عرض/ حسين عبد العزيز
يتناول الكتاب/التقرير في جزئه الأول موقف النظام الدولي من الثورات العربية، فيما حين يتناول الجزء الثاني مواقف الدول الإقليمية، أما الجزء الثالث فيتناول النظام العربي ومآزق التغيير، لينتهي الجزء الرابع إلى بحث الانتقال الديمقراطي (سوريا نموذجا).

ووفقا للمنهج المتبع في مثل هذا النسق التقريري، فإنه ليس عملا مسحيا، وإنما يتبع نهجا رصديا تحليليا لمفاصل الأحداث.

موقف النظام الدولي من الثورات العربية
- الولايات المتحدة: مع بدء الثورة التونسية بادرت الولايات المتحدة إلى تأييد الثورة في محاولة لتأكيد التزامها بدعم الديمقراطية في سياستها الخارجية، لكن في الثورة المصرية بدا الأمر مختلفا، حيث ترددت في اتخاذ موقف صريح.

- الكتاب: حال الأمة العربية 2011ـ2012
معضلات التغيير وآفاقه
- المؤلف: مجموعة باحثين
- عدد الصفحات: 304
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
- الطبعة الأولى: 2012

لقد اعتقدت الولايات المتحدة بعد انتهاء 25 يناير/كانون الثاني بتفرق المتظاهرين أن هذه المظاهرات لا تحمل مطلب إسقاط النظام، مما دفعها إلى اعتقاد أن الحركة الاحتجاجية لن تصل إلى أبعد من مجرد مظاهرات، غير أن تحولا هاما دخل على الموقف الأميركي بعد جمعة الغضب وانهيار الأجهزة الأمنية، حيث خرج أوباما مطالبا النظام المصري باحترام حقوق شعبه، إلى أن دعا بشكل صريح إلى ضرورة تنحي مبارك.

أما في ليبيا، فقد ارتبط الموقف الأميركي بتطور الأحداث، حيث قبلت في البداية بفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية وسياسية، ثم انتقل الأمر إلى قبولها بفرض حظر جوي إذا وافقت الدول العربية، وهو ما تم فكان القرار 1973، غير أن واشنطن ظلت حريصة على أن يكون العمل ضد النظام جماعيا.

وبالنسبة لليمن، فقد مارست واشنطن ضغوطها من بعيد، حيث كانت تقف خلف المبادرة الخليجية بسبب تعقد الوضع في اليمن وحساسيته لدول الخليج.

أما في الملف السوري، فقد كانت مواقف الولايات المتحدة متوافقة إلى حد كبير مع المواقف الأوروبية، فقد حاولت هذه الدول أكثر من مرة إصدار إدانة دولية ضد النظام، واشتركت في موقف موحد ضد الرئيس الأسد وفقدانه للشرعية، كما فرضت الولايات المتحدة مع الدول الأخرى عقوبات اقتصادية ضد النظام.

- الدول الأوروبية: ترددت فرنسا في اتخاذ موقف من الثورة التونسية حتى فرار الرئيس بن علي، فأعلنت تأييدها لها، وسارت بعض الدول الأوروبية في المسار الفرنسي، لكن ألمانيا كانت واضحة منذ البداية، حيث دعمت الثورة وخصصت مبلغا من المال لهذا الدعم، إضافة إلى وعود بتقديم مساعدات.

وظل الموقف الألماني محافظا على ذاته مع الثورة المصرية، حيث كانت الأولى في إعلان دعمها للثورة المصرية، في حين تعاملت فرنسا ودول أخرى بكثير من الحذر.

وفي ليبيا، تطور الموقف الأوروبي تبعا لتطور الأحداث، فقد بدأ التحالف العسكري لفرض منطقة الحظر الجوي بثلاث دول (الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا)، قبل أن تسلم العمليات العسكرية إلى الناتو، أما ألمانيا فقد ظلت على موقفها الرافض للتدخل العسكري.

- روسيا والصين: لم تؤيد روسيا والصين الثورتين التونسية والمصرية إلا بعد فرار بين علي وتنحي مبارك، وكذلك الأمر في ليبيا، حيث تحفظتا في البداية على قرار مجلس الأمن ثم صوتتا على القرار.

وفي اليمن وافقت الدولتان على المبادرة الخليجية لأنها تتفق مع رؤيتهما بعدم التدخل الخارجي، أما في سوريا فقد كان الرفض مزدوجا للتدخل العسكري ولفرض عقوبات سياسية واقتصادية في مجلس الأمن، ولم تكتف روسيا بذلك، بل قامت بخطوات إستراتيجية لردع أي تفكير في التدخل العسكري فيها.

الإطار الإقليمي.. سوريا نموذجا
- تركيا: مع بدء الاحتجاجات في سوريا أعلنت تركيا وقوفها مع التغيير والإصلاح، ثم دعت بعد ذلك النظام إلى التعامل بشكل سلمي مع المتظاهرين وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإلغاء حالة الطوارئ، ووجهت رسائل بأنها تفضل أن يكون التغيير على يديْ الرئيس بشار الأسد.

غيرت إيران موقفها من الثورات العربية حين وصل الأمر إلى سوريا، وهو مؤشر يؤكد أن إيران تتصرف بعقلية الدولة لا بعقلية الثورة

غير أن الموقف التركي بدأ يتغير مع تطور الأحداث، فقد بدأت في الظهور نبرة تركية تصعيدية، ثم بدأت بعد ذلك أنقرة في استضافة المعارضة واحتضان عناصر من الجيش السوري الحر.

ويرجع المؤلف هذا التطور في السلوك السياسي التركي إلى سببين رئيسييْن: 
1- خشية أنقرة من تفاقم الوضع في سوريا وتحوله إلى حرب أهلية ومذهبية وإثنية، وهو ما يفتح باب تركيا على جهنم.
2- رغبة تركيا في أن تكون الطرف الوحيد في المنطقة ومن دون شركاء، وذلك عبر ضرب الشريك الإقليمي الأقوى (إيران) عبر ضرب أهم ركيزة له في المنطقة (سوريا).

- إيران: غيرت إيران موقفها من الثورات العربية حين وصل الأمر إلى سوريا، وهو مؤشر يؤكد أن إيران تتصرف بعقلية الدولة لا بعقلية الثورة.
فقد اعتبرت إيران الاحتجاجات في سوريا مؤامرة خارجية افتعلها الأعداء لتهديد النظام السوري، وأكدت أن تعامل النظام معها شأن داخلي، والأهم من ذلك أنها قررت تقديم دعم لوجستي إلى النظام السوري، لتعويض التداعيات السلبية للعقوبات والعزلة الدولية.

هذا الدعم يعني أن صناع القرار في إيران حريصون على بقاء النظام السوري، لأن سقوطه معناه ليس فقط فقدانها الإطار العربي وقطع خطوط التواصل مع حلفائها الآخرين في لبنان وفلسطين، بل كذلك تهديد مصالحها ونفوذها في سوريا.

وفضلا عن ترحيبها بالفيتو الروسي/الصيني فقد رفضت طهران المشاركة في مؤتمر أصدقاء سوريا بتونس، معارضة منها لأي تدخل خارجي في سوريا، ومع ذلك بدت إيران حريصة على تقليص حدة الاستياء من موقفها الداعم للنظام، حيث وجهت دعوة لبدء حوار بين النظام والمعارضة على أراضيها، ورحبت بالتعهدات المتكررة من الأسد بإجراء إصلاحات سياسية واسعة.

الثورات والاحتجاجات العربية 
- الاحتجاجات التي ما زالت مستمرة (سوريا): تحمل الأزمة السورية سمات تجعلها أصعب الأزمات التي واجهتها البلاد، وتزيد من خطورتها الطريقة التي اتخذها النظام لمعالجتها.
فمنذ البداية عبأ النظام قوى مجتمعية ورسمية وعسكرية وشبه عسكرية، وزجها في المعركة لتحقيق هدفين:
1- حرف النشاط الشعبي عن طابعه السلمي وتحويله إلى عنف يسهل القضاء عليه.
2- استثمار ما في المجتمع من نقاط ضعف بنيوي واختلافات متنوعة قابلة للاستغلال، ما دام تفعيلها يحوّل النضال في سبيل حقوق مشروعة إلى صراع داخلي.

في هذا الواقع ثمة خطر كامن يتجلى في نشوء رد فعل مسلح لدى "المعارضة الإسلامية" يمكن أن يكسب قطاعات وازنة من المجتمع الأهلي في حال تواصل الضغط الأمني والعنف الرسمي، واستمر وضع الشعب في التردي نتيجة الحصار والتضييق.

تحمل الأزمة السورية سمات تجعلها أصعب الأزمات التي واجهتها البلاد، وتزيد من خطورتها الطريقة التي اتخذها النظام  لمعالجتها

ويذهب التقرير إلى أن هذا الوضع قد يؤدي إلى خروج قيادة الاحتجاجات من "أيدي القطاعات المدنية إلى أيدي بؤر إسلامية متطرفة"، فيترتب على ذلك أمران خطيران:
1- خروج قيادة الشارع من "الذين تغلب عليهم صفة الحداثة"، فيتراجع وزنهم في الشارع فتتحول عندها المعركة من نضال في سبيل الحرية والعدالة إلى قتال مذهبي الطابع يؤدي إخماده إلى كسر المجتمع وحسمه إلى تقويض الدولة.

2- ذهاب سوريا دولة ومجتمعا إلى صراع تدميري بين السلطة والمجتمع الذي سيتبنى مع استمرار الحل الأمني مطالب مذهبية/طائفية.

لكن التقرير يرى أن الواقع ما زال يطرح حلين ممكنين: أولهما ظهور كتلة تاريخية جديدة تضم "قوى الإصلاح" في الحزب والسلطة إلى المعارضة والمثقفين والشباب وقطاعات المجتمع الأهلي، لعزل "المتطرفين" من جانبيْ الصراع، ووقف العنف وفتح باب الحوار، وثانيهما وجود كتلة تاريخية بديلة تضم المعارضتين الحزبية والثقافية إلى الشباب والمجتمع الأهلي، تقاوم سلميا الحل الأمني الذي يتبعه النظام و"القوى المتطرفة" العاملة في القاع الاجتماعي.

ـ الاحتجاجات التي انتهت ببعض الإصلاحات السياسية (المغرب، الأردن، الجزائر، عُمان): اتجهت دول عربية إلى اتخاذ خطوات إصلاحية دستورية/سياسية وأخرى اقتصادية لاحتواء الحركة الاحتجاجية، وكان المغرب هو النموذج الأبرز في الأخذ بتلك الخطوات.

ركزت الإجراءات المغربية على سبع نقاط أساسية: تعزيز فصل السلطات، وزيادة صلاحيات رئيس الوزراء مع حصر التشريع في مجلس النواب وتفعيل دور المعارضة في البرلمان، ووقف حق الفتوى على المجلس العلمي الأعلى، وإعطاء مكانة خاصة للأمازيغية، وتكريس الطابع التعددي للهوية المغربية الموحدة، وتوسيع مجال الحريات الفردية والعامة، وتطوير منظومة حقوق الإنسان.

وبناء على هذه الخطوات، أجريت انتخابات تشريعية مبكرة تميزت بقدر كبير من النزاهة، واستطاع فيها حزب العدالة والتنمية الحصول على الأغلبية، وشكل على أساسها حكومة برئاسة عبد الإله بن كيران.

وفي السياق ذاته، كلف الملك عبد الله الثاني عاهل الأردن لجنة بمراجعة نصوص الدستور، وسلمت اللجنة تعديلاتها إلى الملك في أغسطس/آب 2011.

اختصت التعديلات بتعزيز صلاحيات السلطة التشريعية وتحصين مجلس النواب من الحل، والنص على إنشاء هيئة مستقلة للانتخابات، وإنشاء محكمة دستورية، وإلغاء المجلس العالي لتفسير الدستور، إضافة إلى مواد أخرى اعتبرت بمثابة عودة لدستور عام 1952.

وفي ما يخص حقوق الإنسان، ورد النص على عدم جواز حجز أي مواطن في غير الأماكن التي يجيزها القانون، وسرية جميع المراسلات البريدية والبرقية والمخاطبات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال.

عندما اندلعت الثورات اتجهت دول عربية إلى اتخاذ خطوات إصلاحية دستورية/سياسية وأخرى اقتصادية لاحتواء الحركة الاحتجاجية، وكان المغرب هو النموذج الأبرز في الأخذ بتلك الخطوات

ومن جانبها، نحت الجزائر المنحى ذاته باتخاذ تدابير إصلاحية، حيث ألقى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة خطابا أعلن فيه الشروع في مشاورات سياسية لتعديل الدستور، بالتوازي مع حزمة من الإجراءات الأخرى، أهمها إعادة صياغة المدونة التشريعية، ومراجعة قوانين الانتخابات والأحزاب والجمعيات، وتعزيز صلاحيات المجالس المنتخبة.

وفي سلطنة عمان، أصدر السلطان قابوس بن سعيد مرسوما بتعديل بعض أحكام النظام الأساسي للدولة الذي يعد بمثابة الدستور، جرى بموجبها توسيع صلاحيات مجلسيْ الدولة والشورى، وضرورة موافقتهما مجتمعيْن على كل القوانين التي تصدر عن مجلس الوزراء، كما أعطت المجلسيْن حق تعديل جميع القوانين التي يقترحها مجلس الوزراء.

ومنحت مجلس الشورى حصريا الحق في اقتراح القوانين، وأوجبت على السلطان دعوة مجلس الشورى إلى الانعقاد في جلسة سرية لانتخاب رئيس المجلس ونائبين له.

البحرين -من جانبها- قامت بخطوات إصلاحية، حيث صادق البرلمان على التعديلات الدستورية التي أسفر عنها الحوار الوطني، وهي التعديلات التي استهدفت تعزيز المكون البرلماني للنظام السياسي، عبر زيادة دور مجلس النواب في ممارسة عملية الرقابة على الحكومة عن طريق الأدوات البرلمانية المعروفة، وفي مقدمتها الاستجواب.

ومع أن المملكة استخدمت الخيار الأمني والسياسي والاقتصادي لحل الأزمة في البلاد، فإن المصادمات والاشتباكات لم تنته بعد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك