زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني

عرض/ زياد منى

يعد الكاتب متخصصا في العلوم السياسية وعلى نحو خاص في السياسة الخارجية الأميركية، ودول في مراحل الانتقال. أستاذ محاضر في جامعة كولومبيا ومؤسس "مجموعة يوريشا/Eurasia Group" ورئيسها، وهي مؤسسة قيادية متخصصة في أبحاث واستشارات متعلقة بالأخطار السياسية العالمية.

المجموعة تقدم استشارات للمؤسسات النقدية والشركات والحكومات والزبائن ومعلومات وتبصُّر عن تأثير التطورات السياسية في الأسواق. والهدف، كما يرد في موقع المجموعة في الإنترنت، مساعدة الزبائن على توقع عدم الاستقرار والاستجابة له وكذلك الفرص المتاحة في كل البقاع التي يمارسون فيها أعمالهم.

قالوا في الكتاب
الاقتصادي الأميركي من أصل إيراني يهودي، نوريل روبيني، الذي يعمل أستاذًا محاضرًا في جامعة نيويورك، قال عن الكتاب "متألق ولا يمكن الاستغناء عنه". نوريل عمل في صندوق النقد الدولي والمصرف المركزي الأميركي المسمى "الاحتياطي الاتحادي" والبنك الدولي، إضافة إلى عمله مستشارًا اقتصاديًا في إدارة الرئيس الأميركي الأسبق كلينتون. مع أنه اتهم بسوداوية النظرة، إلا أن توقعاته الاقتصادية أثبتت صحتها، وفي مقدمة ذلك انهيار سوق العقارات في الولايات المتحدة.

صحيفة "وول ستريت جورنال" المتخصصة بالاقتصاد قالت في الكتاب "ساحر"، ومجلة "الإيكونومست" البريطانية قالت عنه: على كل مهتم حقًا بالأزمة الحالية أن يمر على هذا الكتاب.

-الكتاب: نهاية السوق الحر، من يربح الحرب بين الدول والمؤسسات (مع ملحق جديد).
-المؤلف: إِيان برِمَّر.
-عدد الصفحات: 240
-الناشر: بُرتفُليُ بنغوِن. الولايات المتحدة الأميركية، المملكة المتحدة.
الطبعة: جديدة 2012

الخلفية
انطلاقًا من عمل الكاتب مستشارًا اقتصاديًا ذا صيت عالمي للاستثمارات، فمن المتوقع أن يكون المؤلف مدافعًا عن النظام الرأسمالي كما نراه في الولايات المتحدة، حتى قبل الأزمة المالية العالمية التي أجبرت إدارة أوباما على التدخل لإنقاذ العديد من المصارف، وهو ما يعد، وفق النظرة النيوليبرالية، مخالفا لقوانين اقتصاد السوق (أي: النظام الرأسمالي) وفق الرؤية الأميركية (الليبرالية الجديدة-النيوليبرال).

دعاة النظام الرأسمالي في أوروبا يعترضون على الأنموذج الأميركي الذي يطلقون عليه "الرأسمالية المنفلتة العقال" التي لا كوابح لها وتسير وفق قوانين السوق فقط، بسبب افتقارها للجانب الاجتماعي مما يجعلهم يعدون أنموذجهم الرأسمالي أكثر إنسانية.

الكتاب
من الممكن القول إن الكتاب يتعامل مع مسألتين رئيستين هما صعود رأسمالية الدولة (بحسب المؤلف)، وتحديات النظام الجديد وكيفية مواجهته.
القسم الأول، يضم في ظننا أربعة فصول هي:
1- صعود النظام الجديد.
2- تاريخ مختصر للرأسمالية
3- رأسمالية الدولة: ما الجديد وكيف حدثت؟
4- رأسمالية الدولة في مختلف أنحاء العالم.

أما القسم الثاني فيضم الفصلين الأخيرين وهما:
5- التحدي.
6- مواجهة التحدي.

وقد أثرى المؤلف هذه الطبعة الجديدة بملحق يحوي الأقسام التي ذكرها "رأسمالية الدولة في الولايات المتحدة؟"، "رأسمالية السوق الحر لم تفشل"، وأخيرًا "التحدي الأكبر".

لا شك في أن الكاتب ينطلق من بدهية فكرية يمثلها هو وكل دعاة "السوق الحر" ومفكري هذا النمط الاقتصادي السياسي، وهي أنها الأمثل والأفضل للبشرية. منطلق الكاتب، المدافع عن "السوق الحر" أن هذا الطريق كفل التطور الاقتصادي، وبالتالي التكنولوجي في الولايات المتحدة، مما منحها الموقع الريادي الحالي في العالم.

الكاتب يعتبر السوق الحر هو الأمثل والأفضل للبشرية, من منطلق أن هذا الطريق كفل التطور الاقتصادي، وبالتالي التكنولوجي في الولايات المتحدة، مما منحها الموقع الريادي الحالي في العالم

دفاعه غير النقدي عن رأسمالية السوق الحر لا ينحصر في الجانب الاقتصادي التكنولوجي فقط وإنما السياسي أيضًا، فهو يرى أن هذا النظام هو ما أنتج النظام السياسي في الولايات المتحدة والذي يرى أنه "أرض الميعاد"، وعلى دول العالم وشعوبه الاقتداء به وتطبيقه.

لسنا من أنصار الاقتصاد الرأسمالي، لكننا في الوقت ذاته لسنا بصدد انتقاده أو انتقاد الكاتب على مواقفه. هذه ليست مهمة مراجعتنا. مهمتنا هنا، كما نراها، لفت انتباه القارئ إلى أمور مهمة وردت في الكتاب، وفي مقدمة ذلك ربطه بين رأسمالية الدولة والنظم السياسية التي تتبنى هذا النمط والتي يعدها شمولية.

وقد ركز المؤلف على مجموعة من الدول هي: المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، مصر، الجزائر، أوكرانيا، روسيا، الهند، إفريقية (مثلاً: جمهورية جنوب إفريقيا، نيجيريا)، المكسيك، البرازيل، جنوب شرقي آسيا (مثلاً: فيتنام، إندونيسيا، ماليزيا) والصين.

قبل استعراض بعض ما جاء في مسحه لبعض الدول العربية، وهي التي تهمنا في عرضنا هذا لأنها تلامس الواقع المعايش وبالتالي الأقرب إلينا، يلاحظ المؤلف وجود تباين في كيفية صعود رأسمالية الدولة في بعض الدول. ففي روسيا، يرى أن سبب الصعود هو فشل الانتقال من النظام الاقتصادي المبرمج، أي الشيوعي، إلى نظام السوق (وذلك تم في عهد بوريس يلتسين)، مما أدى إلى إفقار طبقات واسعة من الناس الذين طالبوا بعودة الدولة إلى ممارسة دورها في الاقتصاد، وهذا ما حصل وقاد إلى صعود فلاديمير بوتين.

صعود رأسمالية الدولة في الصين كان مختلفًا حيث قادته الدولة، وبالتالي الحزب الشيوعي الحاكم، لأن الاقتصاد المبرمج أو المسير، فتح ثغرات كثيرة في المجتمع مما قاد إلى القناعة بضرورة الاستفادة من "اقتصاد السوق" لسد تلك الثغرات.

اعتراض المؤلف الرئيس على "رأسمالية الدولة" هو أن الدولة، وتحديدًا الطبقة الحاكمة، سواء كانت حزبًا أو شخصًا أو عائلة، تستخدم الاقتصاد لغايات سياسية. المقصود بذلك أن القرارات الاقتصادية لا تتخذ من منظور الحاجات الاقتصادية وإنما من منظور سياسي، هدفه تثبيت موقع الحاكم أيًا كان اسمه أو صفته كما سنرى لاحقًا.

إضافة إلى ذلك، فإن الكاتب يرى أن رأسمالية الدولة تعطل عولمة الاقتصاد العالمي، والذي يعني، في ظننا، هيمنة الاقتصادات الكبرى على الدول الصغيرة والضعيفة، وتحويلها بالتالي إلى مستعمرات (جديدة). الكاتب لا يبدو أنه يكترث بهذا الجانب لأنه ينظر إلى المسألة الاقتصادية من موقع فكري متخندق.

على أي حال، الكتاب دليل لكل المؤسسات والأشخاص والحكومات التي تفكر في الاستثمار في بعض دول العالم. هنا سوف نغطي ببعض التفاصيل كلاً من السعودية والإمارات العربية المتحدة لأنهما الأقرب إلينا، كقراء عرب. مثلا كلٌّ من مصر وليبيا لم تعودا صالحتين بعد التطورات الأخيرة هناك حيث على المرء انتظار ما ستؤول إليه الأمور الاقتصادية السياسية في البلدين، إن بقيا أصلاً.

السعودية
يرى الكتاب أن رأسمالية الدولة هو الشكل الأكثر مناسبة لها حيث ترى الأنظمة الشمولية أن التغيير قادم لا محالة، وفي محاولة منها لتفاديه فإنها تعمل على التدخل في الاقتصاد لتحقيق أهداف سياسية.

يرى الكاتب أن رأسمالية الدولة هو الشكل الأكثر مناسبة للسعودية حيث ترى الأنظمة الشمولية أن التغيير قادم لا محالة، وفي محاولة منها لتفاديه فإنها تعمل على التدخل في الاقتصاد لتحقيق أهداف سياسية

وهنا يعطي الكاتب مثال إنشاء "مدينة الملك عبد الله الاقتصادية" وهو مشروع كلفته عدة مليارات من الدولارات، ومن المقرر أن ينتهي العمل فيه في عام 2020 وفق الصفحة الخاصة بالمشروع على "الإنترنت".

والكاتب يرى أيضًا أن العائلة الحاكمة في السعودية تعمل على إطالة عمرها في السلطة عبر استخدام عائدات البلاد من النفط لابتياع ولاء مواطنيها، حيث مقدار استفادتهم من مجمل ثروة البلاد أقل منه مقارنة بمدخول الفرد في كل من الكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر. وحتى تتمكن العائلة الحاكمة في السعودية من الاستمرار في ابتياع ولاء المواطنين، فإنها في حاجة إلى مدخول كبير ومستمر، وهذا لا يتم إلا عبر احتكارها امتلاك مصادر الدخل.

وإذا ما التفت المرء إلى القطاع الخاص في السعودية، والذي يمثل نحو 45% من الناتج الاقتصادي المحلي، فإنه يعتمد على نحو كبير على دعم الحكومة (مثلاً دعمت القطاع المصرفي الخاص بحوالي خمسة مليارات دولار عقب الأزمة المالية العالمية).

ومن دون الدخول في تفاصيل مطولة، نشير إلى أن الكاتب قام بمعاينة دور شركات كبرى أخرى ومنها أرامكو (التي تملكها الدولة وتتبع الملك مباشرة) وشركات البتروكيماويات المسماة "الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك)"، و"مجموعة العليان" التي تضم نحو خمسين شركة تنشط في مختلف المناحي الاقتصادية و"مجموعة بن لادن" للمقاولات، حيث يرتبط أصحاب هذه الشركات بعلاقات وثيقة بالعائلة الحاكمة.

وثمة شركات خاصة أخرى في السعودية يملكها أفراد أعضاء في العائلة الحاكمة ومنها على سبيل المثال "شركة المملكة القابضة" وهي الأكثر نجاحًا ويديرها الأمير الوليد بن طلال آل سعود.

الإمارات العربية المتحدة
تختلف دولة الإمارات العربية المتحدة عن بقية دول رأسمالية الدولة من حيث كونها دولة لامركزية تتمتع كل إمارة فيها باستقلال كبير، والكاتب يركز على كل من دبي وأبو ظبي المركزين الأكثر فعالية في الاتحاد.

دبي، الدولة-المدينة، تفتقر إلى النفط (انخفض مقدار عائداتها النفطية في الناتج القومي من الثلث في التسعينيات إلى نحو 5% في عام 2009) مما أقنع حكامها من آل مكتوم بضرورة البحث عن مصادر أخرى حيث تم تحويلها إلى قطب للاستثمارات والسياحة الدولية، وبنجاح كبير ملحوظ، مما منحها مقدرة على منافسة الطرف الأقوى في الاتحاد، أي إمارة أبو ظبي.

الوضع الاقتصادي في دبي لا يختلف كثيرًا عن رديفه في السعودية حيث يمتلك حاكمها، محمد بن راشد، معظم الشركات العاملة هناك. وحتى يتمكن من ممارسة دوره الاقتصادي قام، ودومًا حسب الكاتب، بتأسيس شركة يملكها هو هدفها الوحيد ابتياع الشقق الفخمة، التي هي أيضًا ملكه.

القطاع الخاص تسيطر عليه على نحو حاسم شركات يملكها أعضاء في العائلات الحاكمة في الإمارات السبع

وفي إمارة أبو ظبي التي تحكمها عائلة آل نهيان، الأمر لا يختلف حيث يسيطر الحاكم هناك، الشيخ خليفة بن زايد بالشراكة مع أخيه غير الشقيق، ولي العهد محمد بن زايد، على الحياة الاقتصادية في الإمارة، عبر ما يسمى (UAE Offset Group) وهو تجمع لبضع عشرات من الشخصيات المرتبطة بالعائلتين الحاكمتين في كل من أبو ظبي ودبي، علمًا بأن الأخيرة عانت ما عانت من أزمة اقتصادية خطيرة اضطرتها للاعتماد على نحو أكبر على أبو ظبي التي قدمت لها مساعدات مشروطة لتجاوز الأزمة.

أما القطاع الخاص فتسيطر عليه على نحو حاسم شركات يملكها أعضاء في العائلات الحاكمة في الإمارات السبع. فعلى سبيل المثال، يملك ولي عهد أبو ظبي "شركة مبادلة للتنمية" إضافة إلى شركة "الدار" العقارية، والتي يبلغ مقدار مجمل موجوداتها نحو أربعين مليار دولار. أما أمير دبي، الشيخ محمد بن راشد فيملك كلاً من شركة "نخيل" و"إعمار" اللتين عادتا على الإمارة بدخل مقداره نحو خمسين مليار دولار سنويًا قبل الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة.

خاتمة:
الكتاب دفاع ممنهج عن الشكل الأميركي للنظام الرأسمالي، يحوي تفاصيل كبيرة ومهمة عن دول أخرى ذكرناها، ومن غير الممكن متابعتها في هذا العرض المقتضب حيث آثرنا التركيز على دولتين عربيتين هما الأكثر شهرة من ناحية الثراء.

لا يبدو أن المستقبل يحمل في طياته حلاً لمشكلة التضاد بين "السوق الحر" و"رأسمالية الدولة"، فصعود دول "البريكس" والأزمات المستمرة التي تواجه النظام المالي العالمي ستقود حتمًا إلى تغيرات أساس في بنية الاقتصاد العالمي من غير السهل التنبؤ بها. مع هذا يبقى هذا الكتاب مرجعًا مهمًا لكل من يرغب في معرفة مسار الاقتصاد العالمي في أيامنا، مكتوب بلغة سلسلة مما يجعل قراءته متعة حقيقية، أيضًا لغير أهل الاختصاص.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك