالية وعناصر من سيناريو الوصاية الإسلامية الجديدة، بكل ما يحمله هذا الجمع من تناقضات.

ومن المثير أن هذا الاستنتاج ورد في تقرير مسرب صادر عن السفارة الأميركية في أنقرة. يقول التقرير "ستظل تركيا خليطا معقدا.. مؤسسات وكفاءات وتوجهات غربية، مع ثقافة شرق أوسطية والدين".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك