عرض / زياد منى

إذا تحدثنا عن المؤلف فهو من مواليد عام 1958 ومحرر مسؤول عن الصفحة الرياضية في صحيفة سود دويتشه تسايتُنغ الألمانية الشهيرة التي يقع مقرها بمدينة ميونيخ بولاية بافاريا التي تخضع لحكم "الاتحاد المسيحي الاجتماعي" الكاثوليكي المحافظ منذ ولادة جمهورية ألمانيا الاتحادية في عام 1949.

-الكتاب: مافيا الفيفا.. الصفقات القذرة في لعبة كرة القدم العالمية
-المؤلف: توماس كِستنَر
--عدد الصفحات: 432
الناشر: درُمَر – ميونيخ، ألمانيا
-الطبعة: الأولى 2012

انتخبه الجمهور المهتم بالرياضة في ألمانيا "صحفي الرياضة السنوي" عام 2006. يحظى بسمعة عالمية طيبة كونه أحد أهم صحافيي البحث الاستقصائي في مجال الرياضة والجريمة المنظمة في هذا الحقل، إضافة إلى الجرائم المرتبطة باستخدام المنشطات في الرياضة.

أما الصحيفة فهي يومية مشهورة بأنها أكثر جرائد ألمانيا توزيعًا (حوالي نصف مليون نسخة تصل إلى أكثر من مليون قارئ)، وفيها يعمل بعض أهم صحافيي ألمانيا الاستقصائيين المشهورين بكشفهم العديد من الفضائح الكبرى التي هزت البلاد في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، ومنها على سبيل المثال فضيحة تمويل الأحزاب غير القانوني، وتمويل الاتحاد المسيحي الديمقراطي غير القانوني في نهاية التسعينيات، وتهريب البلوتونيوم الروسي إلى ألمانيا بالتعاون مع وكالة الاستخبارات الألمانية في عام 1994، وفضيحة الرشى في صفقات الأسلحة في ألمانيا، وفضيحة منح سمات الدخول إلى ألمانيا في عام 2005، وأخيرًا وليس آخرًا فضائح فساد في مجلس إدارة شركة فولكس فاغن للسيارات.

الصحيفة بدأت منذ عام 2004 تنشر أسبوعيا 8 صفحات من نيويورك تايمز إنترناشيونال ويكلي، وتضم مقالات مختارة باللغة الإنجليزية (الأميركية) من صحيفة نيويورك تايمز. وتشتهر الصحيفة بنشرها عامودا يوميا في الصفحة الأولى يضم 72 كلمة عنوانه "شترايفلِشت (نور كشاف) يكتبه مجهول.

هذه المقدمة مهمة كي يعرف القارئ طبيعة الكتاب وما وصل إليه المؤلف من استنتاجات واتهامات جدية، لكنها مستندة على نحو رئيسي إلى براهين ظرفية وليس إلى وثائق، رغم توفر بعضها في بعض الصحف الأوروبية إضافة إلى بيانات صادرة عن الشرطة الدولية (إنتربول) أشار إليها المؤلف.

الكتاب
ثمة أساطير كثيرة مرتبطة بالرياضة أشهرها مقولة: العقل السليم في الجسم السليم. كثيرا ما تربط هذه المقولة الشهيرة بالرياضة، وأصلها باللاتينية (anima sana in corpore sano) التي استخدمها الشاعر اللاتيني جوفينال من باب السخرية بالمصلِّين حيث دعاهم إلى استجداء عقل صحي في جسم صحي. أصل المقولة يعود للفيلسوف الآسيوي طاليس (القرن السابع ق.م)، ذي الأصول "الفينيقية" الذي يعد نفسه من أحفاد أمير صور قدمس.

المقولة الأصلية تعني "عقلا صحيحا في جسد صحي"، صادرتها شركة تصنع أجهزة وأدوات رياضية اسمها "ASICS"، أخذتها من الأصل اللاتيني، وهذا ما يقودنا إلى موضوع هذا الكتاب، الثري بالمعلومات المستندة إلى التحليلات والاستنتاجات الظرفية، والقليل من الوثائق، لكن من دون أن نقلل من أهمية كثير مما ورد فيه.

الأسطورة تقول إن الرياضة عمل بريء، والألمان يقولون: "الرياضة أجمل أمر ثانوي في الحياة"، وهذه كلها أقوال تحاول الحفاظ على ما تبقى من مبادئ جميلة في عالمنا هذا الذي لا يقيم وزنًا لأي أمر سوى لمردوده المادي.

وهناك مقولة أخرى لحكيم غير معروف تقول: إن 1% من البشر أمناء لدرجة أنهم لن يستولوا على ممتلكات الغير، أيًا كانت الظروف ومهما ساعدتهم الأحوال. وهناك 1% من البشر لصوص سيحالون السطو على ممتلكات الغير، أيًا كانت الصعاب التي ستواجههم. الـ98% المتبقية ستبقى أمينة، فقط إن كان الطريق إلى السطو على ممتلكات الغير مسدودًا. وهذا يمكن أن يكون قفل باب المنزل، أو قوانين صارمة لا تسهل من عمل من يسطو على مال الغير بطرق "مشروعة" بسبب ضبابية الأخيرة ذوات العلاقة أو غيابها، وغياب الرقابة.

الفيفا مؤسسة دولية غير تابعة إلا للجان الداخلية الخاصة بها، والقوانين السويسرية لا تكترث كثيرًا بالحياة الداخلية لمثل هذه المؤسسات

الفيفا، أي "الاتحاد الدولي لكرة القدم" الذي يدير لعبة كرة القدم على المستوى العالمي، مقره في مدينة زيوريخ السويسرية، ومصارف الأخيرة وقوانينها ذوات العلاقة -وفق كثير من الناس والخبراء- تعد "جنة" لجذب الأموال، أيا كان مصدرها وأسلوب الحصول عليها. السبب الرئيسي لكونها تجذب الأموال للمصارف أن قوانينها لا تتدخل في أصولها، وفي الوقت نفسه فإنها لا تتدخل كثيرًا في عمل المؤسسات. والفيفا مؤسسة دولية غير تابعة إلا للجان الداخلية الخاصة بها، والقوانين السويسرية لا تكترث كثيرًا بالحياة الداخلية لمثل هذه مؤسسات.

المقصود هنا، ودومًا وفق المؤلِّف، وصياغتي الشخصية، أن مغلاق الباب غير محكم حيث يسمح لمن يرغب في دخول منزل الغير والسطو على ممتلكاته بعمل ذلك بقليل من الجهد.

المؤلِّف، وهو، كما قلنا آنفًا، شخصية محترمة في الوسط الرياضي العالمي من منظور اهتمامه بمتابعة كل ما يمكن أن يؤثر في سمعة الرياضة، سواء في بلاده، ألمانيا، أو في غيرها، وقد ساعد في كشف بعض الفضائح من العيار الثقيل (من كان مهتمًا بتسريب المعلومات عنها!! ليس ثمة من أمر بريء، لنتذكر هذا).

عندما انتخب السويسري (الألماني) بلاتر (جُزِبِّ، يُزِف)، المعروف باسم سِب بلاتر، رئيسًا للفيفا في عام 1998، كان الاتحاد يمر بفضائح مدوية أدت إلى رحيل الرئيس البرازيلي الأسبق جان ماري هافيلانج (جواو هافيلانج). لكن انتخاب الرئيس الجديد لم يخل من اتهامات واتهامات مضادة، وما إلى ذلك من الأمور المعروفة عندما يحتدم الصراع على موقع بهذه المكانة العالمية، وليس فقط مرة واحدة كل أربع سنين.

الكتاب يحوي كثيرا من المعلومات عن تاريخ هذه المؤسسة الأممية وتطورها وقياداتها المؤسِّسة والسابقة، إضافة إلى تطوير المنافسات الدولية وكيفية إدارتها، مع الإشارة المستمرة إلى العديد من الفضائح اعتمادًا على تقارير صحفية أو على تحقيقات أمرت بها حكومات في أوروبا وغيرها.

فساد الفيفا
لسنا معنيين في هذه القراءة بذكر الفضائح حيث إن كثيرا منها معروف، لكن المؤلف استجلبها ضمن عرض متكامل رأى أنه يشير إلى فساد كبير في الفيفا، أيضًا ضمن (قيل) و(ظُن)، و(ادعي).. إلخ.

إضافة إلى الفضائح المرتبطة بإفلاس مؤسسة مرتبطة بالفيفا أو ببعض قياداتها، أو بتزوير نتائج لعبة ما أو الضغط على دولة ما كي تسمح لدولة أخرى "شقيقة" بالمشاركة في التصفيات النهائية، اهتم المؤلف بالتعرض إلى العلاقات الداخلية في الاتحاد وتعيين الموالين لشخص محدد، وهو يصب جم غضبه على سِب بلاتر حيث يكرر اسمه في المؤلف أكثر من ألف مرة.

كما أنه يشير إلى محاباة الأقارب في مسألة التعيينات وكذلك في منح حقوق محددة مرتبطة بالبطولة العالمية أو بالمروجين لها، ومن الأسماء المعرفة الكثيرة التي يوردها المؤلف شركة بوما وأديداس وكوكا كولا وغيرها الكثير الكثير.

ولإعطاء القارئ فكرة عن امتدادات أو حيثيات هذه البطولة العالمية، نذكر بورود أسماء ملوك ورؤساء في الكتاب، مرتبطة، بدرجة أو بأخرى، بتنظيم البطولات، ومنها على سبيل المثال لا الذكر، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهنري كيسنجر وملك المغرب الراحل الحسن الثاني والعقيد معمر القذافي رحمه الله وابنه الساعدي القذافي، والرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي، والجنرال أوفقير، والرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، والجنرال فيديلا رئيس الطغمة العسكرية السابقة في الأرجنيتن، وغيرهم.

إذا علمنا أن مردود هذه اللعبة عالميًا عادة ما يحسب بالمليارات، فمن الممكن تصور الإغواءات المادية المرتبطة بها. والمسألة هنا لا تنحصر فقط في تعيينات في مواقع أو بدل رحلات أو مكافآت، رغم أهميتها، عرض المؤلف كثيرا منها، بل تتعداها إلى الصعيد الوطني. فتنظيم بطولة كأس العالم، أو كما يسمى "المونديال"، مرتبط ببناء مدن رياضية كلفتها مليارات، وكذلك حقوق النقل التلفزيوني والأطعمة والمشروبات والألبسة الرياضية, والقائمة تطول وتطول وتطول.

الجزيرة وقطر لم تستثن من القوائم حيث تكرر اسم القناة ما يزيد عن مائة وخمسين مرة، إضافة إلى أسماء شخصيات عربية مختلفة يتقدمها القطري محمد بن همام الرئيس السابق للاتحاد الآسيوي لكرة القدم.

المؤلف انجر في بعض الأحيان وراء عواطف وطنية وربما أوروبية, كادعائه بأن منح كل من روسيا وقطر حق استضافة بطولتي عامي 2018 و2022 كان قرارا سياسيا

شواهد ظرفية
مع أن الكتاب يعتمد اعتمادًا شبه كلي على الشواهد الظرفية لتأكيد "ادعاءاته"، إلا أن كثيرا منها ذو مصداقية. ولأن الكتاب ليس ادعاء قضائيا وإنما تقص صحفي، تبقى مسألة مصداقيته لدى القارئ والمهتم بهذه اللعبة الجميلة، التي استحالت عملية تجارية محضة، تتقاذفها، في معظم الأحيان، التعبيرات الشوفينية والاستعراضات الشعبوية العصبية، ومسرحًا لكوارث إنسانية مؤلمة كما حصل أخيرًا في بورسعيد، ومن قبل في ليبيا ومن قبل في بلجيكا وأخيرًا في ألمانيا، وهنا أيضًا القائمة تطول.

كلمة أخيرة بخصوص الكتاب، الذي لا ننتقص من أهميته ولا من مصداقية الكاتب: في ظننا أن المؤلف انجر في بعض الأحيان وراء عواطف وطنية، وربما أوروبية. ومن ذلك -على سبيل المثال- الادعاء بأن منح كل من روسيا وقطر حق استضافة بطولتي عامي 2018 و2022 كان قرارًا سياسيًا.

مثل هذا الادعاء كان على المؤلف تعليله على نحو كامل، وهو ما لم يفعله. ثم إن قول المؤلف، عبر صفحات الكتاب، إن اللعبة العالمية تحولت إلى مشروع تجاري، فمن الطبيعي أن أسباب أي قرار هو في الدرجة الأولى اللهاث وراء الربح. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك