عرض/ أحمد التلاوي

عبر تاريخ لبنان السياسي والاجتماعي، كان لشيعته دور بارز في رسم صيرورات وحركة المجتمع، وكانت لهم كلمة الفصل في الكثير من القضايا المصيرية والمفصلية، وخصوصًا تلك التي مست جوهر الأمن القومي للدولة اللبنانية، مثل الحرب الأهلية والصراع مع إسرائيل.

ويُعتبر حزب الله اللبناني أحد أبرز "الظواهر" السياسية والاجتماعية التي تعبر عن هذه الحالة؛ حيث كان هو الواجهة الأهم، وفي بعض الأحيان الوحيد، في التعبير عن المقاومة اللبنانية ضد إسرائيل، في غضون العقود الثلاثة الأخيرة، وأحد أهم الفاعلين السياسيين والمجتمعيين في الداخل اللبناني أيضًا.

وبين أيدينا كتاب بعنوان "المارد الشيعي يخرج من القمقم.. 30 عامًا من الصراع بين حزب الله وإسرائيل" للصحفي الأميركي نيكولاس بلانفورد، يقدم فيه تشريحًا اجتماعيًّا وسياسيًّا لحزب الله ودوره في لبنان منذ الإعلان عن تأسيسه قبل ثلاثة عقود.

-الكتاب: المارد الشيعي يخرج من القمقم.. 30 عامًا من الصراع بين حزب الله وإسرائيل
-المؤلف: نيكولاس بلانفورد
-ترجمة: حسان بستاني وزينة إدريس
-مراجعة وتحرير: مركز التعريب والبرمجة
-عدد الصفحات: 463
-النَّاشر: الدار العربية للعلوم-ناشرون، بيروت
-الطبعة الأولى: 2012

ويركز فيه بلانفورد، من خلال فصوله الأحد عشر، على ثلاثين عامًا من الصراع بين حزب الله وإسرائيل، وإستراتيجيات عمل الحزب سياسيًّا وعسكريًّا، وخصوصًا في مرحلة ما بعد حرب الصيف 2006، وكذلك المسارات الرئيسية التي استطاع من خلالها حزب الله كسب قلوب وعقول الكثير من شرائح المجتمع اللبناني، وخصوصًا البرامج الاجتماعية والرعائية.

يبدأ الكتاب بتناول إرهاصات ظهور حزب الله، وجذوره الاجتماعية، من جهة أنه كان أحد نواتج الجهود التي قامت بها شخصيات مثل الإمام موسى الصدر والإمام محمد حسين فضل الله في حشد الطائفة الشيعية في لبنان، في مواجهة بعض المظالم الاجتماعية والسياسية التي كانت تتعرض لها، مثل تهميشها اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وعدم نيلها لحظها من الوظائف العامة.

وكانت نقطة البدء الرئيسية لتفكير الشيعة في خلق جبهة موحدة لهم، في مارس/آذار من عام 1974، إثر الحشد الكبير الذي قام به الإمام موسى الصدر للشيعة في الاحتفال بذكرى أربعينية الإمام الحسين (رضي الله عنه) في هذا العام.

كما أن هناك عددًا من العوامل التي رسمت مسار حركة الشيعة في لبنان في تلك الفترة، وهي: الحرب الأهلية اللبنانية، وما رافقها من تدخل عسكري سوري، والثورة الإسلامية في إيران، وبدء قياداتها في البحث عن مسارات لنشر فكر الثورة في المحيط العربي والإسلامي، وأخيرًا الصراع العربي الإسرائيلي، والاجتياحات الإسرائيلية المتكررة للبنان، والتي انتهت بالاحتلال الشامل عام 1982.

ويتتبع المؤلف في الإطار الخيوط الأولى لتأسيس حزب الله، من خلال رسم مسارات حركة رموز وقيادات الحزب، ما بين لبنان والعراق وإيران في أواخر السبعينيات، ومن بينهم حسن نصر الله الأمين العام الحالي للحزب، وعباس الموسوي الأمين العام السابق له، ومحمد يزبك، والذين كانوا مهتمين بلقاء زعماء الثورة الإيرانية، من أجل طرح فكرة تأسيس مقاومة شيعية ضد إسرائيل.

واستفادت الفكرة من الاجتياح الإسرائيلي الثاني للبنان في يونيو/حزيران من عام 1982، من أجل إبعاد منظمة التحرير الفلسطينية عن لبنان، وفرض نظام مسيحي موالٍ لإسرائيل يوقع معها معاهدة سلام.

وفي الفترة التالية للاجتياح الإسرائيلي للبنان، تم تأسيس المنظمة التي كانت نواة لحزب الله، والتي أُريد لها أن تكون مستقلة، وتستند على المرجعية الإسلامية بشكل كامل، بعيدًا عن الأيديولوجيات القومية التي كانت لا تزال سائدة في لبنان والمنطقة العربية في ذلك الحين. وفي البداية لم يكن لها اسم، ولكنها كانت تتخذ من الآية القرآنية الكريمة "فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ" شعارًا لها، وفي مطلع عام 1984 حملت المنظمة اسم "حزب الله"، بقيادة موسوي.

وحاولت المنظمة الوليدة التعاون مع المقاومة السُّنِّية الموجودة في جنوب لبنان، الذي كان بعض شيعته يتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي في المناطق التي أقامت فيها إسرائيل الحزام الأمني. ونفذ حزب الله في ذلك الوقت مجموعة من العمليات استهدفت مراكز للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، من بينها عملية تدمير مقر الحاكم العسكري في صور، التي قتل فيها 75 إسرائيليًا.

بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، تم تأسيس منظمة كانت نواة لحزب الله، وفي البداية لم يكن لها اسم، ولكنها حملت بعد ذلك اسم "حزب الله"، بقيادة موسوي

أما التحدي الأكبر الذي واجهه حزب الله في ذلك الوقت، النصف الثاني من الثمانينيات، فقد جاء من سوريا وحلفائها في لبنان، وخصوصًا حركة أمل بزعامة نبيه بري؛ حيث لم ترض سوريا حافظ الأسد عن هذا المستوى من التغلغل الإيراني في المجتمع الشيعي اللبناني، وعن سلوك حزب الله المؤيد لحركة فتح؛ إذ دعم الحزب الفلسطينيين في المخيمات بالسلاح، ودخل صراعًا مع حركة أمل في المخيمات لإضعافها.

ومن ثَمَّ تعرض الحزب لهجمات متكررة من جانب القوات السورية في بيروت ومناطق أخرى، مع وضوح معاداة حزب الله أيضًا للولايات المتحدة التي كان النظام السوري في ذلك الوقت يحاول مد جسور علاقات معها، وانتهت هذه المرحلة من تاريخ الحزب باغتيال عباس الموسوي، الأمين العام الأول للحزب في 16 فبراير/شباط 1992، وتنصيب حسن نصر الله أمينًا عامًّا للحزب.

صواريخ الكاتيوشا
ويتتبع الكاتب في هذه المرحلة مسارَين أساسيَّين للتطورات التي مر بها حزب الله، عسكريًّا وسياسيًّا؛ حيث كان حزب الله قد بدأ في تلك المرحلة في العمل السياسي العام من خلال المشاركة في الانتخابات التي جرت في لبنان في سنوات ما بعد انتهاء الحرب الأهلية.

في هذه المرحلة، بُذرت بذور العدوان الذي وقع على لبنان في عام 1996. ردًّا على اغتيال الموسوي، عمد الحزب إلى استهداف مؤسسات إسرائيلية ويهودية في العالم، وقام لأول مرة باستخدام صواريخ الكاتيوشا في قصف شمال إسرائيل، مما قلب معادلة الصراع تمامًا بين حزب الله وإسرائيل.

كما أن ثمة عاملاً مهمًا يشير إليه الكاتب في هذا السياق، دفع رئيس الحكومة الإسرائيلي المؤقت في ذلك الحين "شيمون بيريز" إلى شن العدوان على لبنان، وهو المتعلق بالأوضاع السياسية في إسرائيل، والتي تلت اغتيال إسحق رابين على يد عنصر من اليمين المتطرف؛ حيث كانت إسرائيل في حالة غير معتادة من التوتر بسبب واقعة الاغتيال غير المعتادة في التاريخ السياسي الإسرائيلي.
كما كان بيريز الطامح إلى رئاسة الوزراء في إسرائيل، يعد الناخبين بتحقيق الأمن، ومن ثَمَّ كانت صواريخ حزب الله موجهة في الصميم إلى حملته الانتخابية وإلى الجبهة الداخلية بأكملها في إسرائيل.

ويتتبع المؤلف تطورات الأوضاع السياسية والميدانية على مستوى جبهة الجنوب اللبناني وصولاً إلى المحطة التي اتخذت فيها إسرائيل قرار الخروج من جنوب لبنان في ربيع عام 2000.

ويقول بلانفورد في ذلك: إن العوامل الأهم -بجانب التطورات الميدانية التي كان من أهمها عملية أنصاريَّة التي نجح حزب الله فيها في تصفية وحدة العمليات الخاصة في القوات البحرية الإسرائيلية "شاييطيت"- كانت الضغوط السياسية الداخلية والرأي العام في داخل إسرائيل، الذي كان يرى أنها تدفع ثمنًا بشريًّا وسياسيًّا باهظًا نتيجة احتلالها للجنوب اللبناني.

خروج إسرائيل من الجنوب اللبناني لم يعنِ حل مختلف المشكلات ما بين حزب الله وإسرائيل؛ إذ إنه فقط كان مرحلة من مراحل الصراع الذي استمر بصور أخرى

جنوب لبنان
وفي هذا الإطار، يرصد الكاتب عددًا من المعالم التي كانت قد بدأت تطرأ على جبهة الجنوب اللبناني، ومن بينها تراجع مستوى معنويات جيش لبنان الجنوبي العميل لإسرائيل، الذي كان يسيطر على الجيب الحدودي المحتل، وارتفاع الكلفة البشرية والسياسية لعمليات إسرائيل ضد حزب الله.

ولكن الخروج الإسرائيلي من الجنوب اللبناني لم يعنِ حل مختلف المشكلات ما بين حزب الله وإسرائيل؛ إذ إنه فقط كان مرحلة من مراحل الصراع الذي استمر بصور أخرى.

ويورد المؤلف في هذا السياق مجموعة من التعليقات التي وردت على لسان الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وعدد من مقاتلي الحزب، بشأن توقعاتهم بالنسبة لحرب قادمة بين الحزب وإسرائيل، وهو ما تحقق في عام 2006.

ويشير بلانفورد إلى أن التطورات العسكرية على الجبهة اللبنانية مع إسرائيل، تزامنت في هذه المرحلة مع عامل مهم تحكم فيها وفي وتيرة تصعيدها أو تخفيفها، وهو انتفاضة الأقصى الثانية، التي اندلعت في سبتمبر/أيلول من عام 2000، وفرضت الكثير من القيود السياسية على حركة حزب الله في جبهة شبعا؛ حيث رأى رئيس السلطة الفلسطينية في ذلك الحين، ياسر عرفات، أن تسخين جبهة الجنوب اللبناني من شأنه صرف الأنظار عما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وبجانب عامل انتفاضة الأقصى، ظهر هناك عامل آخر شديد الأهمية أثر على حزب الله وخططه العسكرية في تلك الفترة، وهو أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001؛ فقد تم وضع الحزب على لائحة الإرهاب الأميركية، ووضع عدد من قادته، وعلى رأسهم عماد مغنية والطفيلي، على قائمة أهم المطلوبين لدى أجهزة الأمن الأميركية، كما وضعت وزارة المال الأميركية نصر الله وفضل الله على قائمتها الخاصة بتجميد الأصول المالية للعناصر المعادية للولايات المتحدة.

بعد ذلك، يتناول الكتاب قصة الحرب التي اندلعت في يوليو/تموز من عام 2006، التي بدأت بعملية قام فيها حزب الله بأسر جنديَّين إسرائيليين، من أجل مبادلتهما بآخر الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل.

ويركز على مجريات العمليات العسكرية، والتي صعَّد فيها حزب الله من استخدامه لصواريخ الكاتيوشا ضد إسرائيل، وبشكل طال العمق الإسرائيلي، حتى بالقرب من تل أبيب، في العفولة، وهي أبعد نقطة وصلتها صواريخ الحزب خلال الحرب، مع التهديد بقصف تل أبيب، وفي المقابل، دمرت إسرائيل الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله الرئيسي.

ويقول المؤلف: إن إسرائيل خلال الحرب ركزت على أمرين أساسيَّين، بخلاف استعادة الجنديَّين الأسيرَين؛ الأمر الأول هو تدمير مقنن للبنية التحتية اللبنانية واستخدام العنف ضد المدنيين، من أجل خلق بيئة سياسية معادية لحزب الله في لبنان تقيد يده في أي تحرك عسكري مستقبلي ضد إسرائيل، والثاني هو تدمير مراكز البنية التحتية العسكرية والإدارية لحزب الله في بيروت، وفي عيتا الشعب على الحدود مباشرة مع إسرائيل.

هل كانت حرب 2006 هي الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، أم سوف تصدق تنبؤات حسن نصر الله، كما صدقت تنبؤات قيادات الحزب قبل حرب 2006، بأنه لا تزال هناك معركة أخيرة بين الحزب وإسرائيل؟!

تبعات على حزب الله
بعد ذلك يتناول الكتاب تبعات الحرب على حزب الله في الداخل اللبناني، والتحولات التي شهدتها التحالفات السياسية في لبنان في مرحلة ما بعد هدوء جبهة الجنوب، واشتعال جبهة الداخل، كما في مايو/آيار 2007، بسبب الحسم العسكري الذي قام به حزب الله لأزمته مع الحكومة اللبنانية في قضية شبكة اتصالات الحزب.

والسؤال المهم الذي يمكن استخلاصه من خلال كلام المؤلف في نهاية هذا الكتاب هو: هل كانت حرب 2006 هي الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، أم سوف تصدق تنبؤات حسن نصر الله -كما صدقت تنبؤات قيادات الحزب قبل حرب 2006- بأنه لا تزال هناك معركة أخيرة بين الحزب وإسرائيل، ولكنها سوف تكون في إطار إقليمي أوسع، قد يغير شكل السياسة في الشرق الأوسط، ويؤدي إلى وضع نهاية لإسرائيل؟!

الزمن وحده هو الكفيل بالإجابة عن هذا السؤال المهم، مع وضع التداعيات الضخمة لربيع الثورات العربية على الميزان الإستراتيجي لكلا طرفي معادلة الصراع في الاعتبار.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك