عرض/ ياسر باعامر

ربما الميزة التي ينفرد بها كتاب المؤرخ عبد الله مناع عن غيره من التدوينات التاريخية التي تحدثت عن تاريخ المدينة الساحلية جدة الواقعة عند منتصف الساحل الشرقي للبحر الأحمر، أنه لم يعتمد في راويته لأركان تاريخ هذه المدينة على "تفاصيل جامدة"، والتركيز على "الذات المكانية" الأثرية، حيث تحتوي المنطقة التاريخية الواقعة في قلب المدينة على قرابة 500 موقع أثري من الزمن الماضي.
لكن المؤلف الذي عاش تفاصيل حكاياته عن القديم الجديّ، أخذ منحى مغايرا -وهو ما يحسب له- في سياق استدعاء النص التاريخي لشخصيات مثلت بطولة حقيقية في سرده لذاك التاريخ القصصي.
 
-الكتاب: تاريخ ما لم يؤرخ.. جدة الإنسان والمكان
-المؤلف : عبد الله مناع
-عدد الصفحات: 281
-الناشر: دار المرسي للنشر والتوزيع
-الطبعة: الأولى، ديسمبر 2011
ومن يقرأ الكتاب من صفحته الأولى يدرك جيداً أن المؤرخ مناع لديه حزمة أهداف تمثل "البنية التحتية" للعوائل الحجازية التي لعبت دوراً مهماً في صناعة "تاريخ ما لم يؤرخ". كما أن كتاب المؤلف أيضاً رسالة واضحة للسلطات المحلية المختصة بالسياحة والآثار بضرورة إعطاء عوائل الحجاز ومواقعه الأثرية بعضاً من أهميته في التدوين التاريخي الرسمي لما يمثله من عمق مهم في الحالة الداخلية.

حكاية الكتاب
حكاية هذا الكتاب بدأت في سبتمبر/أيلول 2006 حينما دعت "إذاعة البرنامج الثاني من جدة" المؤرخ مناع لتقديم أحاديث يومية عن جدة وحياتها وحاراتها وأهلها، وأن تلقى بصوت المؤلف خلال أيام شهر رمضان من ذلك العام لإذاعتها قبل الغروب، بعنوان "لست أدري كيف ولد؟".

يؤكد مناع في جزء الكتاب الأول أن أحاديثه في الإذاعة أصبحت مشروع كتاب قائلاً: "عندما أتأمل الآن أسباب لهفتي وشغفي عند استقبالي لدعوة الإذاعة لي بالحديث عن جدة وحاراتها وحياتها وبعض تاريخها وناسها، أجد أمامي عشرات الأسباب الإنسانية والذاتية التي أشعلت تلك اللهفة وأوقدت ذلك الشغف، لعل أولها عطشي للحديث عن جدة الذي لم تروه كل مقالاتي ولقاءاتي الصحفية الكثيرة، ثانيها جوعي لكشف المزيد عنها وعن لياليها الشجية وصباحاتها المشرقة ومساءاتها المتلألئة، وهو أمر لا يتأتى إلا بمزيد من البحث والقراءة والكتابة عنها".

ويمضي مناع إلى السبب الثالث الذي دعاه للكتابة: "ذلك الإحساس المفرط بثقل الدين الذي طوقت به جدة عنقي حباً ورعاية وعناية ولما أسدده بعد، رغم كل ما فعلته من أجلها سواء أكان كبيراً في عيون البعض أو متواضعاً عند الأكثرية أو العكس".

استعاد مناع –كما يسرد- كل تلك الأمكنة، التي تستحق اللثم والعناق وشم عبق رائحتها التاريخية، عبر لمحات من سير حياة الآباء والأعمام والأجداد، ومواقفهم الإنسانية، التي عاش تفاصيلها حيث يقول: "إنما كانت تلك الأحاديث تعبيراً تلقائياً عن خلالهم وطباعهم التي فطروا عليها دون تزييف أو تصنع لتشكل بعفويتها وتلقائيتها ميراثها الحضاري في النهاية، ووجدان حارات جدة وحميميتها وثقافتها إجمالاً".

تاريخ نصف قرن أو أزيد قليلاً رواه مناع بسند صحيح، كما يصنف أهل الحديث أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، أعاد مناع تاريخ جدة، تاريخ طفولته الرمزية التي عاشها وأحبها في حارات جدة وأزقتها وبرحاتها وأسواقها وبين أهلها وناسها، في روح ذلك الزمان.  

حارات جدة الأربع
يستعير مناع قصيدة ابن برحات جدة وصهبتها الشاعر أحمد قنديل في مدخل كتابه التي قال فيها:

لك يا جدة الحبيبة في القلب      **       مكان محببٌ مألوفُ

طاف فيه صدى الجديدين بالأمس **    وما زالت الحياة تطوف

أول سور بني في جدة بناه أحد أحفاد إمبراطور فارس "أنوشروان يزدجر" يدعى فيروز بن يزدجر، وكان عرضه عشرة أشبار، وبه أربعة أبواب وحوله خندق مملوء بالماء

كان لجدة القديمة أربع حارات رئيسية داخل سورها (قبل أن يزال في 1947)، حيث كانت أسماء الحارات تحمل دلالات جغرافية، فحارة "الشام" في الشمال، وحارة "اليمن" في الجنوب، وحارة "البحر" يقع ضلعاها الغربي والجنوبي على البحر مباشرة، إلا حارة "المظلوم" شذت عن هذه التسميات الجغرافية في طبيعتها، لتقول إحدى الروايات إن السبب في تسميتها بهذا الاسم أن رجلاً في قديم الزمان قُتل ظلماً بسبب تعثره في سداد مبلغ من المال استدانه من شخص آخر.

أما الرواية الثانية لتسمية "المظلوم" لا تخلو من الطرافة والغرابة، وهي تحمل صورة من صور الدروشة التي كانت تسود المجتمع في الأزمان الغابرة، إذ تقول الرواية إن الحارة سميت باسم أحد أولياء الله المشهورين بعلمهم وصلاحهم وهو الشيخ عفيف الدين بن عبد الله المظلوم، الذي كان له قبر داخل السور، وإن النذر كانت تأتيه من جميع الجهات، بل إن كل سفينة تأتي من الهند واليمن أو بر العجم وليس فيها نذر باسمه يحصل لأهلها غاية التعب ونهاية الندم، والأعجب –والحديث للمؤلف- هو قول تلك الراوية: "إن من حلف عند قبره حانثاً حل به العطب والسقم، ولهذا كان يقول أهل جدة القديمة: من أراد تغليظ الإيمان على الخصوم.. يُحلِّفهم عند قبر الشيخ المظلوم".

أول سور بني في جدة بناه أحد أحفاد إمبراطور فارس "أنوشروان يزدجر" يدعى فيروز بن يزدجر، وكان عرضه عشرة أشبار، وبه أربعة أبواب وحوله خندق مملوء بالماء، وقيل إن الصحابي سلمان الفارسي وأهله سكنوها وبنوا سورها الأول –وإن كان لا يوجد في التاريخ الموثق ما يشير إلى ذلك- ولكن المؤكد أن ناصر خسرو -أحد قادة الفرس- شهد سورها الثاني الذي بناه عام 1105 م, كما أن ابن جبير الرحالة الشهير شهد سورها الثالث عام 1183م.

ثم أعاد بناءه القائد حسين كردي، بناءً على تكليف من سلطان مصر المملوكي "قنصوه الغوري" عام 1605، وهو الذي أجمع المؤرخون على أنه أعظم عمل معماري في تاريخ جدة، بمحيطه الذي يبلغ ثلاثة آلاف ذراع، وارتفاعه الذي بلغ 12 ذراعاً، وأبراجه الستة التي يبلغ ارتفاع كل منها خمس عشرة ذراعاً، إلى جانب خندق مملوء بالماء حوله، لحماية المدينة من الغزو.

هنا يتحدث في هذه الجزئية مناع بعد إزالة السور بين عامي 1947 و1948: "والذي علقت بذاكرة طفولتي منه صورة ضلعه الشمالي وباب جديد، وقد كان يتوسطه عندما كنا نعبره صغاراً في يوم الوقفة (في إشارة إلى يوم عرفات بالحج) للذهاب إلى بحيرة "الطين" أو بحيرة الأربعين حسب مسماها الحديث". 

80 شخصية في الذاكرة
اتبع المؤرخ مناع أسلوب التحدث عن الشخصيات التي ضمنها كتابه ضمن منهجية التقسيم الفهرسي الداخلي والتي تقارب الثمانين شخصية، وهذا رقم كبير بالمقارنة مع التدوينات التي تحدثت عن قلة قليلة من أعيان هذه المدينة مغفلة سيّر الكثير من الشخصيات التي رسخت في الذاكرة الشعبية لجدة القديمة. وما يحسب للمؤلف أنه استطاع تشكيل فسيفساء من "الطراز الإنساني"، معتمداً على "ذاته الحكاواتية "ولكن بخلفية واقعية، خاصة أن سير الشخصيات الواردة لم تكن معروفة في التاريخ الحديث لهذه المدينة التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم :"مكة رباط، وجدة جهاد".

وقد تضمن الكتاب أيضا فصلين كاملين عن التجار والبائعين الذين اشتهروا في الأسواق الشعبية القديمة لجدة كـ"السوق الكبير، وباب شريف". كما يتميز الكتاب بميزة أخرى وهي أنه احتوى صورا قديمة للشخصيات التي تحدث عنها وإن اختلفت درجة وضوحها بين صورة وأخرى.

العطار الأول في جدة الذي يدعى الشيخ حامد شلبي، كان دكانه أشبه ما يكون بعيادة طبية يقصده المريض أو أحد من أهله ليصف له الدواء

يروي مناع –على سبيل المثال- أنه خرج من بيوت حارة الشام بنصفيها الشرقي والغربي ومن رواشينها القديمة ومجالسها وأكشاكها سفراء كفؤاد ناظر، ووزراء كعبد الوهاب عبد الواسع، ورجال أعمال كالشيخ محمد صالح باعشن، وأعلام في الفكر كمحمد حسن عواد، وأعلام في الثقافة كمحمد علي مغربي، وأعلام في الصحافة كمحمد سعيد باعشن.

كانت حارة الشام المكان الأفضل للسفارات والقنصليات الأجنبية والإسلامية، حيث أقامت بريطانيا العظمى أول قنصلية لها في جدة عام 1216هـ، باستثناء القنصلية الباكستانية التي حلت محل القنصلية الهندية في حارة البحر بعد تقسيم الهند عام 1947، والقنصلية السوفياتية قبل قطع علاقاتها مع المملكة في الثلاثينيات الميلادية من القرن الماضي، وكان مقرها في بيت الشيخ رشدي ملا نيازي.

ينتقل كتاب مناع من قصة لأخرى، حيث تحدث عن العطار الأول في جدة الذي يدعى الشيخ حامد شلبي، وكان دكانه الشهير في مدخل سوق العلوي من الغرب أشبه ما يكون بعيادة طبية يقصده المريض أو أحد من أهله، ليصف للشيخ حامد الأعراض التي يشكو منها، وكان أفراد المجتمع المحلي يذهبون إليه رغم وجود المستشفى المركزي الوحيد (مستشفى باب شريف) الذي بناه العثمانيون في جنوب شرق جدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك