عرض/ المركز العربي للإعلام

تُعتبر قضية الثروة من بين أبرز محددات حركة المجتمع على مختلف المستويات السياسية والاجتماعية. ومن بين أهم الأمور التي تحدد مدى رشادة أو عدم رشد النظام الحاكم في أي مجتمع هي قضية التوزيع العادل للثروة. ويُعتبر الثراء أحد معالم ومحددات القوة داخل المجتمعات الإنسانية، كما ترسم الثروة معالم وخطوط الطبقات المختلفة للمجتمع، وتحدد -ضمن ما تحدده- مسارات السياسة، باعتبار أن الأخيرة تعني في أبسط معانيها التوزيع السلطوي للقيم.

- قصة الثروة في مصر
- المؤلف: د. ياسر ثابت
-النَّاشر: دار ميريت، القاهرة
- عدد الصفحات: 482
- الطبعة: الأولى 2012

بين أيدينا كتاب يتناول قضية الثروة والسلطة في مصر، وهو موضوع يكتسب أهمية كبرى في الدراسة والتحليل باعتبار أن أهم سبب أدى إلى اندلاع ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، هو قضية تركز الثروة في أيدي شريحة ضئيلة من أبناء المجتمع، تحكموا بثرواتهم التي أكسبتهم قوة سياسية ونفوذًا هائلين، في الغالبية العظمى من أبناء المجتمع المصري الذين طحنهم الفقر.

مؤلف الكتاب الذي حمل عنوان "قصة الثروة في مصر"، هو الدكتور ياسر ثابت صاحب مدونة "قبل الطوفان" التي نالت جائزة الجمهور كأفضل مدونة عربية للعام 2008 في المسابقة التي نظمتها قناة "دويتشه فيله" الألمانية.

ويستعرض الكتاب قصة الثروة في مصر وعلاقاتها بالحراك السياسي والمجتمعي ومفاصل القوة داخل المجتمع المصري في القرنَيْن الأخيرَيْن، مركزًا على فترة العقود الأخيرة من حكم الرئيسَيْن الراحل أنور السادات والمخلوع حسني مبارك.

ويبدأ الكتاب باستعراض تجربة أول مليونير في مصر، وهو حسن طوبار الذي ظهر في أجواء الحملة الفرنسية، وكان زعيمًا على إقليم المنزلة في محافظة الدقهلية حاليًا، وكان أحد أبرز زعامات المقاومة المصرية ضد الاستعمار الفرنسي الذي هبت ريحه على مصر أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر.

ويستمر في تناوله لأبرز الرموز الذين ظهروا في عالم المال والأعمال وعالم السياسة في الفترات التالية على هذا التاريخ، ويلاحظ أن الكاتب لم يقتصر في تناوله على سطح الأمور فيما يخص قصص إثراء هؤلاء الرموز، وإنما استغل الفرصة لكي يعرض المجال التاريخي لتطورات الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تطرأ على مصر بين فترة وأخرى.

ومن بين أبرز هذه الفترات: عهد محمد علي باشا الكبير الذي حكم مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وعصر الخديويِ إسماعيل ابن محمد علي الذي حكم مصر في سبعينيات ذلك القرن.

وفي كلا العصرَيْن، عرفت مصر الكثير من المتغيرات العميقة التي غيرت بنية المجتمع المصري بأكمله، وكان للثروة دور كبير في توجيه هذه المتغيرات، بالتوازي مع العديد من التطورات الأخرى، مثل البعثات التعليمية ومشروعات النهضة التي تبناها كل من محمد علي باشا الكبير وإسماعيل باشا.

عرفت مصر الكثير من المتغيرات العميقة التي غيرت بنية المجتمع بأكمله، وكان للثروة دور كبير في توجيه هذه المتغيرات، بالتوازي مع العديد من التطورات الأخرى

تلا تلك الفترة ظهور الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882، حيث تغيرت بنية المجتمع المصري مرة أخرى، مع صعود القوى التي ارتبطت مصالحها بالاحتلال -سياسيًّا أو اقتصاديًّا- وكذلك بظروف الحروب التي خاضتها مصر في عقود الاحتلال الطويلة، وبالأخص الحربَيْن العالميتَيْن الأولى والثانية.

فهناك العديد من رموز الثروة في مصر الذين ظهروا في تلك الفترات، ارتبط صعودهم السياسي والاقتصادي بعملهم مع الاحتلال البريطاني في مصر وبلاد الشام. ومن بين هؤلاء رجل الصناعة أحمد باشا عبود الذي تخصص في مجال صناعة السكر والنقل البري والبحري وصناعة المنسوجات، وكانت بداية صعوده في زواجه بإحدى بنات أحد الضباط الإنجليز الكبار.

ومن بين أغنياء الحرب أيضًا الذين ظهروا في تلك الفترة، علي باشا شعراوي، والسكاكيني باشا، وعبد الحميد الشواربي، ومحمد شعراوي، والأمير محمد علي إبراهيم.

تجارة القطن والعمل السياسي
وأثناء تناوله فترة ما قبل ثورة يوليو 1952 وخروج الاحتلال الإنجليزي من مصر، رصد الكاتب ظاهرة اقتصادية مهمة كان لها أبلغ الأثر على الجانب السياسي والاجتماعي أيضًا، وهي تجارة القطن التي كان لها دور كبير في تهيئة الكثير من رموز المال والأعمال للعمل والاشتغال بالسياسة وممارسة تأثيرهم في هذا الاتجاه. ومن بين هؤلاء محمد أحمد فرغلي باشا، وعلي يحيى باشا، وكلاهما ارتبط مصيره السياسي والإنساني بشكل عام بأسعار القطن ومضارباتها.

ثم قامت ثورة يوليو وتبدلت معها الخريطة السياسية والاجتماعية، وبالتالي مكامن الثروة وعوامل تشكيل مظاهر النفوذ والتأثير، ولكن استمر ظهور بعض رموز الثروة من العهد الملكي. ومن بين هؤلاء عبد اللطيف أبو رجيلة الذي يُعرف بإمبراطور النقل العام في عصره الذهبي، والذي بنى مقر نادي الزمالك في مكانه الحالي في "ميت عُقبة".

البرجوازية المصرية الجديدة
كما ظهرت في فترة الخمسينيات والستينيات ما يمكن أن يُطلقَ عليها اسم "البرجوازية المصرية الجديدة"، التي كان من بين أهم رموزها رجل المقاولات والسياسة الشهير عثمان أحمد عثمان الذي يعتبر أحد الرموز المخضرمة للثروة في مصر، حيث بدأ في الستينيات وصعد نجمه بقوة في السبعينيات عبر علاقته بالرئيس الراحل أنور السادات، حيث تزوج ابنه محمود عثمان من جيهان ابنة السادات.

الصفقات المالية ذات الأرقام الفلكية كانت تحرك مصر في السنوات الأخيرة لحكم مبارك، حيث أصبح الربح السريع الوطن الوحيد لأثرياء جمعوا أموالهم من المضاربة أو الاحتكار

ويعتبر عثمان أحمد عثمان أول ملياردير في مصر وفق تقديرات عديدة، حيث كانت بداياته مع مشروع السد العالي مطلع الستينيات، وتطور به الحال من خلال شبكة من علاقات المصاهرة والنسَب التي جمعت بين رموز سياسية واقتصادية في السبعينيات، مثل عثمان وسيد مرعي وأسرة السادات.

ويتناول الكاتب في هذا الإطار الفساد الذي صاحب عملية تكوين الثروات في مصر خلال السبعينيات وحتى سقوط مبارك في الثورة الشعبية العارمة التي اندلعت في مصر العام الماضي، وقال إن الكثير من الأثرياء "حققوا ثرواتهم في أسواق غير منتجة، وبطرق تعتمد على قنص الريع وتداول الأصول المعروضة، لا الإنتاج والتصنيع الذي يعنى بالدور الاجتماعي للثروة".

ويقول إن الصفقات المالية ذات الأرقام الفلكية كانت تحرك مصر في السنوات الأخيرة لحكم مبارك، حيث أصبح الربح السريع "الوطن الوحيد" لأثرياء جمعوا أموالهم من المضاربة في البورصة أو الاحتكار.

الانفتاح ومليونيرات المعونة الأميركية
ويضيف ثابت أن سياسة الانفتاح الاقتصادي التي انتهجها السادات منذ منتصف السبعينيات، أدت إلى تحولات هائلة في الخريطة الاجتماعية والاقتصادية، وازدادت وطأة الانفتاح في عهد مبارك، في مرحلة سيطرة رجال الأعمال على مفاصل الدولة والحكم، حيث أصبحت الثروة في عهد مبارك لا تعني القيام بالأنشطة الاقتصادية المختلفة، ولكنها تعني بالقدر الأكبر تعبيرًا عن ارتباط الأثرياء بدوائر النفوذ وصناعة القرار.

وبتابع بالقول إن سياسة الانفتاح هذه أدت إلى اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وإن تلك المرحلة كانت مفتاحًا لظهور طبقة أسماها "مليونيرات المعونة الأميركية"، حيث تدفقت أموال المعونة على مصر بعد إبرام معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، وتزامن ذلك مع خصخصة القطاع العام، وتراجع زراعة المحاصيل الإستراتيجية.

ولقد أدت الأوضاع السياسية وتزاوج رأس المال مع السلطة إلى فجوة كبيرة في الدخل والمستوى المعيشي وتوزيع الثروة، وصاحب ذلك الكثير من مظاهر الفساد الاجتماعي والأخلاقي التي تورط فيها رجال الأعمال الذين صاروا هم رجال السياسة أيضًا في عهد مبارك. ومن بين أشهر الأمثلة على ذلك، قضية رجل الأعمال وعضو المكتب السياسي للحزب الوطني المنحل هشام طلعت مصطفى الذي تورط في قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم.

إذا كان البعض يقول إنه عندما يتكلم المال يصمت كل شيء، فإن من الجائز أيضًا القول إنه عندما يتحرك المال يتحرك كل شيء، مثل الخادم المطيع!

كما تتبع المؤلف في السياق ذاته أصل وجذور الكثير من الأسماء والعائلات التي ظهرت في عالم السياسة والنفوذ، انطلاقًا مما تملكه من ثروة في عهد مبارك. ومن بين هؤلاء: رجل الأعمال أحمد بهجت، وعائلة الجمَّال التي تنتسب إليها خديجة الجمَّال زوجة جمال مبارك.

ويؤكد الكاتب في ثنايا الأجزاء التي تناول فيها فترة عصر مبارك، أن هذه الأوضاع التي شجعتها الدولة في عهد حكومتيْ رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف، الذي يقضي حاليًا أحكامًا بالسجن في قضايا فساد حوكم فيها بعد ثورة 25 يناير، كانت وراء اندلاع الثورة الشعبية التي اكتسحت مبارك ورموز الثروة والفساد الذين كانوا أهم رموز السياسة والنفوذ في مصر خلال العقدين الأخيرين.

وفي الختام، يمكن القول إنه خلف كل حدث يشغل الناس في مصر اليوم، ملايين ومليارات الجنيهات أو الدولارات، وإذا كان البعض يقول إنه عندما يتكلم المال يصمت كل شيء، فإن من الجائز أيضًا القول إنه عندما يتحرك المال يتحرك كل شيء، مثل الخادم المطيع!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك