عرض/ زياد منى 

مؤلف هذا الكتاب أستاذ محاضر بكلية دراسات العمل في جامعة إنديانا بلومنغنتن وفي قسم علم الاجتماع السياسي بجامعة إنديانا كلمبس بالولايات المتحدة. أبحاثه تتركز على العلاقة بين الشركات والديمقراطية، وعلى نحو خاص على الحقوق القانونية للتأثير في عمليات اتخاذ القرار السياسي.

الكتاب
ألم يصدر ما يكفي من الكتب والمقالات والأبحاث عن مأساة العراق التي رافقت سقوطه تحت الاحتلال الأميركي.. هذا الاحتلال وما سبقه من عقوبات وحصار اقتصادي ثم الغزو الذي تسبب في قتل نحو 1.5 مليون روح بشرية من أبناء ذلك البلد المنكوب، إضافة إلى نحو خمسة ملايين نازح ومهجر، وخسائر مادية لن تعوض، لذا فإن القول: لقد صدر ما يكفي، غير مسوغ وغير مقبول.

- الكتاب: جعل العالم آمنا للرأسمالية.. كيف شكل العراق تهديدًا للإمبراطورية الاقتصادية للولايات المتحدة ووجب تدميره
- المؤلف: كرستفر دُران
- عدد الصفحات: 288
- الناشر: بلوتو برس، لندن
- الطبعة: الأولى 2012

مقاربة المؤلف لأسباب احتلال الولايات المتحدة للعراق، جديدة لم يسبق أن تم التعامل معها من منظور اقتصادي بحت مرتبط بمفهوم النيوليبرالية الجديدة الاقتصادي، الذي طبق للمرة الأولى في تشيلي إبان حكم الجنرالات، ومن ثم طبقته تاتشر في بريطانيا ورافق ذلك تطبيقه في الولايات المتحدة في عهد الرئيس ريغان.

النيوليبرالية الاقتصادية -يقول المؤلف- جاءت ردة فعل متضخمة، على مختلف الحركات الاحتجاجية المعادية لحرب فيتنام، والمدافعة عن حقوق "المستهلك"، والمطالِبة بنظافة البيئة، والتي أدت -ضمن أمور أخرى- إلى تقليص نفوذ الشركات والحد من هيمنتها، حيث مررت المؤسسات التشريعية الأميركية خلال أربع سنوات (1969-1972) العديد من القوانين والتشريعات المؤثرة، ومنها على سبيل المثال أربعة قوانين متعلقة بالبيئة، وآخر لإصلاح النظام الضريبي، وأخرى لتأمين صحة العمالة، وغيرها من ا لقوانين، مما خفض من حصة "1%" الأكثر غنى في مجمل الثروة الوطنية (وهي النسبة التي تشير إليها حركات الاحتجاج المعروفة باسم "احتلوا وول ستريت" الذي تقع فيه بورصة نيويورك).

ففي عام 1967 أظهر استطلاع للرأي في الولايات المتحدة أن 55% من الشعب الأميركي يثق ثقة عالية بالشركات الكبرى، بينما انخفضت هذه النسبة إلى 16% عام 1988، مما استدعى قيام كبرى الشركات الأميركية بإعادة "صياغة" الرأي العام الأميركي لصالح الرأسمالية النيوليبرالية.

وقد أدى تطبيق السياسات النيوليبرالية في الولايات المتحدة إلى إعادة توزيع الثروة لصالح القلة القليلة، فبعد "الصفقة الجديدة" التي وُقِّعَت في عشرينيات القرن الماضي، كانت حصة "1%" من المجتمع تقارب 16% من مجمل الدخل القومي، ثم انخفضت إلى 8% في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وبقيت كذلك حتى تطبيق السياسة النيوليبرالية حيث ارتفعت حصته عام 2004 إلى 40%.

أما الاقتصاد النيوليبرالي فهو -وفق مؤسسيْه النمساوي فريدريش هايك والأميركي مِلتن فريدمان- يفرض على الحكومات:
- إزالة كافة التشريعات والمعوقات التي تقف في وجه مراكمة الأرباح.
- بيع كافة المؤسسات التي يمكن للشركات إدارتها بطريقة تحقق أرباحًا.
- تخفيض الإنفاق تخفيضًا دراماتيكيًا على المصاريف ذات الطابع الاجتماعي.

هذا كله يعني -وفق المؤلف- خصخصة الكيانات الاجتماعية، وبالتالي إطلاق يد الشركات لإدارة المجتمع.

وما يضفي أهمية إضافية للمؤلف، أنه يربط مسألة غزو العراق ومن ثم احتلاله بالسياسة الاقتصادية النيوليبرالية للولايات المتحدة، وبالتحولات الاقتصادية التي فرضتها على العديد من الدول العربية، ومنها على سبيل المثال المغرب والأردن وعُمان والبحرين، ومن ثم على مصر إبان عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، وأخيرًا -وليس آخرًا- على العراق نفسه، والتي أدت -ضمن أمور أخرى- إلى اندلاع الانتفاضات الشعبية في تلك الدول.

سبب غزو العراق المباشر أنه قرر وقف التعامل بالدولار واستبدل به اليورو، مما شكل خطرًا حقيقيًا على الموقع الريادي للعملة الأميركية

البنية والمحتوى
قارب المؤلف الموضوع في ثلاثين فصلاً وزعها على ثمانية أقسام هي:
-  فهم أسباب غزو العراق واحتلاله.
-  احتمالات تهديد العراق لموقع السعودية، الدولة التابعة.
-  هيمنة الدولار، السيطرة على الدولار تعني السيطرة على العراق.
-  خسارة المنافسة: إقصاء الولايات المتحدة عن سوق النفط العراقي وغيره في مرحلة ما بعد رفع العقوبات.
-  تغيير النظام، فرصة لخلق دولة جديدة تمامًا ذات نظام اقتصادي قائم على الاقتصاد الحر النيوليبرالي.
-  توسع الإمبراطورية: منطقة تجارة حرة نيوليبرالية في الشرق الأوسط.
-  زرع بذور الديمقراطية: تحليل طوري للقطاع الزراعي العراقي.
- خلاصة: العراق واستيلاء الشركات على الدولة الديمقراطية.

أما سبب غزو العراق المباشر، فمرده وفق المؤلف- أن الأخير قرر وقف التعامل بالدولار واستبدل به اليورو، مما شكل خطرًا حقيقيًا على الموقع الريادي للعملة الأميركية، آخذين في الاعتبار أن الحكومة العراقية قررت منع الشركات الأميركية من المشاركة في إعادة بناء العراق وقطاع النفط تحديدًا، في مرحلة ما بعد رفع العقوبات.

هذا وجب النظر إليه بالارتباط مع حقيقة أن العراق يمتلك ثاني أكبر مخزون نفط في العالم، وأنه سيكون في العام 2017 قادرًا على إنتاج نحو 12 مليون برميل نفط يوميًا، مما يهدد الموقع السيادي للسعودية في هذا المجال، التي يطلق المؤلف عليها صفة "الدولة التابعة"، ويهدد بالتالي هيمنة الولايات المتحدة.

وتأكيدًا لرؤيته، يعدد المؤلف مجمل اتفاقات التجارة الحرة التي وقعتها الولايات المتحدة مع عدد من الدول العربية ضمن مشروع منطقة التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط والذي أعلنه جورج بوش الابن يوم 9 مايو/أيار 2003 بالتزامن مع غزو بلاده العراق، والذي ضم كلا من الجزائر والبحرين وقبرص ومصر ومناطق السلطة الوطنية (في الضفة والقطاع) والعراق وإسرائيل والأردن ولبنان وليبيا والمغرب وعمان وقطر والسعودية وسوريا وتونس والإمارات العربية المتحدة واليمن.

مجمل اتفاقات التجارة الحرة التي وقعتها الولايات المتحدة مع عدد من الدول العربية، الهدف منها ربط اقتصادات تلك الدول بالسوق الأميركي وفتحها على نحو كامل أمام المنتجات الأميركية

والهدف من ذلك ربط اقتصادات تلك الدول بالسوق الأميركي وفتحها على نحو كامل أمام المنتجات الأميركية. والمؤلف يرى أن هذه الاتفاقات هي التي أدت إلى الإفقار المتزايد لشعوب المنطقة واندلاع الانتفاضات في العديد منها.

لكنه يشدد على نقطة أخرى إضافية ألا وهي ربط اتفاقيات التجارة الحرة مع مصر والأردن بما يعرف باسم "المناطق الصناعية المؤهلة/ الكويز" التي تشترط حريةُ تصدير منتجاتها إلى الولايات المتحدة دون أي ضرائب (أي معاملة تفضيلية) أن يحدَّد مقدار إسرائيلي في مكوناتها، وهو في نهاية المطاف دعم للاقتصاد الإسرائيلي.

النتيجة
لخص المؤلف أهداف غزو الولايات المتحدة للعراق بما يلي:
1- إزالة أي تهديد عراقي (ما بعد رفع العقوبات) لاستقرار السعودية وتمويلها للاقتصاد الأميركي عبر البترودولار، ومنع المساس بجهوزيتها للاستمرار في خدمة مصالح الولايات المتحدة بصفتها المصدر الأول للنفط.
2- رفع المنع العراقي عن مشاركة الشركات الأميركية في تطوير صناعة النفط العراقية بعد رفع العقوبات.
3- إنهاء سياسة استبدال اليورو بالدولار التي أقرتها الحكومة العراقية بعد الحرب، وإعادة الاعتبار للعملة الأميركية بصفتها الوحيدة المتداولة عالميًا.
4- اغتنام فرصة خلق دولة سوق حرة نيوليبرالية تابعة تبعية كاملة للولايات المتحدة.
5- اغتنام الفرصة لتغلغل الرأسمال الأميركي في سوق دول الشرق الأوسط عبر ما عرف باسم "منطقة التجارة الحرة بن الولايات المتحدة والشرق الأوسط" عام 2013.

وهذا تحديدًا ما دعا المؤلف إلى افتتاح كتابه باقتباسين: أولهما للرئيس الأميركي ودرو ولسن أدلى به في أبريل/نيسان 1917 لتسويغ دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، حيث قال إن "الهدف هو جعل العالم أكثر أمانًا للديمقراطية. والثاني لجورج بوش الابن الذي قال إنه قرر غزو العراق لإحلال الديمقراطية فيه. المؤلف يقول إن الرئيسين كليهما كذبا عن قصد، لأن هدف الحربين كان جعل العالم أكثر أمانًا للرأسمالية.

المؤلف يرى أن أهداف الغزو الأميركي للعراق قد تحققت وأنه لم يكن فاشلاً، رغم اضطرار واشنطن لسحب قواتها منه، إذ يرى أن الإدارة الأميركية نجحت في فرض نمط اقتصادي محدد على العراق إبان فترة حكم بريمر بما يمنع استقلاله اقتصاديًا، أيًا كانت الجهة الحاكمة في بغداد.

ومن وجهة نظره، ومع أن الإدارة الأميركية لم تتمكن من فرض خصخصة القطاع النفطي العراقي بسبب المقاومة الشعبية لهذا الأمر، فقد تغلغلت في القطاع الزراعي مما جعلها متحكمة فيه على نحو كامل، واعتماده كليًا على التقنية الأميركية للزراعة والحصاد والري. كما يرى أن الغزو الأميركي للعراق واحتلاله حقق نجاحًا كبيرًا ومهمًا للقوة الغازية في قطاع الماء حيث فرضت خصخصته.

وضع الدولة العراقية المهتز على نحو كامل، وانقسام المجتمع العراقي, واستمرار الصدام المسلح فيه، كل ذلك يضمن للولايات المتحدة عدم نمو العراق من جديد ليشكل أي تهديد لهيمنتها على المنطقة وعلى سوق النفط العالمي

من ناحية أخرى، فإن وضع الدولة العراقية المهتز على نحو كامل، وانقسام المجتمع العراقي وتشظيه إلى قبائل وعشائر ومذاهب وفئات وإثنيات وقوميات، واستمرار الصدام المسلح فيه، كل ذلك يضمن للولايات المتحدة عدم نمو العراق من جديد ليشكل أي تهديد لهيمنتها على المنطقة وعلى سوق النفط العالمي.

نجاح الغزو في تحقيق أهدافه لم يكن مطلقًا من منظور المؤلف، لأن الولايات المتحدة لم تتمكن من فرض خصخصة الاقتصاد العراقي، لكن احتلالها للدولة العربية فتح أمامها المجال لدخول الأسواق العربية التي كانت مغلقة قبل الغزو.

يكتسب هذا الكتاب الذي تمنينا لو أنه صدر قبل اندلاع الانتفاضات العربية، أهمية خاصة في هذا الوقت تحديدًا، بسبب ربطه الموثَّق بين السياسة والاقتصاد.. إنه يظهر الأسباب الحقيقية لاندلاع الانتفاضات والاحتجاجات في العديد من البلاد العربية، كما يوضح في الوقت نفسه مآل هذه الانتفاضات في الدول التي تم فيها "الشعب يريد إسقاط النظام".

إنه يبين على نحو تفصيلي أخطار السياسات الاقتصادية النيوليبرالية، وما إذا كانت الحكومات الجديدة -حيثما حلت- ستغير من سياساتها الاقتصادية -وبالتالي السياسية- على نحو كامل، أو أن التغيير سيحصر في القشرة فحسب، وتبقى أسباب إفقار الجماهير وحرمانها من أسس مقومات حياة كريمة دون مساس بها، لأن من يطبقها "انتخب انتخابًا ديمقراطيًا".

المصدر : الجزيرة

التعليقات