عرض/ مصطفى فؤاد

"الرجال أنواع، فهناك رجل يعيش لنفسه لا تتجاوز اهتماماته دائرة ذاته، وإن هو فعل فقد يتجاوزها إلى دائرة أسرته وأقاربه الأدنين، وهناك رجل يعيش لطائفته أو جماعته أو حزبه وفئته أو أهل مدينته وقريته لا يجاوزهم باهتماماته، وهناك من يعيش لشعبه وقومه، وكل هؤلاء لهم مجالاتهم الحيوية، ونستطيع أن نقدر لهم اهتمامهم. لكن الرجال المتميزين هم أولئك الذين يسميهم الإنسان "رجال أمة"، وهو مقتنع تماما بأنه لا تثريب عليه في ذلك، الرجال الذين تتمنى كل أمة أن يكون فيها عدد غير قليل منهم هم أولئك الذين يوصفون بأنهم "رجال أمة".

-الكتاب: حوارات الشيخ الغزالي.. السيرة والمسيرة
-المحاورون: أ.د . محمد كمال إمام، أ.د. محمد عمارة، أ. فهمي هويدي، وآخرون
-تقديم: أ.د. طه جابر العلواني
-عدد الصفحات: 262
-الناشر: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع, القاهرة، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي, أميركا
-الطبعة: الأولى: 2012م

ورجل الأمة هو رجل يعيش لأمته كلها مهما بلغ عددها وترامت أطراف ديارها، يؤرقه كل ما يسوؤها، ويسعده كل ما يسعدها، وهؤلاء قلائل ونوادر إذا ظهر عدد منهم في عصر فما أسعد الأمة بذلك، فهم مصابيح الدجى، يعيشون للأمة وبها يسددون خطاها، وينيرون سبلها، ويحرصون على نهضتها، ويعملون ليل نهار على إقالة عثرتها إذا عثرت.

والشيخ محمد الغزالي (يرحمه الله تعالى) واحد من هؤلاء، فهو رجل أمة ورجل بأمة عبر الأعوام السبعة والسبعين التي عاشها. حمل في ذهنه وعقله وقلبه هموم الأمة ومشاكلها، وخاض معاركها الفكرية، وعمل على نهضتها، وأرقته مشاكلها وقضاياها".

بهذه الكلمات، قدم الأستاذ الدكتور طه جابر العلواني لكتاب "حوارات الشيخ الغزالي.. السيرة والمسيرة"، الذي يشتمل على عدة محاورات مع الشيخ محمد الغزالي، عن سيرته الذاتية وأهم مؤلفاته وتجربته في الدعوة والإفتاء، كما يتضمن تعريفا بتجربة الشيخ مع التيارات الإسلامية المعاصرة وقضية المرأة وقضية الفنون.

وقد تحاور مع الشيخ الجليل بعض كبار مفكري الأمة حول قضايا لها أهميتها في مسيرة الشيخ العلمية والدعوية، كما أن لها أهميتها في حياة أمتنا الإسلامية.

الشيخ محمد الغزالي.. سيرة حياة
المحاور: أ.د. محمد كمال إمام

في هذا الفصل، تحدث الشيخ الغزالي عن طفولته وصباه وفترة الكتاب وفترة الدراسة بالأزهر في الإسكندرية، والمرحلة الجامعية، وتحدث عن شيوخه في الكلية، ثم عرف بأسرته، ودور زوجته في حياته، وعلاقة أولاده بفكره، وعلاقته بالشيخ شلتوت والشيخ (محمد أبو زهرة).
 
كما تحدث عن ضرورة التقريب بين المذاهب الإسلامية، ومن بين ما قال في هذا "إذا كان أعداؤنا يريدون أن يطحنوا الأمة الإسلامية، ويديروا على قلبها الرحى، وأخذوا فلسطين ابتداء لما بعد فلسطين، فإسرائيل الصغرى تمهيد لإسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل، فهل يصح أن يتجمع هؤلاء ويردموا الفجوات التي بينهم ويتناسوا المحن الأولى ويشغلهم بناء مستقبل مهم، ونبقى نحن نتقاتل مع مخلفات تاريخية قديمة. لا شك أن العلاج يحتاج إلى شيء من اللباقة وسياسة تجمع بين العقل والعاطفة، ولا بد أن يكون الزمن جزءا من العلاج...".

مؤلفات الشيخ محمد الغزالي
المحاور: أ.د. محمد عمارة

في هذا الفصل، جاء على لسان الشيخ الغزالي قوله "وجدت أن الغرب يريد استغلال الأخطاء التي نقع فيها، فهو يريد تجريد الإسلام وحده من الدولة، في وقت يجعل الدين دولة في فلسطين. هذه معاملة يظهر فيها الغرض وهو تجريد الدين من المعاني الاجتماعية التي نعرفها نحن فيه، وهي جزء من كيانه، لكي يجيء بالعلوم الإنسانية لتحل محل الدين في هذا الأمر، والعلوم الإنسانية -كما صورها- تنبع من بيئة إلحادية، فـ"دوركايم" في علم الاجتماع يرى أن الدين ظاهرة غبية، و"فرويد" في علم النفس يرى أن الكبت خطر وأن العقل الباطن لا بد أن ينفس عنه، وهو (فرويد) -كما نعلم عنه- أكبر مريض في التاريخ، ولهذا بدأت أتعصب في جعل الدين دولة ولجعل المجتمع دينًا والإسلام هو الإسلام".

الشيخ محمد الغزالي والفتوى
المحاور: أ.د. جمال الدين عطية

إقامة الحدود مسألة خطيرة تحتاج إلى حكم مستقر ونظام قائم، وأنا لا أحتاج إلى إقامة الحدود في بيئة ضيقة

تحدث الشيخ الغزالي في هذا الفصل عن مسألة إقامة الحدود قائلا "إقامة الحدود مسألة خطيرة تحتاج إلى حكم مستقر ونظام قائم، وأنا لا أحتاج إلى إقامة الحدود في بيئة ضيقة، فحتى دعونا نشبه بيئة الجاهلية قبل نزول الإسلام، يترك الإنسان حتى يتوب إلى الله، وإذا تاب إلى الله سقط عنه الحد، ولكن أن تتجمع فئة من الناس حتى تقيم حدود الله، وغالبا يكونون أصحاب عقول محدودة فهذا باب للفوضى، أنا لا أريد أن أكون من أحد الفريقين، لا الذي يعد ولي الأمر هو الحاكم الإسلامي الذي أمر الإسلام بالاستكانة إليه والصدور عنه وإعطائه الحقوق، ولا كذلك أذهب فأقيم حاكما محليا من تلقاء نفسي وأرتبط به. الأمر يحتاج في هذه الحال إلى رجل يعطي كل حالة ما تستحقه.

الشيخ محمد الغزالي والتيارات الإسلامية المعاصرة
أ‌. فهمي هويدي

يشرح الشيخ الغزالي هنا معنى الحديث الشريف "تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة"، فيقول: "إن أمراض التدين تقع بين المتدينين لا ينجو منها إلا من عصم الله، وأمراض التدين تكون ناشئة عن حب الجدل واتباع الهوى أو الانقياد إلى شهوة من الشهوات، فتجعل الإنسان يحكم هواه في هدى الله فيفهمه فهما رديئا، وطبعا الاختلافات ليست متساوية، فهناك اختلافات في الأحكام التي تكون على هامش العقيدة، وهناك اختلاف في الأحكام التي تكون فرعية، ليست لدى المسلمين اختلافات عقائدية -كما تسمى الآن- فكلهم يؤمن بالله الواحد وبرسالة محمد وبلقاء الله وبالأركان الخمسة، فلا أظن أن أحدا من هؤلاء يكون فرقة في النار باختلافه فيما وراء هذا، إنما النية تدخل بيقين في الحكم على الإنسان، فإن الجدل يمزق ما بين الأصدقاء فكيف ما بين العوام؟ الجدل الذي لا معنى له،

وفي الحديث "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل"، ورأيت بنفسي أن بعض الأصدقاء يتجادلون فيفسد الجدل ما كان بينهم، والمقصود أن كلا منهم يشبع رغبته في أن ينتصر ويغالب الآخرين، فإذا دخل هذا في دين الله فإنه يفسده".

الشيخ محمد الغزالي والإخوان المسلمون
المحاور: أ.د. جمال الدين عطية

وفي حديثه عن الإخوان المسلمين يقول الشيخ الغزالي "والواقع أن الإخوان المسلمين عندما قلت إنهم مجددو القرن الرابع عشر كنت أقصد ما أقول، فإن الإخوان في الأزهر والجامعات كلها وفي المدارس كانوا شبابا طليعة يحترمهم الكل ويستريح لهم الكل، ثم كان لا بد أن أعرف بشيء هنا، فالأزهر كان موجودا، وكان هناك متدينون ولكنه كان تدين ميراث القرون التي عاشت الهزيمة وانسحبت من الحياة، كان هناك تدين والناس المتدينون عندما كانوا يريدون ترجمة تدينهم فكانوا يقيمون جماعات كجماعة تكفين الموتى وجماعة لمنع المسكرات. وضحكت عندما رأيت جماعة لإحياء الإسلام، فكان الأزهر يعلم الدروس، وكان شغلنا الشاغل هو ما ضلل المسلمين أمدا طويلا.

كان الأستاذ البنا يحارب في جبهتين، فكيف يفهم المتدينون أن الإسلام إلى جانب أنه عقيدة وعبادة فهو شريعة وجهاد وسيف وتيسير حياة...... الثقافة في التعليم المدني كانت ثقافة مدنية، التعليم الأزهري كانت ثقافته دينية فيها رمق من الحياة، لكن كان أهلها مفروضا عليهم أن يموتوا.

الشيخ محمد الغزالي والفكر الاقتصادي المعاصر
المحاور: أ.د. رفعت العوضي

الاقتصاد الإسلامي أساسه "كن زارعا كن صانعا كن تاجرا، غبر قدميك ويديك ورأسك في كل آفاق الأرض واجتهد في أن تكون منتجا

وفي حديثه عن النظام الاقتصادي الإسلامي، يقول الشيخ الغزالي: الاقتصاد الإسلامي أساسه "كن زارعا كن صانعا كن تاجرا، غبر قدميك ويديك ورأسك في كل آفاق الأرض واجتهد في أن تكون منتجا، فالله (سبحانه وتعالى) قال "هو أنشاكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب" (هود: 61)، وهناك حديث رواه الإمام أحمد (رحمه الله) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل"، لأن هذا ليس للدنيا وإنما للآخرة، لأن كل ما تزرعه يكتب لك، فما يأكل منه أي حيوان أو طير أو إنسان ثواب لك وأداء للرسالة، فالعقل لا بد أن يقدم منهاجه الإسلامي على أساس هائل.

النظم الاشتراكية ضمنت للكسول أن يأخذ، واللعب الآن عندنا بالقوانين جعل عددا كبيرا من العمال لا يزرع الأرض، وهذا خطأ، فهي أمانة عنده لأنها تثمر له ولغيره، فلا بأس عليها أن تنكس ولا يبالي، فلا بد من أن يشرك النظام الإداري الأخلاقي في هذا الضمان. ولا بد من رعاية العجزة، فهناك أناس لا يستطيعون العمل لا بد من رعايتهم، فالزكاة تكون لهؤلاء جميعا.

الإسلام والمرأة
المحاورة: أ. صافيناز كاظم

وفي حديثه عن المرأة، رفض الشيخ الغزالي الرأي القائل بأن الالتزام بالإسلام معوق لتحرر المرأة ومعوق لعملها وسبيل إلى حبسها في البيت، كما رفض الرأي القائل بأن التزام المرأة بالإسلام يحتم عليها أن تمتنع عن العمل، وتجلس على هامش المجتمع وتلتزم بجدران بيتها، وأكد أن كلا الرأيين ليس إسلاما ولا صلة له بالإسلام، إلا كبندول الساعة ذهب إلى أقصى اليمين وأقصى اليسار، والإسلام دين الوسط.

وذكر أن المساواة موجودة بين الرجال والنساء في الإسلام في كل شيء إلا ما كان نوعا من الاستثناء لتحقيق العدالة، بمعنى أن المرأة تأخذ نصف الرجل في الميراث، لأن الأسرة قائمة على الرجل ينفق في البيت ولو كانت امرأته غنية غير مكلفة.

الإسلام والفنون
المحاور: أ.د. جمال الدين عطية

وفي حديثه عن الفن، قال الشيخ الغزالي: الأصل للفن أنه وجدان مفتوح على الكون، إنه قلب اتسعت أقطاره لترى ما في الدنيا مما صنع الله فيها من جمال.

من الممكن أن تتحول الفنون إلى عوامل بناء لا إلى عوامل هدم، وأنا أرفض أن يجيء إنسان فيفرض انسحابه من هذه الدنيا على الناس، ويقول لهم: اتركوا هذه الفنون، لا، لا أتركها

وهناك أناس اتصلوا بالدين من جانب ضيق فيه، وأحبوا ويحبون أن يكون الدين كآبة، ويحبون أن تكون نظرتهم له نظرة فيها ضراء وبأساء، وهذا مرفوض، فإن الله (سبحانه وتعالى) لما شرح لنا علاقة الخلق به لم يشرحها على هذا النحو، بل قال: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون" (الأعراف: 32)، أي هي لهم في الدنيا يشاركهم فيها غيرهم من الكفار، ولكنها تخلص لهم وحدهم يوم القيامة، وبين أن الذي حرمه معروف "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون" (الأعراف: 33).

من غير شك، الفنون ينبغي أن يكون لها مجال في حياتنا، وألفت النظر إلى أن الإباحة هي الأصل في الكون "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا" (البقرة: 29). أنا أرى أنه من الممكن أن تتحول الفنون إلى عوامل بناء لا إلى عوامل هدم، وأنا أرفض أن يجيء إنسان فيفرض انسحابه من هذه الدنيا على الناس، ويقول لهم: اتركوا هذه الفنون، لا، لا أتركها، أنا أحولها إلى ما يخدم مبادئي وأهدافي.

الشيخ محمد الغزالي والجامعات الإسلامية
المحاور: أ.د. حسن الشافعي

وعن رأيه في كثرة إنشاء الجامعات الإسلامية في باكستان وماليزيا والنيجر وغيرها، يقول الشيخ الغزالي: لا بد من التعليم الذكي الخصب لكي نبني أمتنا من جديد. نحن فعلا محتاجون إلى جامعات كثيرة، وأملنا أن تكون هذه الجامعات الري الذي يحيل الأرض الميتة إلى حدائق يانعة، نريد أن يتعلم أبناؤنا كما تعلم آباؤهم من قبل وكانوا أساتذة العالم، ولا ننسى أنه لا قيمة لفتح عسكري لا يصحبه مستوى عال من الثقافة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك