عرض/ وديع عواودة

في عام 2008 أصدر الباحث الإسرائيلي البارز شلومو زند كتابا بعنوان "كيف ومتى اخترع الشعب اليهودي؟"، نسف فيه أساطير ومسلّمات أساسية للصهيونية. في كتابه الجديد، بين يديك (كيف ومتى اخترعت "أرض إسرائيل"؟)، يواصل الكشف عن حقائق حرص القادة الصهاينة على إخفائها، فيقول صراحة إنه لولا الأسطورة الإثنية الجغرافية ربما ما كان ينجح مشروعها.

ولذا من المرجح أن يتعرض لحملة تشهير جديدة، فهو يزعزع أسس مشروعها الاستيطاني في فلسطين ويبيّن كيف تمت عملية تزوير هوية المكان، في محاولة لاحتلال وعي اليهود والعالم والسطو على التاريخ بعد الجغرافيا. وبذلك ينطلق من فكرته الأساسية أن الصهيونية ممارسة استعمارية ولم تكن استمرارية لليهودية بل نفيا لها.

-الكتاب: كيف ومتى اخترعت "أرض إسرائيل"؟
-اللغة: العبرية
-المؤلف: شلومو زند
-الناشر: دار النشر "كنيرت زمورا"-تل أبيب

زند، أستاذ للتاريخ في جامعة تل أبيب، يفرد مساحة مهمة من مقدمة الكتاب للحديث عن موقع الجامعة، ويستعرض كيف قامت على أنقاض قرية فلسطينية تم تهجيرها في النكبة عام 1948، من ثم محو ذكراها بشكل منهجي كمثال مصغر لما فعلته الصهيونية في كل فلسطين.

وقبل ذلك يروي بعض تفاصيل سيرته الشخصية، ويكشف من خلالها جرائم الصهيونية بحق الفلسطينيين ووطنهم، لافتا إلى أن الذكريات تؤرقه وتعذبه.

ويبدأ حديث الذكريات بالعودة لفترة خدمته العسكرية كشاب انضم للجيش عشية حرب حزيران 1967، فيفضح عينة من جرائم الصهيونية وقتها: "في واحدة من ليالي سبتمبر/أيلول 1967 اعتقل شيخ فلسطيني بحوزته حقيبة مليئة بالدولارات، وفيما كانوا يحققون معه سمعت فجأة صراخا مرعبا فتقدمت نحو البناية، اعتليت صندوقا لأسترق النظر فتجلى أمامي مشهد مفزع. كان الشيخ يجلس موثقا فيما كان اثنان من زملائي يضربانه ويطفئان على جسده سجائرهم الملتهبة. ارتددت للخلف وتقيأت وعدت خائفا لموقع الحراسة. بعد ساعة خرجت مركبة محملة بجثة الشيخ نحو نهر الأردن.. وأبلغوني أنهم في طريقهم لإلقائها فيه".

وفي صلب الكتاب، وبخلاف الرواية الصهيونية، يؤكد المؤرخ زند أن حائط البراق في القدس لم يكن يوما "حائط المبكى"، منوها بأن "وكلاء الثقافة العلمانية" هم من شنوا حملة على التاريخ وعملوا على اختلاق التراث من جديد بواسطة ألبومات صور الانتصار.

وبرأيه فإن "حائط المبكى" الذي تدعي الصهيونية أنه من بقايا الهيكل المذكور في المصادر التاريخية اليهودية، ليس سوى أثر من بقايا سور تاريخي وتسميته تنم عن تضليل، مشيرا إلى عدم إمكانية مقارنة أهميته بمكانة الأقصى المقدسة وطويلة الأمد.

1948 و1967
ويعتبر زند أن الإسرائيليين في قرارة أنفسهم كانوا مسكونين بمرارة كبيرة ناجمة عن صغر أطوال دولتهم الوليدة، منوها بأن مشاعر المرارة هذه تفجرت في العدوان الثلاثي عام 1956 حينما حاولت إسرائيل ضم غزة وسيناء.

ويؤكد أن أسطورة "أرض الآباء" التي تصدعت قليلا عام 48 نهضت من جديد في حرب 1967، وأن أغلبية اليهود يرون أنه من شأن أي انتقاد لاحتلالهم القدس الشرقية والخليل وبيت لحم، أن يزعزع شرعية سيطرتهم السابقة على يافا وحيفا وعكا وغيرها من الأماكن في الأرض المحتلة عام 1948 والأقل أهمية نسبيا من ناحية العلاقة الصهيونية بالماضي الأسطوري.

ويصيب بتفسيره رفض إسرائيل المبادرة العربية للسلام في 2002 لأنها تدرك جيدا أن ثمنها سيكون وداع "أرض إسرائيل" مع كل مواقعها التوراتية القديمة والاكتفاء بإسرائيل "صغيرة".

في سياق تبيانه دوافع اختراع مصطلح "أرض إسرائيل"، يقول زند إنه في حال تم التسليم بـ"الحق التاريخي للعودة للوطن" فإن من الصعب منع تطبيق هذا الحق على لب هذا "الوطن القديم".

وينوه زند بأنه لم يتوقع نجاح إسرائيل بالسيطرة لعشرات السنين على كمية كبيرة من الفلسطينيين في الضفة وزرعها بنصف مليون مستوطن، لافتا إلى أن أوروبا أيدت المشروع الصهيوني الاستعماري نتيجة "عقدة الذنب" بعد المحرقة.

الشعب المخترَع
في كتابه الجديد يبدي زند دهشته لوجود مراقبين في القرن الواحد والعشرين يبررون الاستعمار الصهيوني وإقامة إسرائيل بواسطة مزاعم "أرض الآباء" و"الحقوق التاريخية" أو أشواق وطنية عمرها ألفا عام.

اختلاق أسطورة اقتلاع الشعب اليهودي من "وطنه الموعود" جاء لأن الجماعات الدينية التي ينتشر أتباعها في المعمورة لم تمنح يوما الحق بالتملك على وطن محدد المعالم الجغرافية

ويشير الكاتب الذي تعرض لانتقادات وحملات متتالية إلى أن الكتاب الجديد استمرار لكتابه السابق ومحاولة لاستكمال الناقص، لكنه يضطر -تحت وطأة الانتقادات على ما يبدو- للتوضيح بأنه لا يؤيد موت إسرائيل بل يتطلع لتكون مدنية وديمقراطية، فيشير إلى أن كتابه هذا يعتمد نظرة "أكثر اتزانا".

ويمضي في لهجة تبريرية موضحا أن كتابه "متى وكيف اخترع الشعب اليهودي؟" جاء من أجل زعزعة المفهوم الإثني في تعريفات اليهودية والهوية اليهودية بالماضي والحاضر بواسطة مواد تاريخية وجغرافية. ويشير إلى أن الجميع تقريبا يدركون أن اليهود ليسوا عرقا نقيا عتيقا بدأ يعود لوطنه بعدما توقفت الشعوب عن استضافته.

ويوضح أن اختلاق أسطورة اقتلاع الشعب اليهودي من "وطنه الموعود" جاء لأن الجماعات الدينية التي ينتشر أتباعها في المعمورة لم تمنح يوما الحق بالتملك على وطن محدد المعالم الجغرافية. علاوة على قراءة التاريخ يرسي الباحث رؤيته على المنطق الإنساني والقيمي، ويقول إنه لم يخطر بباله أن يملك شعب مهاجر حقا بملكية أرض لم يسكنها 2000 عام فيما يحرم من هذا الحق من هم عليها بشكل متواصل منذ قرون كثيرة.

ويتساءل بسؤال استنكاري هل يعقل أن يطالب العرب بالاستيطان في شبه الجزيرة الأيبيرية وإقامة دولة إسلامية فيها لأن آباءهم طردوا منها عقب الاسترداد؟

ويؤكد زند أنه لم يقبل يوما فكرة "الحقوق التاريخية لليهود في البلاد الموعودة" كشيء مفهوم ضمنا، مشددا أن "العودة الصهيونية" اختراع استهدف استمالة تأييد العالم الغربي خاصة المسيحي البروتستانتي، ويتابع "مثل هذا المشروع يعني بالضرورة مساسا بالسكان الأصليين المستضعفين، فالصهاينة لم يصلوا يافا كما هاجروا ملاحقين للندن أو نيويورك أي العيش بشراكة مع جيرانهم الجدد السكان القدامى، بل جاؤوا أصلا لإقامة دولة يهودية سيادية في فلسطين رغم الأغلبية العربية فيها ولم يكن ذلك ممكنا دون تهجيرها".

بعد سنوات من دراسة التاريخ ينفي زند وجود شعب يهودي تم إجلاؤه من فلسطين، ويقول إنه ليس صدفة أن اليهود اليمنيين يشبهون اليمنيين المسلمين ويقدم أمثلة مشابهة أخرى.

ويؤكد الكاتب أن اليهود -ورغم أنف اللاساميين- لم يكونوا يوما عرقا إثنيا واحدا غريبا وصل من بعيد، إنما هم  جزء لا يتجزأ من سكان كل المواقع التي سكنوها قبل ظهور المسيحية والإسلام.

ويعتبر أن الصهيونية لم تنجح ببناء وطن يهودي عالمي إنما فقط "أمة إسرائيلية" وهي، "لسوء الحظ"، تواصل التنكر لوجودها منوها بأن أغلبية اليهود ما زالوا يقيمون خارج إسرائيل.

ويشدد على أن الصلات الوجدانية الدينية لليهود مع البلاد لا تمنحهم حقا عصريا بالتملك عليها أو فيها. ورغم الفوارق برأيه يفاضل زند بين إسرائيل وبين الصليبيين الذين لم يكن لديهم هم أيضا الحق التاريخي بتملك الديار المقدسة رغم الصلة الدينية العميقة معها.

إضافة إلى كل ذلك يستذكر الكاتب أن إغلاق الولايات المتحدة أبوابها أمام المهاجرين دفع اليهود في العقود الأولى من القرن العشرين للهجرة لفلسطين، ويتابع جازما "لولا تلك السياسة الأميركية لما قامت إسرائيل".

ويشير إلى أن اليهود مثلما لم يطردوا من فلسطين عنوة في القرن الأول فهم لم يعودوا بمحض إرادتهم لها، ورغم كونه مؤرخا مختصا بدراسة الماضي لا يتردد بالتنبؤ بالمستقبل، فيقول: أسطورة الطرد والعودة التي كانت ساخنة في القرن العشرين عقب اللاسامية الغرائزية من شأنها أن تبرد في القرن الحالي.. شريطة ألا تواصل إسرائيل فعل كل ما بوسعها لإيقاظ اليهودفوبيا وتخلق ذعرا جديدا".

مصطلح "أرض إسرائيل" يعني بالعبرية الأرض بين البحر وبين نهر الأردن, وفي الماضي غير البعيد شمل مناطق واسعة شرقي النهر

أسماء أرض الآباء
ويوضح زند أن مصطلح "أرض إسرائيل" الذي لا يتطابق مع منطقة نفوذ إسرائيل يعني بالعبرية الأرض بين البحر وبين نهر الأردن، وفي الماضي غير البعيد شمل مناطق واسعة شرقي النهر.

ويقول إن من لا يعايش اللغة العبرية يستصعب فهم وزن وأهمية المصطلح بالوعي الإسرائيلي، منوها بأنه يشكّل رمزا لغويا خطابيا يحتوي على كل فروع الإنتاج الثقافي من كتب التعليم حتى الأدب، منوها بمحاولة استبدال فلسطين بـ"أرض إسرائيل" بلغات أجنبية أيضا.

على خلفية ذلك، يتابع زند "لا غرو أن الإسرائيليين مقتنعون بأن هذا المصطلح الاستحواذي الذي لا يدع شكا حول هوية وملكية البلاد هو مصطلح أبدي منذ حازوا على الوعد الإلهي".

بالمقابل يشير إلى أن التاريخ يمكن أن يؤدي دورا ساخرا خاصة في مجال استحداث التقاليد اللغوية، وينوه بأن "أرض إسرائيل" في التوراة مثلا لم تشمل القدس وبيت لحم والخليل، إنما فقط السامرة. موضحا أنه بسبب انقسام اليهود وقتها بين مملكتي يهودا والسامرة لم يبتكر مصطلح جغرافي جامع، فبقيت التسمية الفرعونية للبلاد "أرض كنعان" هي السائدة في الكتب التوراتية.

كما يذكر أن المفهوم الجغرافي التوراتي للبلاد يتطابق مع شهادات أخرى من تلك الفترة القديمة، مشيرا إلى عدم وجود مصدر يحمل مصطلح "أرض إسرائيل" كمساحة جغرافية معروفة ومعترف بها.

ورغم ذلك فإن هذا "الماضي اللغوي الشرير" لا يزعج الباحثين الإسرائيليين الذين يستنسخون المفارقة اللغوية دون ترّدد.

ويتفق زند بذلك مع البروفسور يهودا إليتسور، الباحث الكبير في التوراة، الذي يقول إنه كما هو الشعب جماعة إثنية أبدية وغير متغيرة هكذا هي البلاد أيضا، فهي ماهية ثابتة واسمها أيضا.

ويشير إلى أن مصطلح "أرض إسرائيل" كواحد من تسميات المكان الكثيرة في التقاليد اليهودية (الديار المقدسة، أرض كنعان، أرض صهيون... إلخ) قد كان في البداية اختراعا مسيحيا دينيا لا سياسيا.

مرجحا أن المصطلح ظهر وقتها لأن المسيحيين الأوائل عرفوا أنفسهم كـ"أبناء إسرائيل" لا كيهود، ومن غير المستبعد أن تسمية "أرض إسرائيل" أدخلت للنص القديم في مرحلة متأخرة.

ويؤكد زند أن التسمية الدينية "أرض إسرائيل" تمت صياغتها وصقلها كمصطلح جيوسياسي واضح فقط في القرن العشرين.

ويذكر أن الصهيونية الاستيطانية قد استلت المصطلح من التراث الديني بغية محو فلسطين كتسمية كانت مقبولة في العالم ولدى الجيل الأول من القيادات الصهيونية، وصاغته كرمز لملك حصري بلغة المستوطنين الجدد.

ويتابع "هذه الهندسة اللغوية الناجحة التي كانت جزءا من بناء الذاكرة وشملت عبرنة أسماء مواقع البلاد أتاحت القفز المدهش عن الزمن اللايهودي الطويل للمكان. إن تسمية المكان باسم ملكية لا تشمل أغلبية السكان سهّلت رؤيتهم مؤقتين يقيمون على أرض ليست لهم: أرض بلا شعب طالما كرسّت لشعب بلا أرض".

ويوضح الكتاب أن فك لغز هذه الصورة المركزية الكاذبة صاحبة الأصول المسيحية الإنجيلية يتيح فهما أفضل لنشوء حالة اللجوء في حرب 1948، وفهم تجديد المشروع الاستيطاني بعد 1967.

وقد عبر رئيس حكومة إسرائيل الأول دافيد بن غوريون عن رؤية الكاتب على طريقته بدعوته عام 1949 لطمس التسميات العربية للمكان بدوافع سياسية، لافتا لضرورة عدم الاعتراف بملكية العرب الروحية للمكان وبتسمياته مثلما لا يعترف بملكيتهم السياسية.

ويكشف أن مؤلفه هذا يرمي لتفكيك مبدأ "الحق التاريخي" والروايات القومية المرافقة والرامية لمنح شرعية أخلاقية  لقضم الحيز والاستحواذ عليه.

يرى الكاتب أن المشروع الاستيطاني الصهيوني لم يخلق في المنطقة طبقة استعلائية استعمارية استغلالية فحسب, بل مجتمعا وثقافة لا يعقل اقتلاعهما لأن ذلك غير واقعي ويسبب كوارث جديدة

ويرى أن كتابه هذا انتقاد للكتابة التاريخية الرسمية وتعقب للثورة التي أحدثتها الصهيونية لليهودية الآخذة بالانحسار، ويتابع "طالما رافقت الثورة القومية اليهودية بالمعتقدات اليهودية عملية توظيف أدواتي متنامية للكلمات والقيم والرموز والأعياد والطقوس اليهودية. لقد احتاجت الصهيونية منذ البداية إلى حلة دينية بهدف صيانة حدود الجماعة الإثنية ولاكتشاف حدود "أرض الآباء" وتشخيصها".

بالمقابل يوضح الكاتب رؤيته البراغماتية الواقعية، ويقول إن الكتاب -ورغم مزاعمه المناهضة للصهيونية- لا يشكك في حق الإسرائيليين اليهود المعاصرين بالعيش في إسرائيل كدولة ديمقراطية مفتوحة ولكل مواطنيها، مثلما لم يتنكر للرابطة الدينية العميقة للمؤمنين اليهود بالبلاد، منوها بأنه ليس هناك أي علاقة سببية أو أخلاقية ملزمة بين الإشارتين.

ويبرر رؤيته هذه بالقول إن المشروع الاستيطاني الصهيوني لم يخلق في المنطقة طبقة استعلائية استعمارية استغلالية فحسب، بل مجتمعا وثقافة لا يعقل اقتلاعهما لأن ذلك غير واقعي ويسبب كوارث جديدة. وبرأيه لا يمكن السير للخلف في مسار الزمن لكنه يدعو للاعتراف بالنكبة الفلسطينية التي سببتها الصهيونية وتسديد ثمن باهظ لمن تحولوا للاجئين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك