الجزيرة نت-خاص
يُعد كتاب التيارات السياسية في إيران للدكتور فاطمة الصمادي، والذي صدر حديثا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، من أهم المحاولات المعرفية لوضع القارئ العربي في صورة التجمعات السياسية الإيرانية ما بعد الثورة الإسلامية عام 1979، والتي تعبّر عن نفسها في شكل تيارات تتعدى التقسيم التقليدي المعروف بين الأصوليين والإصلاحيين، وتعكس التطورات والتحولات التي شهدها المجتمع  منذ ذلك الوقت.

-الكتاب: التيارات السياسية في إيران.. إشكاليات الاستقطاب الاجتماعي وتحولات الخطاب
-المؤلف: فاطمة الصمادي
-عدد الصفحات: 392
-الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة
الطبعة: الأولى 2012

ويتناول الكتاب بالاستناد إلى المنهجية الوصفية والتحليلية، العوامل التي تتدخل في تكوين التيارات السياسية والحركات الاجتماعية في إيران، ويأتي في مقدمة هذه العوامل مستوى التحول والعبور من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث، ومعدلات التحديث والتنمية الاقتصادية، وميزان دمقطرة المجتمع، الأمر الذي يؤثر بصورة واضحة في إيجاد وبناء مؤسسات الطبقات الدنيا وروابطها وجمعياتها.

وتستند الباحثة إلى نظريات لعالم الاجتماع والسياسة الإيراني حسين بشيرية الذي يرى أنه فيما يتعلق بالمجتمع الإيراني، فإن مجموعة من الفجوات التاريخية والإنشائية الهيكلية، صارت سببًا في تشكيل بنية القوى والتيارات الاجتماعية والسياسية المعقدة، ففي العهد البهلوي اتخذت هذه الفجوات الاجتماعية الطبقية شكلا جديدا، وساهم تشجيع رأي المال والتجارة والصناعة، في إيجاد تمايزات في البناء الرأسمالي، وبالتدريج أصبح كل من رأس المال الصناعي والتجاري والمالي متميزا عن الآخر.

تقسيم طبقي
وقامت سياسة النظام البهلوي بتقسيم المجتمع الإيراني إلى قسمين، ووضعت الطبقات والقوى التقليدية في مواجهة مع القوى الاجتماعية الجديدة، ليحدث الصدام بين قوى السوق التقليدية (بازار سنتي) ورجال الدين والعشائر من جهة، وبين القوى الاجتماعية الحديثة المدعومة من الشاه من جهة أخرى.

ولا تقتصر هذه الفجوات على الطبقات الاجتماعية، بل إنها تنسحب أيضا على الدين والدولة، وعلى المذاهب والطوائف، والأعراق والقوميات واللغة، وخصوصا في مجتمع يقّسم عرقيا ولغويا إلى ست مجموعات: الناطقون بالفارسية (50%)، الأذريون الترك (23%)، الأكراد (11%)، العرب (5%)، البلوش (3%)، التركمان (3%).

وهذه فواصل لا يمكن لأي دارس أن يتجاهلها عند دراسة ما شهدته إيران على مدى مراحل تاريخها المعاصر المتعدد، كما لا يمكن تجاهل الفجوة التي نشأت بين الثقافة والتمدن الإيراني والثقافة العربية الإسلامية.

النظرية السياسية الشيعية
ويتناول الكتاب بالتحليل النظرية السياسية الشيعية وما شكلته من أزمة بالنسبة لنظرية الحكم الملكي، ويبقى الجدل بين الملكية والإمارة والخلافة، قائما بصورة خفية ظاهرة. وظل الخلاف بين الخلفاء والعلماء، والفقهاء والسلاطين، مصدر فجوة سياسية فكرية مستمرة في التاريخ الإيراني الإسلامي. ومع بدء مرحلة التحديث في العهد البهلوي، اتسعت الفجوة بصورة غير مسبوقة بين رجال الدين بصفتهم الحارس للتقاليد الإسلامية، وبين الطبقة الحاكمة باعتبارها القائمة على التحديث السياسي والاجتماعي، الأمر الذي قاد أيضا إلى فجوة عميقة بين التوجه نحو الدين والتوجه نحو الدنيا.

أما من الناحية السياسية الثقافية، فالمواجهة قائمة على الدوام بين القوى الأصولية والتقليدية من جهة والقوى الإصلاحية من جهة أخرى، وهذه المواجهة أحد تجليات الفجوات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ركزت الباحثة على العقد الأول من عمر الثورة الإيرانية، لأنها أفرزت معطيات أثرت في تشكيل الحياة السياسة في الجمهورية الإسلامية

خريطة التيارات السياسية
والكتاب يرسم خريطة تفصيلية للتيارات السياسية الإيرانية، في ستة فصول، ففي الفصل الأول تناولت الباحثة العقد الأول من عمر الثورة الإيرانية، والصراعات والمواجهات التي شهدتها بين القوى الإسلامية المؤيدة للخميني وغيرها من القوى السياسية الماركسية والليبرالية والقومية، مع إجابة عن سؤال عن كيفية نشأة اليمين واليسار في إيران الإسلامية.

ويجري التركيز على هذه المرحلة لأنها أفرزت معطيات تؤثر في تشكيل الحياة السياسة في الجمهورية الإسلامية، ويتبع ذلك سرد تحليلي للخطاب السياسي السائد في إيران على مدى مراحل زمنية متعددة.

وفي الفصل الثاني، تقدم الباحثة صورة كلية تفصيلية للتيار الأصولي الإيراني: النشأة، والمبادئ، والمواقف والاتجاهات، وفي مقدمتها ولاية الفقيه ودور رجال الدين في الحياة السياسية والعلاقة بالغرب وأميركا. كما تقدم الباحثة عرضا لأهم الأحزاب والجمعيات التابعة لهذا التيار، والدور الذي قامت به، وتبين موضوعات الخلاف وحالات الانقسام التي شهدها.

أما الفصل الثالث، فتقدم الباحثة صورة كلية تفصيلية للتيار الإصلاحي: النشأة، وكيفية الانتقال من اليسار التقليدي إلى الحداثي، ثم التيار الإصلاحي وجبهة الثاني من خرداد (جبهة 23 يونيو/ حزيران) وترصد مواقفه على اختلاف مراحله التاريخية والتحولات التي طرأت عليها تجاه عدة قضايا، وفي مقدمها ولاية الفقيه والمشاركة السياسية والمجتمع المدني والعلاقة بأميركا، وتتناول أيضا دور حركة التنظير الفكري الإصلاحي وأثرها إيجابيا وسلبيا في العملية الإصلاحية ومستقبل التيار، والتركيز في هذا الجانب على "حلقة كيان" الفكرية، التي تجسد التيار الثوري الشبابي الذي دعا إلى التجديد بعد وفاة الخميني. كما يشتمل الباب على عرض لأهم الأحزاب والجمعيات التابعة لهذا التيار، والدور الذي قامت بعه، وتبين الدكتورة فاطمة الصمادي موضوعات الخلاف وحالات الانقسام التي شهدها التيار.

تسعى الباحثة إلى إثبات وجود تيار مستقل عن التيار الأصولي الإيراني، وهو التيار النجادي، وتعرض لنشأة هذا التيار وملامحه، من خلال التركيز على طريقة مجيء نجاد إلي الحكم وخلافه مع هاشمي رفسنجاني

ويتضمن الفصل الرابع محاولة تحليلية لـ "الحركة الخضراء" التي شهدتها إيران عقب الانتخابات الرئاسية العاشرة عام 2009 والتي جددت ولاية الرئيس محمود أحمدي نجاد، وتتطرق هذه المحاولة بداية إلى إشكالية التعريف، وعلاقتها بالدين، ومواقفها وعلاقتها بالنظام الإيراني. وتطرح الباحثة فرضية أن الحركة الخضراء ليست امتدادا للحركة الإصلاحية الإيرانية، وترصد اختلاف الخطاب بين الرئيس الأسبق محمد خاتمي وخطاب زعيم الحركة مير حسين موسوي من خلال تحليل محتويات البيانات التي صدرت عن الحركة الخضراء، والشعارات التي رفعتها والأسباب التي قادت إلى تراجعها.

كما ترصد قراءة تحليلية مضادة تفسر الحركة الخضراء في إطار المخطط الخارجي، لدعم "ثورة مخملية"، والقيام بـ "إسقاط ناعم" للنظام الإيراني.

أما الفصل الخامس فتسعى الباحثة إلى إثبات وجود تيار مستقل عن التيار الأصولي الإيراني، وهو التيار النجادي، وتعرض نشأة هذا التيار وملامحه، من خلال التركيز على طريقة مجيء نجاد إلي كرسي الرئاسة وخلافه مع هاشمي رفسنجاني وقضية العدالة الاجتماعية ومواجهة الفساد، والخطاب المهدوي، إذ يعتبر نجاد أن وظيفته تهيئة الأرضية لظهور "المهدي المنتظر".

ويبحث هذا الفصل أيضا في العداء بين نجاد ورجال الدين، وخلافه مع التيار الأصولي بشأن السياسة الاقتصادية والعلاقة بأميركا، وأسباب دعم حرس الثورة لنجاد، والتحول الذي طرأ على الخطاب النجادي، من خطاب إسلامي الصبغة إلى خطاب قومي.

وفي الفصل السادس والأخير، تقدم الباحثة خمسة استخلاصات, الأولى تفسر صعود الخميني وعلوه على كافة التيارات الإيرانية المعارضة لنظام بهلوي الأمر الذي ساهم في تحدي خصائص وشكل نظام الجمهورية الإسلامية.

ثانيا، إن التيار الأصولي هو وليد تيار اليمين الإيراني، ويلتزم هذا التيار ولاية الفقيه المطلقة ويؤمن بدور أكبر للدين في السياسة وبدور في حده الأدنى لتدخل الدولة في الاقتصاد، والتحول الذي شهده هذا التيار مع وفاة الخميني يكمن في الاستعداد للتحاور مع الولايات المتحدة. أما تيار الإصلاحيين فقد غاب عن المشهد السياسي الإيراني وذلك بفعل سياسة الإقصاء، والفشل في وضع خطاب إصلاحي موحد.

ثالثا، ترى الباحثة أن الحركة الخضراء في إيران والتيار النجادي يأتيان خارج تصنيف اليمين واليسار، وكذلك خارج الأصولية والإصلاحية، والحركة الخضراء كما التيار النجادي يستند إلى قاعدة شبابية قوية.

في فترة رئاسته الثانية وفي خضم المواجهة مع الولايات المتحدة عاد نجاد إلى الخطاب القومي الإيراني وإلى توظيف التاريخ والحضارة الفارسية بصورة أغضبت رجال الدين

والنجادية تسعى إلى حكومة خالية من رجال الدين وتأثيرهم، ويلاحظ التحول في خطاب نجاد خلال فترة رئاسته الثانية في خضم المواجهة مع الولايات المتحدة بالعودة إلى الخطاب القومي الإيراني وتوظيف التاريخ والحضارة الفارسية في فترة ما قبل الإسلام بصورة أغضبت رجال الدين.

رابعا، إن الجدل بشأن ولاية الفقيه رافق الثورة الإيرانية منذ بدايتها، وأن التيار الإصلاحي يرى في الخميني وليا فقيها وليس في من سيخلفه، وأن هناك اتجاهات داخل إيران يمثلها " المستنيرون" وتدعو إلى فصل الدين عن السياسية.

خامسا، إن المشهد الحزبي في إيران بصورة عامة اتسم بالضعف والانقسام، مما جعلها تفقد مصداقيتها بالنسبة لعامة الناس، وكذلك لعدم قدرة أي منها على إيجاد التغيير الاجتماعي المنشود. كما أن المجتمع الإيراني منقسم بين الاتجاه المطالب بالديمقراطية والتعددية واتجاه متمسك بالأحادية والتبعية في سبيل تحقيق الاستقرار.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك