عرض/ أحمد حسن علي

"موقع الحركات الإسلامية في السياسة العربية" حديث ملأ الدنيا وشغل الناس، وطرح أسئلة عاجلة مثل: هل يتعين على الحكومات الغربية الانخراط والتعاطي مع الحركات الإسلامية؟ ولكن الشكوك دائمًا تسبق النيات، فالمنظار الغربي يرصد تلك الحركات ويُقيِّمها: هل هي مُهدِّدة على الصعيد الدولي؟ أم توتاليتارية على الصعيد الداخلي؟!

مثل هذه الأسئلة حتَّمتها أحداث معينة كأداء الإخوان في مصر في انتخابات 2005، وفوز حماس في انتخابات 2006، واندلاع الثورتين المصرية والتونسية عام 2011. وانطلاقًا من أرضية هذا الواقع، يُلقي الكتاب -الذي نعرض له- نظرات فاحصة على الحركات الإسلامية في أربعة بلدان عربية (مصر والأردن والكويت وفلسطين)؛ وذلك من خلال مقارنة بين ما توصَّل إليه عن هذه الحركات في السياقات شبه السُلطوية والسياقات الأخرى المتنوعة والمختلفة.

ويضم الكتاب بين دفتيه تسعة فصول، تسبقها مقدمة تُوضِّح المبررات التي دفعت المؤلف للاهتمام بموضوع الكتاب، نعرض لأبرز أفكارها بشكل موجز على النحو التالي:

حركات شبه سياسية في أنظمة شبه سلطوية
ففي الفصل الأول يقول المؤلف إن الأنظمة (شبه السلطوية) هي تلك التي تسمح للمعارضة ببعض الحيِّز لتنظيم نفسها والتنافس، لكنَّها تُنكِر عليها أي إمكانية لتشكيل حكومة، هذا في حين أن الأنظمة (السلطوية) الكاملة لا تسمح للمعارضة بالعمل حتى وفق هذه القواعد!

- الكتاب: المُشاركة لا المُغالبة (الحركات الإسلامية والسياسية في العالم العربي)
- المؤلف: ناثان ج. براون
- ترجمة: سعد محيو
- عدد الصفحات: 366
- الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت
- الطبعة: الأولى/ 2012

ولا تزال معظم الأنظمة العربية في منزلة وسطى من شبه السلطوية والسلطوية، ولقد دعا الإسلاميون إلى اغتنام الفرص التي نجمت عن السياسات شبه السلطوية في مجال الانتخابات، بيد أن هذه الفرص الجديدة تبقى محصورة داخل منطقة محددة، فالسؤال الذي يفرض نفسه على كل فصول الكتاب: كيف تتأثر الحركات الإسلامية حين تنغمس في هذه الانتخابات الأكثر حرية والأقل عدلاً؟ وكيف وإلى أي مدى تتغير منظماتها؟ وماذا يحدث لمبادئها الأيديولوجية الأساسية؟!

فالمشاهد أن الحركات الإسلامية تُقولب منظماتها وأيديولوجياتها، لكنها على الدوام حذرة من احتمالات التعثر وفشل الانفتاح السياسي في تحقيق ما ترغب فيه.

فتكون الحصيلة المرة هي استمرار الشد والجذب بين تلك الأنظمة والحركات الإسلامية، إضافة إلى أنها على الرغم من أنها تُكيف نفسها مع القواعد السياسية القائمة وتبدو وسائلها سلمية، فإنها في النهاية تحسب أحزابًا مناوئة للنظام!

خوض الانتخابات بهدف الخسارة؟
وفي هذا الفصل الثاني يتحدث عن الانتخابات، والسلطوية، والحركات الإسلامية في الوطن العربي، ويقول: تعلمت الأنظمة الحاكمة استخدام الآليات الانتخابية لتحقيق مجموعة من الأهداف:

- تنظيم العلاقات بين الحكومة والمعارضة، التي تتموج ما بين القمع الخشن (اعتقال كوادرها)، أو القمع الناعم باستخدام الانتخابات وسيلة لاستعمال هذه الأدوات، وعلى وجه التحديد استخدمت الأنظمة شبه السلطوية الانتخابات لضبط المعارضة بطرق ثلاث:

1- هذه الانتخابات تُوفِّر فرص إخراج المعارضة إلى العلن، وتُتيح تصنيف حركات المعارضة ما بين التي تُشكل خطرًا حقيقيًا والمُدجنة!

2- يمكن فيها احتواء المعارضة الانتخابية في مناسبات ما، كفعل الملكيات العربية بمدالسة المعارضة المُدجنة لتعرض عليها بعض المقاعد البرلمانية!

3- يمكن استخدام مقولة "فرِّق تسد"، فبعض القواعد الانتخابية يمكن مكافأتها عبر رسم الدوائر الانتخابية وتخصيص مقاعد لها، والأخرى يمكن حظرها أيضًا (ذوو التوجهات الدينية)، والتلويح بالخطر من أحدهما على الآخر (كاليسار والإسلاميين عمومًا).

ويمكن أيضًا تصميم القواعد الانتخابية؛ لتحبيذ أنواع معينة من الهويات (العائلية، الطائفية، القبلية) على حساب الدعوات الأيديولوجية في سبيل زعزعة أسس أي برنامج مشترك للمعارضة!

ما يتعدَّى تجارة قياس التشبيه
استخدم المؤلف في الفصل الثالث "قياسات التشبيه" من خلال فحص تاريخ الأحزاب المسيحية والاشتراكية الديمقراطية، وتجارب اليمين واليسار الراديكالي؛ لفهم تطور الحركات الإسلامية على الصعيدين الأيديولوجي والتنظيمي في بيئات شبه سلطوية أو غير ديمقراطية تمامًا.

استخدم المؤلف "قياسات التشبيه" من خلال فحص تاريخ الأحزاب المسيحية والاشتراكية الديمقراطية، لفهم تطور الحركات الإسلامية على الصعيدين الأيديولوجي والتنظيمي

فلم تكن الأحزاب المسيحية الديمقراطية في منشئها ليبرالية أو أحزابًا سياسية بالمعنى المتداول، وإنما كانت في الغالب الذراع السياسية لحركة اجتماعية واسعة النطاق، مرتبطة بكنيسة قوية في أنظمة سياسية كانت فيها الديمقراطية ضعيفة وغير مستقرة ومحدودة للغاية.

وإذا استخدمنا هذا التشبيه كنقطة انطلاق لبحث مقارن بينها وبين الأحزاب الإسلامية، فسنجد أن اندماج المسيحية الديمقراطية في الأنظمة السياسية الأوروبية كانت تجربة مريرة وأكثر صعوبة مما يتذكر الكثيرون، وأن السعي الجدي للمقارنة سيدفعنا إلى توسيع التركيز إلى ما يتعدَّى تقسيم وتحليل البيانات الأيديولوجية والبرنامجية؛ ولذا يتضح أنه مع الوقت وفي حالة وجود عملية تقديم مكافآت أساسية لقاء المشاركة، وأيضًا مخاطر أساسية لإستراتيجية مغايرة، فإن الحركات على أطراف النظام ستصبح بالفعل مُسيَّسة، وتتموضع لتأمين أهدافها عبر النشاط السياسي السلمي والشرعي!

النموذج والحركة الأم
ينقسم هذا الفصل الرابع إلى أربعة أجزاء: الأول تتبع تاريخي لنشأة جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها النموذج الأم، أما الجزءان الثاني والثالث فسيكونان تحليلييْن لا تأريخييْن؛ لاستطلاع الشكل التنظيمي المتمايز، والتعرف على الموقف الأيديولوجي للحركات أشباه الإخوان، وفي الجزء الرابع يعقد مقارنة بين أشباه الإخوان وحركات إسلامية أخرى بُنيت وفق نماذج مختلفة.

فقد انتهت حقبة الأربعينيات نهاية دامية؛ باغتيال مؤسس الجماعة الإمام حسن البنا، إلا أنها شهدت في الوقت ذاته توسع جماعة الإخوان خارج مصر، وتُظهر الحركات التي تستلهم النموذج الأم ثلاث سمات تنظيمية مُميزة: المنظمة الرسمية، والانخراط الاجتماعي والسياسي (توسيع تطور الممارسات الاجتماعية التي تتبع التعاليم الإسلامية)، والمرونة (حيث تُظهر استجابة قوية للسياق الاجتماعي والقانوني في إطارهما).

وتُقدم الأفكار الرئيسية والأيديولوجية للحركات الإسلامية -وفق نموذج الإخوان- رؤية متميزة للعالم على أساسها تُحدد برامجها، والتي تتمحور حول: الإصلاح والإسلام كمرجعية وأُفق الزمن والوحدة.

وبمقارنة أشباه الإخوان المسلمين مع حركات إسلامية أخرى كالتيار السلفي، تظهر ثلاثة اختلافات مميزة؛ إذ إن اهتمامها الرئيسي ينصب على التفسير المجرد للنصوص، كما أن الممارسات الملائمة تتفوق على كل الاهتمامات الأخرى. وتميل إلى أن تكون أقل تنظيمًا بشكل رسمي. وتنحو إلى أن تكون أقل التزامًا بكثير حيال الانخراط مع المجتمع الأوسع، هذه السمات تقود إلى توجه لتشكيل مجموعات صغيرة وغير رسمية تتمحور حول خبراء محدودين، إضافة إلى نموذج (حزب الوسط) و(التحرير) و(الصوفية).. وغيرها، وهكذا تُشكل هذه البدائل مُنافسًا رئيسيًّا للحركات الإسلامية عند الممارسة.

النموذج قيد الممارسة في أربعة مشاهد سلطوية
اختار المؤلف في الفصل الخامس أربع حالات للدراسة: (مصر والأردن والكويت وفلسطين)، وكل هذه الحالات تستند إلى نموذج الإخوان المسلمين، ولديها روابط تاريخية واضحة مع الحركة الأم، لكنَّ كلاً منها انتهج سبيلاً تنظيميًّا متمايزًا.

جاءت ثورة 25 يناير، فوفرت لجماعة الإخوان المسلمين فرصة استعادة الوضعية القانونية, حيث بقيت من دون اعتراف قانوني -سواءً كحركة أو كحزب- طوال رئاسَتَيْ السادات ومبارك

ففي مصر عاودت جماعة الإخوان الظهور في السبعينيات والثمانينيات على الرغم من أن شكلها الذي أُعيد إحياؤه اختلف في بعض المناحي عن الحركة كما كانت قبلها بعقود، فهي بقيت من دون اعتراف قانوني -سواءً كحركة أو كحزب- طوال رئاسَتَيْ السادات ومبارك. وجاءت ثورة 25 يناير، فوفرت للجماعة فرصة استعادة الوضعية القانونية.

وفي الأردن وُجدت الجماعة بشكل مُتواصل منذ الأربعينيات، ولكنها أيضًا شكَّلت حزبًا مُعتَرفًا به قانونيًّا ومستقلاً تقنيًّا، هو حزب "جبهة العمل الإسلامي" في عام 1992.

وفي الكويت قطعت الجماعة صلتها رسميًا بالتنظيم العالمي للإخوان في أعقاب الاحتلال العراقي للكويت عام 1990، وشكَّلت "حزبًا" في السنة التالية. وهذه الجماعة تعمل بهدوء وبشكل غير رسمي.

وفي فلسطين تشكَّلت حماس وتم التعامل معها على أنها فرع الجماعة في فلسطين، والآن ليس لها وجود قانوني ما عدا لائحة انتخابية (تُدعى التغيير والإصلاح)، لكنَّها في الوقت نفسه الحزب الحاكم في غزة.

وتجمع بين هذه الحركات الأربع سمات مشتركة (المرونة والتكيف والقدرة على الانبعاث)، وهي تعمل على أساس الإجماع، وبناء منظمات قوية تستطيع الحفاظ على البقاء والازدهار مع تغير القيادة.

المشاركة السياسية والتحول التنظيمي
وفي الفصل السادس، يقدم المؤلف محاولة لفهم طبيعة ومدى مركزية المسائل التنظيمية بالنسبة للحركات الإسلامية إزاء مشاركتها في العملية الانتخابية وما تطرحه من تساؤلات مثل: جدوى الاستثمار في الانتخابات، وهل يُشكَّل حزبٌ سياسي أم لا؟ وهل تُقيم تحالفات مع قوى سياسية أخرى؟ وكيف يجب استخدام المقاعد البرلمانية؟ وهل يتم التخلِّي عن العنف؟

وعمومًا نستطيع أن نفهم هذه القضايا إذا ما وضعناها في مجالات تنظيمية، متسائلين: ماذا يحدث لمنظمة إسلامية حين تُستثمر أكثر في العمل السياسي؟ من خلال بناء منظمة انتخابية لها قيادة منفصلة ومستقلة عن الحركة، ستجني فوائد مهمة، ولكن متباينة:

الحزب السياسي يعمل في إطار قانوني مُحدد، ويخلق أنصارًا جددًا، مما يتطلب موارد يمكن تخصيصها لأهداف أخرى للحركة، ويُجبرها على القيام بحسابات تستند إلى أفق زمني مرتبط بالدورات الانتخابية، لتجد نفسها عرضة لضغط داخلي لإظهار منافع حقيقية لهؤلاء الأنصار.

ومن التجربة المصرية، نجد أن جماعة الإخوان المسلمين تحركت لاغتنام الفرصة التي قدَّمها لها النظام شبه السلطوي، وبرغم أن الجماعة تفاعلت فإنها فعلت ذلك بتباطؤ، وبشكل غير متناظر بعد مداولات، وأحيانًا "شقاقات".

ومن خلال تقييم التجربة المصرية، نجد أنها غالبًا ما تحسب حساب خط الرجعة، فتعمل لحماية نشاطاتها غير السياسية، ولضمان أن أهداف الحركة لم تُنس بسبب الانخراط في العملية السياسية.
وعلى الصعيد التنظيمي، تتفاعل الحركات الإسلامية بإيجابية -ولكن بالتدريج- مع الفرص شبه السلطوية، ولكن كيف تُؤثر المشاركة في السياسات شبه السلطوية على تطورها الأيديولوجي؟!

التغير الأيديولوجي: اللهو والالتزام
عقد المؤلف في الفصل السابع مقاربة مع مسألة التغير الأيديولوجي للحركات الإسلامية من خلال ثلاث خطوات:
- المقاربة الأيديولوجية العامة للحركات الإسلامية.
- فحص الضغوط لمن تطلب منهم الالتزامات الأيديولوجية، وما نوعها؟
- تفاعل الحركات الإسلامية مع المشهد شبه السلطوي؟
في الخطوة الأولى، تماوجت الحركات الإسلامية بين الدعم والتحفظ على المجموعة الكاملة من الحريات والحقوق، فهناك آراء تدعم إجراءات قوية للحريات السياسية، وآراء تذبذبت لدعم الحرية الفنية، بينما الحريات الدينية مُقيدة غالبًا، وإطلاق حريات المرأة من خلال منظور يستند إلى الشريعة الإسلامية.

أما "الإسلام"، فتُصر هذه الحركات على أن الدولة يجب أن تدعم المبادئ الإسلامية وتُجسدها. وعن إشكالية "الولاء ودرجاته، ومدى المعارضة"، اتخذ الإسلاميون مواقف معارضة حادة، ولكنهم حاولوا تكييف مشاركتهم مع الحقائق السياسية القائمة. وكذلك "الديمقراطية" ومواقف الإسلاميين الغامضة حيالها، وصراعهم مع المصطلح وتوافقهم مع الآليات!

وفي الخطوة الثانية، حين تنفتح الأنظمة شبه السلطوية، يتنامى عدد الأطراف المهتمة بالتزامات مُحددة من جانب الإسلاميين: الأتباع الأساسيون، والجمهور الأوسع، والحركات الإسلامية الأخرى، والأنظمة القائمة.

وفي الخطوة الثالثة: اتخذ المؤلف جماعة الإخوان المسلمين في مصر مثالاً لتعرضها لضغوط السياسات شبه السلطوية من خلال اندفاعاتها في مجال السياسة، إذ تم السعي للدفع نحو "الإفصاح" من خلال البرامج والوثائق، المصممة لتوضيح رؤيتها.

وبعد سنوات من إمطارها بالمطالب لتقديم إجابات محددة، بدأت في إصدار "برنامج حزب" وعرضه للنقاش على المتخصصين، وقامت بالرد على النقاشات العامة للبرنامج في 2007، وهنا يتضح أن الحركات الإسلامية تتطور أيديولوجيًّا كاستجابة للضغوط السياسية، لكن أيديولوجيتها ليست طيِّعة إلى ما لا نهاية، فهي محتفظة بخطوط رجعة أيديولوجية، وخطابية، وحتى برامجية!

السياسات والمجتمعات العربية كما قد تكون
يُركِّز الفصل الثامن على التعريفات الإجرائية للديمقراطية، ودراسة دور الحركات الإسلامية حيال آفاق التغيير الأساسي في النظام السياسي القائم.

وثمَّة أسئلة ضرورية تُطرح هنا: في حال انهيار النظام شبه السلطوي فجأة، هل يُحتمل ألا تمارس حركة إسلامية دور الدمقرطة؟، هل ستُدفع في اتجاه التعبير السياسي في بعده الديمقراطي، وتُكيف نفسها مع القواعد السياسية الديمقراطية إذا برزت مثل هذه القواعد؟. فالحركات الإسلامية التي تلَّقت تمرينات في بيئة شبه سلطوية تجد العمل في نظام ديمقراطي بالكامل أمرًا تفرضه تحدِّيات رئيسية؛ لأنه يُعرِّضها لضغوط من أجل تقديم الالتزامات الأيديولوجية والتنظيمية التي طالما تجنبتها!

الأحزاب السياسية والأنظمة
ستؤدي الفرص المتزايدة للمشاركة السياسية التي تُقدمها النظم شبه السلطوية إلى بروز حركة تُكرِّس المزيد من الموارد للسياسات، وتبذل جهودًا لتلبية المتطلبات القانونية، وتطور المهارات السياسية، وتمنح القادة السياسيين في الحركة الدعم والاستقلالية اللتين يحتاجونها للاستفادة بشكل كامل من الانفتاح السياسي.

وغالبًا ما يُطلق صدق نيات النظام هذه التعبيرات، ولكن الحركات ترد ببطء، وتقوم بتكيفات تنظيمية وأيديولوجية بالتَّدرُّج، مُسندة توقعاتها إلى ردود فعل النظام. وهكذا؛ فإن الحركات تُكيف دومًا إستراتيجياتها وتكتيكاتها، وتُحسِّن مبادراتها، وتُعيد فحص مُنظماتها وبرامجها.

تطورت الحركات الإسلامية إلى حد كبير، وتأثرت بعمق بمشاركتها في السياسات شبه السلطوية، والمشكلة لا تكمن في قدراتها التعلمية، ولكن في الدروس التي تعلمتها

وتتضح لنا الصورة، حين تُسفر السياسات شبه السلطوية عن لُعبة شد وجذب يُمكن أن تتغير في تفاصيلها إلى حد كبير، لكن من دون أن تتبدل محصلاتها بشكل جوهري! ولكن ماذا يحدث حين تعمل حركات إسلامية ذات اهتمامات واسعة في مشهد ليس شبه سلطوي؟ في مثل هذه الظروف ستُركز الحركات على الحفاظ على الذات، وتتنصل من العمل السياسي مؤقتًا إذا لزم الأمر، أو الاقتصار على العَبث السياسي إذا ما كان ذلك ممكنًا!

وإذا كانت الأنظمة السلطوية تقمع أو تحتوي الحركات الإسلامية، فماذا عن المشاهد الديمقراطية؟

فالملاحظ على ضوء المشاهد الآتية من مصر وتونس أن الفرص المتاحة ستفرض على الحركات خيارًا صعبًا، هل هي منظمات اجتماعية منضبطة بإحكام أم نواة لحزب سياسي واسع؟، وهل هي مستعدة لعدم فتح أبواب عضويتها أمام ذلك النوع من الجمهور الجماعي الذي تتطلبه السياسات الديمقراطية الكاملة؟!

وماذا الآن عن الحركات الإسلامية التي ليس لها تركيز واسع؟ خاصة الحركات السلفية كما في مصر، والتي كانت تُشدد على السلوكيات السوية والتطبيق الدقيق للنصوص، وصيرت نفسها بعد ثورة 25 يناير في معمعة السياسات الانتخابية، وشعرت بالضغوط التي شعرت بها الحركات الإسلامية المستندة إلى نموذج الإخوان.

لقد تطورت الحركات الإسلامية إلى حد كبير، وتأثرت بعمق بمشاركتها في السياسات شبه السلطوية، والمشكلة لا تكمن في قدراتها التعلمية، بل المشكلة في الدروس التي تعلمتها!!

المصدر : الجزيرة

التعليقات