عرض/ بوعلام رمضاني

سحب البروفيسور المعرب ماتيو قيدار البساط من تحت أقدام كل المحللين الذين "تخصصوا" مؤخرا في الثورات العربية بتأليفه كتاب "الربيع الإسلامي.. ديمقراطية وشريعة" الذي أبدع فيه بيداغوجيا ومنهجيا وموضوعيا. واعتمد قيدار لتجسيد ذلك على مقاربة شاملة ومتوازنة فكريا وغير مهادنة حيال الذين هللوا للربيع العربي باعتباره "عهدا عربيا غير مسبوق" وضع حدا لدكتاتوريات قمعية ومقيتة وانتهجوا الترهيب حيال الإسلاميين الذين وصلوا إلى الحكم ديمقراطيا.

الكتاب : الربيع الإسلامي.. ديمقراطية وشريعة
المؤلف: ماتيو قيدار
الناشر: إليبس
عدد الصفحات: 223 صفحة
الطبعة : الأولى، عام 2012

ويرى البروفيسور قيدار أن المعرفة هي البوابة الوحيدة التي تدخل المشككين في تطور فكر الإسلاميين عهد التعامل معهم بتجرد من خلال اكتشاف الهوية الحقيقية "للأعداء المفترضين". 

وسعى المؤلف بشكل بيداغوجي إلى الكشف عن بانوراما كل البلدان العربية التي أصبح فيها الوجود الإسلامي واقعا سياسيا غير متجانس عقائديا وسياسيا كما يعتقد في الغرب، وبهذا التصور يكون قيدار قد قدم دراسة غير مسبوقة زاوجت بين المعرفة الدينية والسياق الديمقراطي للربيع الإسلامي من أجل استيعاب رهانات الحاضر وتحديات المستقبل.

مؤلف الكتاب قيدار بروفيسور متخصص في العالم العربي والإسلامي، وقام بالتدريس في المدرسة العسكرية لسان سير الشهيرة وفي جامعة جنيف قبل تعيينه بروفيسورا للفكر الإسلامي في جامعة تولوز 2، ومن بين الكتب العشرين التي ألفها نذكر كتابه "صدمة الثورات العربية" الذي صدر عن دار أوترامان العام الماضي.

الإسلام السياسي والديمقراطية
بعد أن طبق ما أسماه "بالذكاء الثقافي" على الربيع العربي بدعوة الغربيين إلى عدم إسقاط ثقافتهم الأيديولوجية على العرب والمسلمين، استهل قيدار مشواره البيداغوجي بفصل "الديمقراطية المسلمة" الذي ضمنه حقائق تحول الإسلاميين إلى قوة سياسية في كل البلدان العربية إثر ثورات غير مسبوقة وانتخابات ديمقراطية، الأمر الذي لا يعني أن الثورة الثقافية بمعناها السياسي قد تحققت ما دامت الذهنيات والبنى الأنثروبولوجية والقيم القبلية ما زالت قائمة.

الربيع الإسلامي أو الإسلام السياسي لا يتناقض مع الديمقراطية تماما كما هو الحال عند مسيحيي الغرب حسب المنصف المرزوقي الذي استشهد به المؤلف باعتباره مسلما ديمقراطيا ورئيس أول دولة عربية فاز فيها حزب النهضة الإسلامي بأغلبية برلمانية، والديمقراطية لا يمكن تطبيقها في العالم العربي والإسلامي من منظور المرجعية الأوروبية والفرنسية بوجه خاص لاعتبارات تاريخية فريدة في العالم، الأمر الذي يفسر التوجس الغربي من الربيع الإسلامي والاستغراب العربي من "الدكتاتورية الثقافية الغربية".

حكم الله والشعب
تحققت الديمقراطية المسلمة وليس الإسلامية، حسب تعبير قيدار، استنادا لارتباط الصيغة الأولى بالفرد وليس بالدين فقط بعد "اقتناع الإسلاميين بأن الإرادة الإلهية لا تتناقض مع الإرادة الشعبية"، واتخذت الإشكالية بعدا غير مسبوق في الجدل الفكري والفقهي إثر تكاتف الشارع والمثقفين والفقهاء من أجل استيضاح الأمر ورفع اللبس ومحاصرة القوى الدينية السلفية التكفيرية والجهادية التي ترى في التوفيق بين الإسلام والديمقراطية خروجا عن الشرع الإسلامي الصحيح.

الربيع العربي الذي تحول إلى ربيع إسلامي أدى إلى ولادة ما أسماه المؤلف بـ"فقه التحرير الجديد" في البلدان العربية التي قامت بثورات ضد القامع أو المستعمر المحلي وليس الأجنبي

ولا أدل على ذلك رفضها لكل اجتهادات العلماء المسلمين المنضوين تحت لواء اتحاد العلماء المسلمين ورابطة العلماء المسلمين اللذين توقف عندهما المؤلف لارتباطهما بالصراع القائم حول الزعامة الفقهية في العالم العربي والإسلامي بواسطة شيوخ مرموقين من أمثال يوسف القرضاوي وأمين الحاج السوداني، وبرز الأول على رأس الاتحاد الذي يقوده الإخوان المسلمون في قطر، حسب قول المؤلف، والثاني على رأس الرابطة التي أسست عام 2010 تحت إشراف السعودية كرد فعل على السبق القطري عام 2004.

الربيع العربي الذي تحول إلى ربيع إسلامي أدى إلى ولادة ما أسماه المؤلف بـ"فقه التحرير الجديد" في البلدان العربية التي قامت بثورات ضد القامع أو المستعمر المحلي وليس الأجنبي متجاوزة مواقف ابن تيمية والأشعري الرافضين للثورة ضد الحاكم المستبد خشية الفوضى والفتنة، ومطبقة دعوات الحنفيين والحنابلة والخوارج إلى مناهضة الحكام الطغاة.

الربيع الإسلامي والغرب
أكد قيدار أن الربيع الإسلامي أصبح أمرا واقعا بعد تقاطع المصلحة الأميركية في المنطقة العربية والإسلامية مع حقيقة محاربة التيارات السلفية الجهادية والتكفيرية المناهضة لكل أشكال التوفيق بين المدنية الغربية والإسلام كما فعل الإخوان المسلمون في البلدان التي أزاحت بعض الحكام الطغاة بمشاركة قوى شعبية ليست بالضرورة متدينة لكنها وجدت مصلحتها في تحالف منطقي يفرض محاربة الحاكم المستبد الواحد والمشترك.

الربيع العربي تحول إلى ربيع إسلامي -وليس إلى خريف كما يرى معظم المحللين الغربيين ومن بينهم كيبال وروا ومجلة أفريك أزي التي تقف وراءها الجزائر- لأن الإخوان المسلمين دفعوا ثمن القمع في كل البلدان العربية بتواطؤ من القوى النخبوية المنسلخة عن الشعب والمفصولة عن قيمه وتاريخه لأنها لم تكن في مستوى قوتهم التعبوية ووزنهم الاجتماعي والسياسي وتنظيمهم الدقيق.

الخطر الأصغر أو الأقل سوءا الذي أصبح يتهدد الأنظمة العربية القمعية من خلال الإخوان المسلمين دفع بها إلى قبول اللعبة الديمقراطية عنوة ظاهريا بعد تصدرهم نتائج الانتخابات الحرة والأولى من نوعها في العالم العربي والإسلامي والمنسجمة مع مصلحة الأميركيين والغربيين بوجه عام والإسلاميين الذين تقاطعوا حول هدف قطع الطريق على السلفيين الجهاديين المؤمنين بالعنف فقط لفرض الشريعة الإسلامية النقية وغير الملطخة بوباء الديمقراطية الدخيلة على الإسلام في تقديرهم.

وإذا كان الإسلام السياسي الراديكالي قد فشل في تحقيق أهداف إستراتيجية تغيير الأنظمة العربية القمعية بالقوة بعد عشريتين من الحرب الشرسة, فإن الإسلام السياسي المدني قد حقق انتصاره التكتيكي على أنقاض فشل الراديكالي، ومهّد الأرضية لقبوله شعبيا ورسميا في ظل استمرار الحرب ضده على أيدي الأطياف العلمانية والليبرالية واليسارية والقومية التي لم تستطع الوقوف في وجه "تسونامي" الربيع الإسلامي المعتدل.

أسباب النجاح الإسلامي
خلافا للمحللين الغربيين الأشهر منه إعلاميا، أنصف قيدار الإسلاميين بمقارنة موضوعية تعبر عن معالجة علمية محايدة وغير أيديولوجية، قائلا إن نجاح الإسلاميين لا يعود أساسا إلى وعيهم بقواعد اللعبة الديمقراطية ولموقفهم التصالحي وتوسيع رقعة التحالف من خارج صفهم، وإلى دقة تنظيمهم -النهضة والحرية والعدالة- ونضالهم الميداني في الوقت الذي كان فيه خصومهم يتعاركون حول القوائم الانتخابية.

المعطيات السياسية الموضوعية المفسرة لقوة ونجاح الإسلاميين حاضرة في كل البلدان العربية، والسيناريو الذي حدث في تونس ومصر والمغرب يمكن أن يتكرر في بلدان عربية أخرى

عامل الوقت لم يكن بالضرورة في صالح الإسلاميين -أضاف قيدار- حيث اكتفوا بوقت أقل من الذي كان في متناول الخصوم، كما أن الدعم المالي والسياسي والإعلامي الذي جاءهم من السعودية وقطر هو نفسه الدعم الذي خص به الملياردير نجيب سواريس رئيس الكتلة المصرية شباب الثورة في مصر.

واستعمال الإسلاميين للمساجد ليس مبررا موضوعيا لتفسير نجاح الإسلاميين بغض النظر عن تفاوت تأثير هذا العامل أو ذاك من بلد لآخر، ذلك أن المعطيات السياسية الموضوعية المفسرة لقوة ونجاح الإسلاميين حاضرة في كل البلدان العربية، والسيناريو الذي حدث في تونس ومصر والمغرب يمكن أن يتكرر في بلدان عربية أخرى مثل الجزائر، التي توقع الكاتب فوز الإسلاميين (لم يتحقق هذا التوقع) فيها لحظة تأليفه الكتاب أسوة بمعظم المحللين الغربيين، وعاد الكاتب منهجيا إلى البلد المغاربي الذي شذ عن قاعدة الربيع الإسلامي في الفصل ما قبل الأخير الذي كان عبارة عن حالة وصف وجرد وتحليل للقوى الإسلامية.

الجزائر كحالة شاذة
انطلق الكاتب اعتمادا على الأبجدية الفرنسية من الإسلاميين الجزائريين الذين قال عنهم إنهم القوة الحقيقية المعارضة الأولى من منطلق تمثيلهم البديل الموضوعي والحقيقي لنظام فاسد على كافة الأصعدة مثله مثل الأنظمة العربية.

وفسر تأخر الثورة بالتشكيك في حقيقة الجماعات المسلحة والغموض الذي يلفها نتيجة سياسة الاستئصال العسكرية وخشية الشعب حرب إخوة ثانية تأتي على اليابس والأخضر مجددا، الأمر الذي لا يعني أن توابل الثورة غير قائمة، كالرشوة والبطالة والغلاء المعيشي والانسداد السياسي والإصلاحات الشكلية. وحسب قيدار، لا يمكن للنظام أن يستمر بهذا الشكل، وعوض اللعب على شراء ذمم الشعب والإسلاميين و"المعارضين" الموالين، والرهان على تشتتهم وانتهازيتهم، يجدر بالجزائر كما يعتقد معظم المحللين أن تجرب الإسلاميين تمثيلا لعذرية وقطيعة سياسيتين غير مسبوقتين بعد أن فشلت مدة نصف قرن في تطبيق الاشتراكية والليبرالية المتوحشة كما فشلت الأنظمة العربية الأخرى بشعارات حداثية أخرى، وإرادة التغيير، التي أبدتها السلطة مؤخرا في مطلع العام الجاري وأيدها تحالف إسلامي تحت اسم "مبادرة التحالف الانتخابي"، لم تكن صادقة وفعالة في غياب الوجهين الإسلاميين الرئيسين عبد الله جاب الله وعبد المجيد مناصرة.

الإسلاميون أو التغيير
الإسلاميون يمثلون التغيير الحقيقي في الخريطة السياسية العربية، والربيع العربي صادق على أيديولوجيتهم ودفعهم إلى تغيير منهج عملهم بتحديد الأولويات والأهداف ضمن منظور إستراتيجي، وحاضرهم اليوم سابقة في تاريخ الإسلام السياسي، على حد تعبير الكاتب ماتيو قيدار.

وقبل ظفرهم بالسلطة سلميا وديمقراطيا، سبق لهم أن دخلوا البرلمانات في الأردن والبحرين والكويت ولبنان والجزائر والمغرب واليمن والسودان والأراضي الفلسطينية ومصر (مستقلون)، ويرى المؤلف أن التغيير في السعودية بصدد الحدوث من خلال السلفيين الجدد الذين انتهجوا ما أسماه بـ"البراغماتية الديمقراطية والإصلاحية" (الشيخ العودة) في مواجهة واضحة مع السلفيين التقليديين والجهاديين، والسعودية هي البلد المرشح لعلاقات وثيقة ومصيرية مع ليبيا التي تسيطر عليها القوى الإسلامية السلفية والمحافظة أيضا.

وعن الإسلاميين الآخرين، قال المؤلف إن سلفيي مصر يترقبون فشل الإخوان المسلمين بوصفهم منافسين لا يستهان بهم، وفي العراق يزداد حجم الحركات الإسلامية المتنوعة والقبلية منذ سقوط نظام صدام حسين والغزو الأميركي، في حين يتعاظم دور وضغط الإسلاميين في الأردن على السلطة التي أصبحت رهينة في أيديهم، على حد تعبيره.

الإسلاميون يمثلون التغيير الحقيقي في الخريطة السياسية العربية, والربيع العربي صادق على أيديولوجيتهم ودفعهم إلى تغيير منهج عملهم بتحديد الأولويات والأهداف

في "الكويت شبه الديمقراطية"، أكد الكاتب أن الإسلاميين المحافظين عادوا بقوة في الانتخابات الأخيرة بعد تراجعهم عام 2009، والمعارضة تسيطر على البرلمان (تم حل مجلس الأمة الكويتي).

أما في لبنان فالوضع مختلف جذريا بسبب تقدم العامل المذهبي والسياسي على الديني الإسلامي كما تبين ذلك المواقف المتباينة من الأزمة السورية. الشيء نفسه ينسحب على الوضع في سوريا بسبب المعطى المذكور والبديل المنتظر ويتمثل في الإخوان المسلمين الذين يشكلون نصف المجلس الوطني المعارض. السودان حالة خاصة مثل الكويت لكن من منظور اعتباره البلد الإسلامي الذي يطبق الشريعة منذ الثمانينيات ويحاول الانفتاح تحت ضغط الربيع العربي والحرب الجهوية.

ولتبرير عنوان كتابه الهام جدا، الذي لم يشمل قطر والإمارات وسلطنة عمان والذي يجب أن يترجم إلى لغة المعنيين الأوائل، أنهى المؤلف رحلته عبر الربيع الإسلامي بفصل أخير ضمنه تعريفا بالشريعة الإسلامية بأسلوب تعليمي لفرنسيين يجهلون الإسلام ويكتفون بتأويله الأيديولوجي من منظورهم الثقافي. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك