عرض/شرين يونس
هذا الكتاب ليس دراسة عن دور جماعة الإخوان المسلمين في ثورة 25 يناير، وإنما هو محاولة لفهم الأطر الحاكمة التي حددت مسار الجماعة واختياراتها مع إرهاصات الثورة الأولى، محاولا توفير بنية تحليلية يمكن من خلالها استشراف مواقف ورؤى الجماعة في المحطات القادمة.

الإخوان والإصلاح
يرى الباحث أن موقف الإخوان من الإصلاح السياسي متعلق بخلاف داخل الجماعة لم يحسم بعد، فيما يعد تمايز تيارين كبيرين يقتسمان الجماعة، الأول تيار العمل العام أو المتفتح الذي تكون في قضاء العمل الطلابي والنقابي والسياسي المفتوح، وظل يرسم وجه الجماعة في الحياة العامة، وهو المعروف بالتيار الإصلاحي.

والتيار الآخر هو تيار العمل التنظيمي الذي يدير البناء التنظيمي للجماعة ويمسك بمفاصلها ويتولى مسؤولية التجنيد وتحديد مراتب العضوية ودرجاتها ويضع مناهج التثقيف والتكوين الداخلي، وهو تيار يوصف بالمحافظ.

- الكتاب: الإخوان المسلمون سنوات ما قبل الثورة
- المؤلف: حسام تمام
- دار النشر: دار الشروق
- عدد الصفحات: 207
- الطبعة الأولى: 2012 

ورغم نجاح الجماعة على الأقل حتى ولاية المرشد الثامن محمد مهدي عاكف في الاحتفاظ بقدرتها على الارتقاء على التيارين معا دون تصادم، فإن التطورات التي عرفتها الحركة الإخوانية داخليا وفي سياق علاقتها بالنظام في السنوات الثلاث الأخيرة بشكل خاص -ما قبل الثورة- أدت إلى تراجع موجة التفاؤل التي كانت تقود شراع التيار الإصلاحي في الإخوان، ليبدأ التيار التنظيمي حملة ممنهجة لما سنسميه عملية نزع الشرعية عن كل الأفكار الإصلاحية التي تم بناؤها أثناء النزول السياسي والإعلامي للإخوان الى ساحة العمل العام.

فأظهرت نتائج الانتخابات الداخلية منتصف 2008 انكسارا وتراجعا للأصوات الإصلاحية لحساب التيار التنظيمي ورموزه، واتجهت الجماعة لمزيد من التشدد على المستوى التنظيمي من حيث الضبط والربط والتشدد في معايير التصعيد والترقي داخل الجماعة لمصلحة التيار المحافظ.

لماذا لم تنشق جماعة الإخوان؟
رغم أن جماعة الإخوان في مصر شهدت أشكالا من الانشقاق مرت بها في محطات مختلفة، فإنها تبدو فريدة في قدرتها على الاحتفاظ بتماسكها الداخلي ومواجهة خطر الانشقاق، مقارنة بالأحزاب والتنظيمات السياسية وحتى الإيديولوجية الأخرى.

وعزت فرضية الورقة البحثية مناعة الجماعة الذاتية لسببين اثنين، أولهما تأثر التنظيم الإخواني بالتطورات التي تحدث في بيئته المحيطة، بحيث يظهر أن التنظيم يتمدد في فترات الانفتاح السياسي بينما ينكمش على المنتمين في فترات الانسداد السياسي، فيستدعي العلاقات الهرمية ومبدأ الطاعة للقيادة حفاظا على وحدة الصف الإخواني.

والثاني أن التنظيم كان ومنذ منتصف السبعينيات يتمدد أفقيا وعموديا ليشغل مساحات مجتمعية كانت بعيدة عن سيطرة الدولة، وشكلت معينا هاما لانتشار الأطروحة الإخوانية من جديد وموارد هامة للتعبئة، إضافة لمركزية العمل الجماعي، ووحدة التنظيم في الفكرة الإخوانية وقوة التأسيس الديني والفكري، التي تؤسس للعمل الجماعي وتحافظ على وحدته من الانقسام.

كما أن شعور أعضاء الجماعة بالمظلومية الذي تولد من كثرة الصدام مع الأنظمة والحكومات خلق حالة تماسك وتلاحم ورغبة دائمة في ترحيل الخلافات الداخلية تغليبا لوحدة الجماعة في مواجهة خصومها.

شعور أعضاء الجماعة بالمظلومية الذي تولد من كثرة الصدام مع الأنظمة والحكومات خلق حالة تماسك وتلاحم ورغبة دائمة في ترحيل الخلافات الداخلية تغليبا لوحدة الجماعة

الإخوان والحركات الاحتجاجية
يفترض الكتاب أن موقف الإخوان المسلمين من الحركات الاحتجاجية له علاقة بثلاثة مستويات مهمة، طبيعة الانفتاح السياسي الموجود داخل النظام السياسي، ثم درجة توزيع الأدوار داخل الجماعة وطبيعة الموارد المتاحة مما يحدد سلوكها السياسي تجاه القوى الجديدة وميكانيزمات التغيير، كذلك مدى تطور الفكر السياسي للحركة.

ويظل موقف الإخوان ذا خصوصية واضحة بالنظر أيضا لمجموعة من الأبعاد البنيوية والإيديولوجية، فهم -على خلاف غيرهم من القوى الإسلامية- يتحولون تدريجيا إلى مكون رئيسي في السياسة المصرية، مما يؤدي إلى نمو حالة من الإحساس الزائد خاصة لدى بعض قادة الإخوان.

وقد خلقت معاناة الحصار والمطاردة لدى قادتها وقواعدها حالة من التحفز عند التعامل مع الآخر تجعلها غير قادرة على تجاوز حساسيات تاريخية وإيديولوجية.

ونتيجة لذلك تضعف قدرة الجماعة على التعاطي مع العمل الجبهوي أو الدخول في تحالفات حقيقية، هذا إضافة لنظرة الإخوان للحركات الاجتماعية والاحتجاجات المطلبية بعدم الاهتمام، نظرا لاختلاف منطق كل منهما في تصوره للفعل السياسي، حيث تنظر الجماعة لهذه الاحتجاجات باعتبارها أقرب إلى الضغط من أجل حقوق خاصة وفئوية.

إضافة لما سبق سنجد أن الميراث التاريخي يجعل الإخوان لا يقدرون هذا النوع من الحركات، لكونه ولد أو على الأقل تأثر بالثقافة اليسارية، وهنا يسجل البعد الإيديولوجي والفكري للجماعة حضورا لافتا، إضافة لقلق الإخوان التقليدي من الحركات التي لا يظهر لها برنامج واضح.

ترييف الإخوان
إن المراقب لعلاقة الإخوان بالريف جغرافيا وثقافة في السنوات الأخيرة يلاحظ أن التجنيد داخل الجماعة والتصعيد في تراتيبها التنظيمية صار يتم لمصلحة أبناء الريف على حساب أهل المدن الأصليين وجامعاتها، مما يعد مغايرا لبداية نشأة الجماعة، التي كانت تعبر عن الطبقات الوسطى المتعلمة بشكل خاص، فيما كان وجودها يقل بوضوح في الطبقات الدنيا وفي أوساط الفلاحين والعمال.

ونتيجة لتغيير سياسة الإخوان نحو مزيد من الترييف، نشهد أن انتخابات مكتب الإرشاد في مايو/أيار 2008 مثلا أعطت محافظات ريفية وزنا أكبر بكثير في تشكيلة مجلس الشورى على حساب محافظات مدنية.

التأثير المتبادل بين الإخوان والسلفية تميز بصيغة يمكن تحديدها، فبقدر ما كان التأثير الإخواني في السلفية الوهابية حركيا، كان التأثير السلفي لدى الإخوان إيديولوجيا

ولهذه التغييرات في تركيبة الجماعة العديد من الدلالات، ففيها إعلاء لثقافة ريفية تتوسل بالقيم الأبوية، حيث الطاعة المطلقة والإذعان للمسؤول التنظيمي، وانتشار ثقافة الثواب والعقاب، والتخويف من المختلف أو المتميز، مع الميل للركون إلى التماثل والتشابه بين أعضاء الجماعة.

تبدو تداعيات هذا الترييف في ضعف احترام فكرة اللوائح والقوانين المنظمة والمؤسسة للعلاقة داخل الجماعة، مما يعني صعوبة إنفاذ أمر تنظيمي على غير رغبة القيادة أو رضاها، كما يتم تصعيد القيادات تنظيميا على أساس القرب من هذه القيادة أو تلك وقوة علاقته بها.

سنجد أيضا انتشار هذه الازدواجية الريفية في العلاقة بالسلطة، من حيث الخوف والكراهية والسرية وإعلان الرضوخ الشكلي، ناهيك عن الميل الواضح لدى الجماعة نحو مقاومة ضغوط محاولات الإصلاح الداخلي وتغليب للمكون السلفي داخل الحركة.

تسلف الإخوان
يفسر الكاتب تصدر رموز التيار التنظيمي المحافظ بأنه نتاج نمو توجهات سلفية كامنة في جسم الجماعة تخرج عن نطاق الحركة الجامعة ذات الرؤية التوفيقية التي عرفت بها في مرحلة التأسيس.

وحسب الكاتب، بدأ تحول الجماعة للسلفية الوهابية منذ أوائل الخمسينيات، وتعززت مع اشتداد الحملة الناصرية على الجماعة وفرار عدد من كبار قادتها واستقرارهم بدول الخليج، خاصة المملكة العربية السعودية محضن التيار السلفي الوهابي، ثم تأكدت تماما في حقبة السبعينيات التي شهدت أقوى انطلاقة للتيار الوهابي خارج حدود السعودية.

ويذكر الكاتب أن التأثير المتبادل بين الإخوان والسلفية تميز بصيغة يمكن تحديدها، فبقدر ما كان التأثير الإخواني في السلفية الوهابية حركيا، كان التأثير السلفي لدى الإخوان إيديولوجيا.

وتبدو ظاهرة تسلف الإخوان بشكل مزدوج ظاهرة اجتماعية وفكرية ونتاجا لحزمة عوامل داخلية وخارجية حاسمة ساهمت في تعميق تأثير السلفية الوهابية في الحركة الإخوانية، لكن الواضح أن النسخة السلفية الناتجة جاءت متأثرة بالسياق المصري الفكري والاجتماعي أكثر منه بالوهابية.

الفكرة الجهادية لدى الإخوان تتأرجح بين مراثي المرحلة البناوية والقطبية، وبين أطروحتي الدولة والفكرة الأممية

الإخوان والجهاد
يرى الكاتب أن الفكرة الجهادية لدى الإخوان تتأرجح بين مراثي المرحلة البناوية والقطبية، وبين أطروحتي الدولة والفكرة الأممية، أما التركيبة الداخلية للإخوان فتلعب الدور الأكبر في توجيه التحولات التي تطول إدراك الحركة لمضامين الجهاد المتأرجح بين هاتين الأطروحتين.

ويوضح الباحث أن الاحتكاك مع الحضارة الغربية، وموجة التحديث في العالم الإسلامي، ونمو حركة التعليم العام وتنامي استخدام وسائل الإعلام والاتصال الحديثة، جميعها أدت إلى ظهور مضامين جديدة للجهاد تمتد من الجهاد المدني إلى الجهاد الإلكتروني.

وبين تراث أطروحة الأممية الإسلامية لدى الإخوان وميراث الخبرة التاريخية تقع التركيبة الداخلية للجماعة كمتغير وسيط وفاعل في تأطير الفكرة الجهادية ثقافيا، حيث تخضع فكرة الجهاد خلال مسيرة الحركة وتفاعلها مع تطورات الساحة السياسية والمجتمعية المصرية، بحيث تنتهي غالبا إلى تغليب التعامل مع تعقيدات الواقع الوطني عنه إلى اللجوء إلى الانخراط في صراعات أو تحالفات حركية جهادية عالمية.

الإخوان والدولة
يرى الكاتب أن الحديث عن فرص مساهمة جماعة الإخوان المسلمين في عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي في مصر محدودة لأسباب كثيرة تتعلق أساسا باستمرار التزاوج بين الدعوي والسياسي داخل الجماعة العتيدة، وهو نفس التزاوج الذي يؤدي إلى استمرار ثنائية محتملة في المشروع الإخواني بين الأطروحة الوطنية والأطروحة الأممية التي توارثها الإخوان منذ نشأتها.

حيث لا يزال قسم مهم من الإخوان يفكر بمنطق الخلافة الإسلامية ويتجاوزون حدود مصر حين يتعلق الأمر بالقضايا الإسلامية لا سيما القضية الفلسطينية، مما يطرح السؤال حول مدى وطنية جماعة الإخوان وانتمائها للدولة المصرية وقدرتها على الانحياز عند الضرورة لهذه الدولة ومصالحها حين انتقلت إلى مربع الجماعات العابرة للوطنية.

كما يظهر في برنامج الإخوان المسلمين للعام 2007 كيف لا تزال الدولة هي الأساس في فكر الإخوان وهي الوسيلة الأولى للتغيير.

بين الإخوان والعدالة والتنمية التركي
تحاول الورقة استقصاء الفروقات الكامنة في الفعل السياسي والسياق المحيط بين الحركتين، وتطور علاقة الحركة في كل من مصر وتركيا بالدولة والنظام وتطور فقه الدولة في رؤية كل منهما.

ويرى الكاتب أن هناك علاقة بين الإسلام والتحديث في الدولتين يعكسها التواجه الذي وقع بين القوى الدينية في المجتمع وبين النظم التي قادت عملية التحديث والعصرنة، لكن الاختلاف واضح من حيث تراث الممارسة السياسية في تركيا التي أفضت إلى نظام ديمقراطي تشارك فيها الأحزاب السياسية الإسلامية في العملية السياسية منذ السبعينيات من القرن العشرين حتي وصلت للسلطة، فيما بقيت مصر تراوح في مرحلة صراع سياسي بين الحزب الحاكم الوطني وجماعة الإخوان.

علاقة بين الإسلام والتحديث في الدولتين يعكسها التواجه الذي وقع بين القوى الدينية في المجتمع والنظم التي قادت عملية التحديث والعصرنة

وتمثل الممارسة الديمقراطية لدى حزب العدالة والتنمية في الواقع التركي وسيلة لاستعادة حرية الفرد في مواجهة الدولة، فيما يظهر في برنامج الإخوان المسلمين للعام 2007 كيف لا تزال الدولة هي الوسيلة الأولى للتغيير.

وفيما يقتصر موضوع الكتاب على تحولات الجماعة الإخوانية فيما قبل سنوات الثورة، فإن التغييرات اللاحقة، خاصة فيما يتعلق بما فرضته انتخابات الرئاسة المصرية، في جولتها الأولى التي أظهرت أن الكتلة التصويتية لمرشح الإخوان محمد مرسي هي نحو 5.5 ملايين فيما لا يقل كثيرا عن نسبة منافسه أحمد شفيق.

وأدى ذلك إلى تحولات في الخطاب الإخواني، سواء من خلال تصعيد رموز الإصلاح داخل الجماعة مثل عصام العريان ومحمد البلتاجي إلى الواجهة الإعلامية، والدفع بقوة إلى ضرورة التوافق الوطني مع القوى الثورية والوطنية الأخرى، والموافقة على جعل نواب الرئيس من خارج الحزب، بل والقول بإمكانية اختيار قبطي وامرأة نائبين، ثم تعمد الحديث عن دولة مدنية أو وطنية، ذات مرجعية إسلامية.

أيعد كل هذا التغيير تغييرا ومراجعة لفكر الاخوان وإعلاء للأفكار الإصلاحية، أم يبقى مجرد تغيير "تكتيكي" فرضته الظروف لتحقيق هدف الوصول للحكم؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك