عرض/ أحمد التلاوي

منذ اندلاع الثورات العربية، وبخاصة الثورة السورية التي مضى على اندلاعها أكثر من 15 شهرًا، ويقدم فيها الشعب السوري الكثير من التضحيات والبطولات، ظهرت العديد من الدراسات التي تحاول تشريح الربيع العربي لمعرفة أسبابه وصيروراته والتنبؤ بمآلاته المستقبلية، في ظل النتائج المتغيرة التي أفضت إليها كل ثورة من هذه الثورات.

- فانتازيا الصراع أو إستراتيجيات تفريغ الثورة الشعبية السورية
- المؤلف: أحمد إلياس تابر
- تقديم: هيثم المالح
- النَّاشر: مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات، القاهرة
- عدد الصفحات: 160
- الطبعة: الأولى 2012

وهذا الكتاب -على صِغَر حجمه وعدد صفحاته- يقدم رؤية تحليلية معمقة للثورة السورية، من حيث العوامل والأسباب التي تقف خلف اندلاعها، ومواقف الأطراف الداخلية والخارجية منها، وخصوصًا فيما يتعلق بموقف إيران والغرب من الأزمة القائمة حاليًا في سوريا.

وفي تقييم مبكر للرؤية التي قدمها الباحث السوري أحمد إلياس تابر، والناشط السوري هيثم المالح في تقديمه للكتاب، يتهم المؤلف الغرب وإيران بالنفاق فيما يتعلق بالأوضاع في سوريا ويحملهما مسؤولية تدهورها، من خلال دعم طهران للنظام السوري في حربه الحالية على شعبه، ومن خلال عدم مصداقية الغرب -والولايات المتحدة خصوصًا- في موقفه من جرائم النظام السوري.

ويتكون الكتاب من خمسة أبواب تضمنت 14 فصلاً رئيسيًّا، تناولت بالتحليل واقع الثورة السورية وأسبابها ومآلاتها. يقول المؤلف إن البعد الجوهري لهذه الدراسة يكمن في التأكيد على حقيقة أن الولايات المتحدة ليست جادة فيما تدعيه بصدد توجيه ضربة عسكرية لإيران، وأنها أيضًا تكذب فيما تدعيه من أنها تضع سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب.

ويشير إلى أن الأوضاع في سوريا حاليًا تبرر -لو كانت الولايات المتحدة صادقة فيما تقوله وتدعيه بصدد النظامين السوري والإيراني- توجيه ضربة عسكرية لدمشق، في إطار منظومة حلف شمال الأطلسي لإزالة نظام الرئيس بشار الأسد.

وأوضح أن ذلك سيستتبع ردًّا من جانب طهران على هذه الضربة، بما سينقل المعركة تلقائيًّا ضد النظام الإيراني، وهو ما كان سيوفر على الولايات المتحدة البحث عن ذرائع لتوجيه هذه الضربة.

تدمير مجتمع!
في الباب الأول، يطرح المؤلف مجموعة من القضايا حول الواقع الراهن الذي تشهده سوريا في إطار أزمتها الحالية، ومن بينها مخاطر الأزمة على مفردات ترابط المجتمع السوري، وخصوصًا فيما يتعلق بالأمن الاجتماعي الذي أدى العنف الذي يمارسه النظام ضد المواطنين وضد المجتمع بشكل عام إلى تدميره، رغم أنه ظل لأزمنة طويلة أحد أهم أركان تماسك المجتمع في سوريا.

ويشير المؤلف إلى أن الجيش السوري يقوم بسياسة ممنهجة تعتمد على معاقبة أهل النشطاء وقيادات الاحتجاجات الاجتماعية في البلاد، وبالتالي فإن هناك الكثير من التصفيات والإعدامات التي تطال زعامات وشخصيات عشائرية، ويلعب التعتيم الإعلامي دورًا كبيرًا في التغطية عليها.

وفي تناوله للبنية الأساسية التي شكلت النظام السوري القائم حاليًا، يذهب المؤلف إلى أن نظام الأسد البعثي استنسخ تجارب حكم ملوك أوروبا الإقطاعيين، ويرد الثقافة الاستبدادية التي تحكم النظام السياسي الحاكم إلى رافدَيْن أساسيَّيْن: بعض المثقفين العرب الذين تبنوا الكثير من الأطروحات التي بررت الاستبداد لأنظمته تحت مسميات عديدة، والغرب الذي كرس حالة الاستبداد بين ظهراني عالمنا العربي والإسلامي لأنها تخدم مصالحه.

دعا الغرب المغرب إلى تبني قرارات بالانفتاح السياسي لتجنب ثورة شعبية عارمة تطيح بالنظام الملكي، بينما كانت عوامل أخرى وراء تبدل شكل الموقف الغربي في مصر وتونس واليمن، وكذلك سوريا

التآمر والنفاق
الباب الثاني من الكتاب خصصه المؤلف للتركيز على الفكرة السابقة، وهي دور الغرب في التكريس لثقافة الاستبداد الحاكمة في العالم العربي، والممارسة الغربية في هذا الإطار، في سياق الربيع العربي وصيروراته.

فيوضح أن المصلحة الغربية حتمت في أكثر من حالة -كما في المغرب- على الغرب التدخل لصالح بقاء الأنظمة والأوضاع القائمة، لأنه ليس من مصلحته "أن تطير التيجان الحاكمة"، لذلك دعا الغرب المغرب إلى تبني قرارات بالانفتاح السياسي لتجنب ثورة شعبية عارمة تطيح بالنظام الملكي، في حين كانت عوامل أخرى وراء تبدل شكل الموقف الغربي في مصر وتونس واليمن، وكذلك سوريا.

فانتهاء صلاحية النظام السابق في كل من مصر وتونس، كان وراء السلوك الغربي الذي ترك نظامي مبارك وبن علي ينهاران. أما في اليمن فقد كان المطلب الأميركي الرئيسي هو تنحي علي عبد الله صالح، لأنه ليس من المصلحة الغربية أن يغرق اليمن في الفوضى، بينما كانت تصفية الحسابات السابقة وراء التدخل العسكري في ليبيا.

ويشير المؤلف إلى أن الغرب يتبنى ما وصفه بسياسة إعادة تدوير الأنظمة الحاكمة في تعامله مع الأوضاع القائمة في العالم العربي، وأن ما يحكم السياسة الغربية -والأميركية خصوصًا- ليس الأفكار الديمقراطية أو حقوق الإنسان، وإنما حماية المصالح السياسية والاقتصادية للقوى الإمبريالية العالمية.

ويشرح في هذا الإطار جانبًا من السياسة الأميركية إزاء سوريا، فيشير إلى أن واشنطن تطرح "محاذير" قديمة لتبرير عدم تدخلها في الأزمة السورية، مثل أن هناك عناصر من تنظيم القاعدة تحارب ضد نظام الأسد.

ويقول أيضًا إن الولايات المتحدة تستخدم ذات الفزاعة -أو "ضلالها القديم" كما يصفه- التي استخدمتها في العراق لتخويف الناس من المقاومة الإسلامية، ويؤكد أن المقاومة كانت تستهدف الاحتلال، وأن ما جرى من جرائم في العراق لم يكن يمت لها بصلة من قريب أو بعيد.

ويؤكد المؤلف مجددا أن الغرب وأدبياته -ومن بينها كتاب "لعبة الأمم" الذي ألفه المسؤول الأميركي في وكالة المخابرات المركزية مايلز كوبلاند- وراء الكثير من الممارسات الدكتاتورية التي قامت وتقوم بها الأنظمة الحاكمة في العالم العربي.

ويشير إلى أن ما يجري حاليًا في سوريا إنما هو "لعبة أمم جديدة"، تشبه في أركانها ما قامت به الولايات المتحدة لإسقاط الاتحاد السوفياتي في ثمانينيات القرن العشرين، عندما دفعته إلى غزو أفغانستان واستنزفته في هذه الحرب حتى انهزم فيها، ثم تفكك وانهار.

خطط الفتك الأميركية
الباب الثالث يتحدث فيه المؤلف عن أيدولوجية الصراع الإقليمي والدولي في سوريا، ويشير إلى أن أطرافه الرئيسية هي: الغرب وخصوصًا الولايات المتحدة، وإسرائيل، ثم إيران وروسيا، ولكنه يؤكد أن الصورة التي تجمع هذه الأطراف ليست صراعية، كما تبدو للناظرين، إذ هناك الكثير من الأمور التي أشار إلى أدلة عليها، تقول بأن السياسات التي تتبناها هذه الأطراف لا تبحث عن المصلحة السورية، ولا تخرج عن نطاق حماية مصالح مختلف هذه الأطراف.

الشعب السوري هو الخاسر الأكبر من الأزمة الحالية، بينما الرابح الأكبر هو العلاقات الإيرانية الأميركية

ويشرح بعض تفاصيل ذلك في البابَيْن الرابع والخامس، ويشير أولاً إلى بعض الأدلة والشواهد على أن القاعدة ليست المسؤولة عن التفجيرات التي تقع في سوريا من حين لآخر، بل هي بتدبير من الأمن السوري، ويقول إن هذا يشير إلى أن كل ما تقوله الولايات المتحدة بشأن وجود عصابات مسلحة وجماعات "إرهابية إسلامية" في سوريا، كذب وتضليل.

كما يشير إلى تواطؤ روسيا والصين مع السياسة الأميركية إزاء سوريا، حيث يقول إن واشنطن تتستر خلف الموقف الروسي والصيني حتى تبرر عدم تدخلها العسكري في سوريا، بينما تعمل على تحقيق مجموعة من المستهدفات، منها السعي إلى تمزيق سوريا عبر طرح إقامة منطقة عازلة بينها وبين تركيا في الشطر الكردي، كجزء من مشروع طويل الأمد لإقامة دولة مستقلة للأكراد.

ويؤكد المؤلف أن دعم الولايات المتحدة لخطة المبعوث المشترك للجامعة العربية والأمم المتحدة كوفي أنان -وخصوصًا مسألة نشر المراقبين- من أجل منع أي إجراء عسكري أممي في سوريا، وهو ما يعني ضخ دماء جديدة في أوردة النظام السوري.

وأخيرًا يشير إلى أن خسائر الاقتصاد السوري أثناء الأزمة تجاوزت العشرين مليار دولار، وأن الشعب السوري هو الخاسر الأكبر من الأزمة الحالية، بينما الرابح الأكبر هو العلاقات الإيرانية الأميركية.

وفي ختام كتابه، يؤكد المؤلف أن الثورة السورية مدعوة إلى توحيد صفوفها في الداخل والخارج، واتخاذ شكل أكثر مؤسسية، ومن ذلك تشكيل حكومة في المنفى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك