عرض/ بوعلام رمضاني
يخاطب المؤرخ الكبير بنجامين ستورا هذه المرة في التأريخ لحرب الجزائر -كما تسمى في فرنسا- عامة الناس والجيل الجديد بمقاربة بيداغوجية دقيقة وبسيطة، تقدم على طبق من ذهب هذه الحرب التي عادت إلى واجهة الحدث السياسي والثقافي بمناسبة مرور نصف قرن على استقلال الجزائر.

- الكتاب: حرب الجزائر مشروحة للجميع
- المؤلف: بنجامين ستورا
- الناشر: دار ساي, باريس
- عدد الصفحات: 125
الطبعة: الأولى 2012

المؤرخ الجزائري المولود في قسنطينة الجسور المعلقة والعلامة عبد الحميد بن باديس وموسيقى المالوف، يتجاوز في كتابه الجديد "حرب الجزائر مشروحة للجميع" المستوى الفكري والأكاديمي النخبوي، بالرد على كل الأسئلة التي طرحت عليه في الجامعات والمؤتمرات واللقاءات الشخصية والسهرات العائلية والأحاديث الصحفية والجلسات الخاصة، وهي الأسئلة التي جاءت على ألسنة شبان ومراهقين، الأمر الذي أعطى لأسئلتهم صبغة خالية من الانحياز "العاطفي" والخلفيات المغرضة لمثقفين وكهول وشيوخ غير مثقفين عاشوا هذه الحرب بشكل أو بآخر.

ومن بين الكتب الهامة التي خصصها ستورا لحرب الجزائر "متخيلات حرب الجزائر وفيتنام في فرنسا والولايات المتحدة الأميركية"، و"حرب الذاكرات: فرنسا في مواجهة ماضيها الاستعماري"، و"حرب الجزائر: نهاية فقدان الذاكرة" بالتعاون مع المؤرخ الجزائري محمد حربي، و"تاريخ الجزائر الاستعمارية 1830-1954" و" الحرب غير المرئية: جزائر التسعينيات"، و"الاستشراء والنسيان: ذاكرة حرب الجزائر"، و"نظرة الجزائريين لحرب الجزائر"، و"ميتران وحرب الجزائر"، و"سر ديغول وخيار الجزائر"، و"الحروب دون نهاية: مؤرخ، فرنسا والجزائر".

وجدير بالذكر أن كتاب ستورا الجديد قد صدر في سلسلة تشرح من خلالها دار ساي قضايا هامة بأسلوب بسيط في متناول الجميع، وصدر منها إلى حد الآن 46 كتابا، من بينها "الإسلام مشروحا للأطفال"، و"العنصرية مشروحة لابنتي" للطاهر بن جلون، و"الهجرة مشروحة لابنتي" للباحث الجزائري سامي نعير، و"الجمهورية مشروحة لابنتي"، و"حب فرنسا مشروحا لابني" للكاتبين الكبيرين ريجيس دوبريه وماكس غالو.

الانتزاع كتعريف للحرب
بدأ ستورا رحلته عبر حرب الجزائر بربط ذكي بين هويته الشخصية وتاريخ انطلاقها، كاشفا أنه ولد عام 1950، أي قبل أربعة أعوام من بداية الحرب التي أسدلت ستارها حينما بلغ سن الحادية عشرة. ومثل الآلاف من فرنسيي الجزائر، غادر رفقة والديه وأخته الجزائر المستقلة إلى فرنسا التي لم يكن يعرف عنها شيئا، حاملا ذكريات سعيدة وأخرى أليمة، وشاهدا على تمزق وجداني ما زال يميز نفسية الكثير من أمثاله الذين ولدوا في الجزائر الفرنسية.

وحسب ستورا "فإن كلمة اقتلاع هي التي تمكن من تعريف حرب الجزائر بحكم تعبيرها عن كيفية انتزاع الجزائريين لاستقلالهم بعد تضحيات جسام وانتزاع أناس من أرضهم الأصلية". ولأن التاريخ ليس علما دقيقا، يرى ستورا أن بعض المؤرخين يرون أن حرب الجزائر قد بدأت عام 1830، في حين يقول آخرون إنها بدأت عام 1945، في الوقت الذي يعتقد فيه أن تاريخ الفاتح نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1954 هو التاريخ المجمع عليه باعتباره تاريخا غير عفوي، وجاء نتيجة ظلم استعماري ناتج عن نظام عنصري هو أشبه بذلك الذي عرفته أفريقيا الجنوبية رغم بعض مظاهر الاختلاف، كما اندلعت حرب الجزائر في سياق عالمي تميز بنزوع الشعوب المستعمرة نحو الاستقلال (سوريا ولبنان والفيتنام).

انتهجت فرنسا استعمارا استيطانيا في الجزائر خلافا لنظام الحماية في المغرب وتونس، واعتبر قادتها الجزائر فرنسا والثوار إرهابيين تجب مقاومتهم بكل السبل الممكنة

القادة الستة ومصالي
كريم بلقاسم والعربي بن مهيدي ورابح بيطاط ومحمد بوضياف (الرئيس الجزائري الذي اغتيل عام 1992) وديدوش مراد ومصطفى بن بولعيد، هم القادة الستة الذين فجروا ثورة التحرير عام 1954، ولعب الأخير الدور الأكبر باعتباره أحد أكبر مؤسسي جبهة التحرير الوطني. وتميز الظرف التاريخي المشهود بعدم انضمام القائد مصالي الحاج رائد الحركة الوطنية -في تقدير ستورا- إلى جبهة التحرير الوطني، علما بأنه مؤسس نجم شمال أفريقيا عام 1926 المطالب بالاستقلال وحزب الشعب عام 1937، وتعرض حزبه للمنع، وسجن هو عدة مرات قبل ترحيله إلى برازفيل، ثم عاد إلى الجزائر عام 1945 ودخل في مواجهة دموية مع جبهة التحرير الوطني.

فرنسا انتهجت استعمارا استيطانيا في الجزائر خلافا لنظام الحماية في المغرب وتونس، واعتبر قادتها الذين تناوبوا على الحكم من اليسار واليمين الجزائر فرنسا (الجزائر هي فرنسا حسب ميتران) والثوار إرهابيين تجب مقاومتهم بكل السبل الممكنة، في الوقت الذي رفضوا فيه الاعتراف بالأمر الواقع واكتفوا بوصف الحرب بأنها "عمليات لحفظ الأمن"، وتطورت الحرب -حسب تعبير الفرنسيين- والثورة -حسب الجزائريين- في أغسطس/آب من عام 1955 حينما انتفض الفلاحون في الشرق الجزائري، بعد عشرة أعوام من مجازر سطيف وقالمة وخراطة التي راح ضحيتها حوالي  45 ألف جزائري.

كل ألوان الطيف مع الحرب
قادة من اليمين مثل جاك سوستيل وإدغار فور، ومن اليسار مثل فرنسوا ميتران ومنديز فرانس وغي موليه، هم الذين قرروا شن الحرب الشاملة ضد الشعب الجزائري انطلاقا من عام 1956، بمشاركة النواب الشيوعيين الذين صادقوا على قانون السلطات الاستثنائية الذي أدى إلى تعليق الحريات الشخصية وسحق المتمردين وليس الثوار، واعتقال أكثر من مليون جزائري وحبسهم في معتقلات لا تشبه مثيلاتها النازية بالضرورة حسب المؤلف، فضلا عن إعدام أحمد زبانة بقطع رأسه في إطار أول عملية لم تلبث أن تطورت في الأعوام اللاحقة بمباركة من وزير العدل فرنسوا ميتران.

أمام تزايد البطش الاستعماري واختلال ميزان القوى، لم يكن أمام ثوار الجزائر غير خيار المقاومة وطلب المساعدة من الدول الشقيقة والصديقة، وتعريف الرأي العام العالمي بعدالة قضيتهم فكانت مصر عبد الناصر أول دولة داعمة، وتكللت مساعي الثوار بمناقشة "المسألة الجزائرية" في الأمم المتحدة، بعد أن أصبح لجبهة التحرير الوطني عدة ممثلين في الخارج من العيار الثقيل، من أمثال حسين آيت أحمد والفقيدين امحمد يزيد وأحمد بن بلة الرئيس الجزائري الأول الذي وافته المنية أخيرا عن عمر يناهز الرابعة والتسعين، وكان الفقيد من بين القادة الذين قبض عليهم يوم الثاني والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول من عام 1956 إلى جانب حسين آيت أحمد ومحمد بوضياف ومحمد خيضر، حينما أجبرت طائرتهم -التي انطلقت من المغرب متجهة إلى تونس- على الهبوط في الجزائر، وبقوا كلهم في السجن حتى غاية الاستقلال.

المثقفون بين "الإرهاب" والتعذيب
منهجيا كان لابد لستورا من معالجة كل المفاهيم والأحداث التي عرفتها حرب الجزائر، ولو في ثوب موضوعي ظاهريا. ضمن هذا المنظور توقف عند التيارات التي مثلت جبهة التحرير أو ما أسماها بالتناقضات أو الصراعات، وكان أشهرها الصراع بين الجبهويين (أنصار جبهة التحرير الوطني) والمصاليين الذي أدى إلى مواجهات دامية في ملوزة غرب الجزائر عام 1957، ومعركة الجزائر الشهيرة التي تمت في العام نفسه وانتهت بملاحقة قادتها البارزين من أمثال ياسف سعدي وعلي لابوانت باعتبارهما أشهر "إرهابيي العاصمة" حسب القاموس الفرنسي، وانقسام المثقفين بشأن تعريف الإرهاب و"ضرورة" تعذيب الذين قتلوا مدنيين أبرياء حسب الروائي الشهير كامو، وحتمية استعمال كل السبل بما فيها المقاومة التي يسميها الاستعمار الإرهاب حسب الفيلسوف الأشهر جان بول سارتر وهنري علاق الشيوعي وصاحب كتاب "المسألة" الذي كتبه في السجن عام 1958، ويعد شهادة هزت الرأي الفرنسي والعالمي، وفرنسوا مورياك الذي ندد بدوره بالتعذيب، فضلا عن المؤرخ الكبير الراحل بيار فيدال ناكيه.

وفي نفس سياق توضيح وشرح المفاهيم المتعلقة بحرب الجزائر، توقف ستورا عند "الحرْكيين" الجزائريين الذين انضموا إلى فرنسا طواعية أو قهرا بسبب تجاوزات جبهة التحرير -كما يقول البعض- أو تحت وطأة الحاجة، و"الأقدام السود" الذين يعنى بهم كل الفرنسيين الذين ولدوا في الجزائر أثناء الحقبة الاستعمارية، والذين تعددت بخصوصهم تفسيرات التسمية.

لم يعرض ديغول الاستقلال والتفاوض على قادة جبهة التحرير دون خلفية سياسية كما يعتقد البعض، لكنه حاول ترويضهم بما أسماه "سلام الشجعان" الذي يعني خضوعهم للهيمنة الاستعمارية

ديغول واستقلال الجزائر
قبل وصول الجنرال إلى الحكم كقائد كبير قاد نضال الشعب الفرنسي ضد النازية من لندن التي لجأ إليها عام 1940، قال ستورا إن قادة جبهة التحرير كانوا قد أدركوا أنه يجب تعزيز الكفاح العسكري بحرب دبلوماسية من شأنها تأجيج الرأي العالمي ضد القوة الاستعمارية التي استمرت في التنكيل بالشعب الجزائري، وهذا ما أكدته قنبلة قرية سيدي يوسف التونسية  بدعوى ملاحقة المتمردين الجزائريين، ولم يتردد الجنرال سالان يوم الثامن من فبراير/شباط عام 1958 في قصف القرية دون التمييز بين الأطفال والشيوخ والمتمردين كما يسمون، الأمر الذي ترك العالم يتفطن -إلى غير رجعة- لوحشية الجيش الفرنسي من خلال الأمم المتحدة من ناحية، والتعجيل بسقوط الجمهورية الرابعة، والاستعانة بالجنرال ديغول لإنقاذ فرنسا وإخراجها من المستنقع الجزائري من ناحية ثانية.

اعترف ديغول بالأمر الواقع ونادى بتأسيس الجمهورية الخامسة لضخ دم جديد في الجسم الفرنسي المتهالك، فكان له ما أراد بدعوته إلى دستور جديد، وتخويله سلطة أكبر كرئيس جمهورية بدعم من أنصار الجزائر الفرنسية. ديغول الذي اشتهر بمقولة  فهمتكم" -في إشارة إلى غلاة الجزائر الفرنسية- لم يعرض الاستقلال والتفاوض على قادة جبهة التحرير دون خلفية سياسية كما يعتقد البعض، وحاول ترويضهم بما أسماه "سلام الشجعان" الذي يعني خضوعهم للهيمنة الاستعمارية الدائمة دون ملاحقة، الأمر الذي رفضته جبهة التحرير جملة وتفصيلا.

الهزيمة ونهاية الجزائر الفرنسية
ديغول الداهية الذي جرب العصا والجزرة مع قادة جبهة التحرير، وراهن على الخديعة والفتنة والانقسام بين ثوار الداخل والخارج، وشن هجوما عسكريا تاريخيا عام 1959 باسم خطة شال لترهيب المتمردين في آخر محاولة عام 1959، أدرك في نهاية الأمر حدود دبلوماسيته ومكره وإصرار شعب بقي مستعدا للتضحية أكثر في سبيل حريته، فما كان عليه إلا الإعلان عن المفاوضات، وطرح فكرة تقرير المصير على الشعب حتى يؤكد أنه كان محقا حينما قال إنه لم يأت إلى الحكم هرما ليصبح دكتاتورا.

بعد أن وعى أيضا أن حرب الجزائر قد أصبحت عبئا سياسيا واقتصاديا على فرنسا، دخل الجنرال المحنك في مفاوضات مع القادة الجزائريين اعتبارا من يونيو/حزيران عام 1960، وتكللت المفاوضات النهائية في مدينة إيفيان يوم الثامن عشر من مارس/آّذار عام 1962 بإعلان نهاية حرب الجزائر، إثر تنازلات متبادلة تعلقت أساسا باستغلال البترول لبعض الأعوام، والاحتفاظ ببعض القواعد العسكرية لخمسة أعوام، وفشل الجنرال الهرم في الاحتفاظ بالصحراء.

لم تسدل الحرب ستارها ببساطة، واقتتل الفرنسيون بسبب سعي المنظمة العسكرية السرية لرفض التسوية السياسية، الأمر الذي أدى إلى محاولة اغتيال ديغول مرتين، وكانت المرة الأولى بتواطؤ الجنرالات شال وجوهو وسالان وزيلار، وهو الرباعي الذي انتصر عليه ديغول حينما احتكم إلى الشعب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك