عرض/ أحمد حسن علي

لم يكن ظهور وانتشار القنوات الإخبارية الفضائية العربية في التسعينيات مجرد تطور شديد الأهمية في مجال الإعلام، وإنما كان قفزة تاريخية في مجال السياسة العربية كلها؛ نظرًا لدورها وتأثيرها على مختلف جوانب الحياة السياسية العربية، سواءٌ فيما يتعلق بمفهوم سيادة الدولة أو العلاقة بين الدول أو توجهات الرأي العام داخلها، والتحولات السياسية في المنطقة العربية، وتدور هذه الدراسة حول تلك القضايا ومحاولة توسيع نطاق تحليلها ليشمل تكنولوجيا وسائل الإعلام والاتصال والمعلومات المختلفة كشبكة الإنترنت، وميدان هذا الصراع المحتدم هو ثلاثة مباحث تضمها هذه الدراسة على النحو التالي:

أولاً: القنوات الفضائية العربية
يرى عدد من المراقبين أن القنوات الفضائية العربية تملك فيما يبدو القدرة على القيام بدور الأحزاب السياسية في ترسيخ نظم الديمقراطية الفاعلة، وعلى الصعيد الدولي قامت تلك الشبكات بإسهامات هائلة في مجال تدفق الأخبار ونشر الآراء الخاصة بالنزاعات الإقليمية والمشاكل الداخلية على كافة المستويات، لكن إلى أي مدى يمكن للقنوات الفضائية العربية أن تلعب دورًا داعمًا ورائدًا في نشر الديمقراطية العربية؟

-الكتاب: القنوات الفضائية العربية(دور الشبكات الإخبارية العابرة للحدود في التحول السياسي)
-المؤلف: كاي حافظ، وفيليب سيب
-عدد الصفحات: 163
-الناشر: المركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجية – القاهرة
-الطبعة الأولى/ 2011م

في هذا الإطار، يمكن تحليل الوسائل التي تحقق بها تلك الشبكات دورًا سياسيًا ديمقراطيًا ملحوظًا وفاعلاً، ومن أهمها:

1 – الرؤى الفكرية: وسائل الإعلام كبديل للأحزاب السياسية: ترى نظرية التحول الديمقراطي (غير الثوري) أن الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي هما دائمًا حق للنخب السياسية وأحزاب المعارضة، بينما لم يَرَ علماء الإعلام والاتصال أن وسائلهم أيضًا لها دور مهم في الديمقراطية، إلا أنها في نهاية المطاف تعتبر دائمًا تابعة لا قائدة للتغيير الديمقراطي.

وفي ظل هذا الوضع، هناك بديلان فكريان مطروحان للبحث:
- أن ثورة وسائل الإعلام قد اختفت قبل أن تصبح فعالة في المساعدة على تكوين ديمقراطيات جديدة؛ لغياب الصلة بين وسائل الإعلام والأحزاب السياسية.

- من الممكن أن تتولى وسائل الإعلام بعض المهام التي لا تقوم بها الأحزاب السياسية، مثل دمج الإرادة السياسية وتوحيدها وصياغتها، وتعبئة الشعب لعمل سياسي غير برلماني، ومن خلال تلك البدائل.. تصبح أهم وظائف وسائل الإعلام أن ترسخ أجندة التغيير الديمقراطي بأن تصبح صوت الشعب حقًا لا مجازًا.

2– صورة مستقبلية لمتطلبات إصلاح للتليفزيونات العربية العابرة للحدود الوطنية:
قد يبدو منطقيًا الاعتقاد في ظل التغيير الهائل في ثقافة وسائل الإعلام خلال العشر سنوات الأخيرة أن تضطلع بدور وسطي محفز لصياغة رغبة الشعوب العربية تجاه الديمقراطية، وهو دور كان مقصورًا على الحركات والأحزاب السياسية حتى الآن، ومن ثم فإن إصلاحًا لاحقًا للقنوات الفضائية يبدو حتميًا في:

- إصلاح المضمون: يجب توضيح الأجندة الديمقراطية، وتوخي الموضوعية في شؤون النزاعات الإقليمية، وتحسين الصلات بين وسائل الإعلام والنخب خارج وسائل الإعلام والمنظمات والحركات السياسية والشعبية.

- الإصلاح التنظيمي والمنظم: من الضروري إعادة النظر في نتائج نموذج السوق الرأسمالية الخاصة، لا سيما فيما يتعلق بالاتجاهات الشعبية في تقارير الأزمات.

ثانيًا: إعادة ربط العالم
سهلت وسائل الإعلام الجديدة الاتجاهات العابرة للحدود الوطنية في المجال السياسي من خلال تقليص عزلة الحركات المطالبة بالتغيير السياسي وتسهيل وسائل الالتفاف على العقبات التي يخلقها الذين يتولون السلطة
كيف يمكن لتكنولوجيا وسائل الإعلام الجديدة أن تساعد في تغيير السياسة في الشرق الأوسط؟ سؤال قد تبدو إجابته بسيطة ومنطقية؛ فقد سهلت وسائل الإعلام الجديدة الاتجاهات العابرة للحدود الوطنية في المجال السياسي من خلال تقليص عزلة الحركات المطالبة بالتغيير السياسي وتسهيل وسائل الالتفاف على العقبات التي يخلقها الذين يتولون السلطة حاليًا.

من فرض سيادة فكرية تضمن استمرار الوضع الراهن، وتمنع تغلغل الأفكار والأفعال المخالفة! من خلال السيطرة على التكنولوجيا الصاعدة عن طريق إصدار تراخيص لأجهزة الفاكس، ومنع مواقع على شبكة الإنترنت، وإيجاد ملاك طيعين للمحطات التليفزيونية الفضائية.

لكن مثل هذه الإجراءات يمكن الالتفاف عليها، فقد بدأ عدد متزايد من المحطات في البث وتلقي الرسائل النصية للهواتف الخلوية، وتستنبط عبقرية الرأي وسائل جديدة لتجنب قيود الحكومات، ولكن قد يتم النظر إلى حرية الوصول المفتوحة لوسائل الإعلام والنشر السهل لوسائط غير مدروسة باعتبارها ديمقراطية المعلومات، لكن هذه الحرية متوافرة للجميع، بصرف النظر عن نواياهم، فقد يتم إساءة استخدامها، كأن تستخدم كوسائل دعاية فعلية للإرهابيين.

ولكن هناك استخدامًا آخر للإنترنت، وله أهمية سياسية كبرى هو (التدوين)، حيث تعزز المدونات درجة التكافؤ الديمقراطي من ناحية توسيع حرية الوصول إلى الجمهور، والضغط من أجل الإصلاح، وبخاصة في الدول التي حاولت حكوماتها قمع الأنشطة السياسية المعارضة، إضافة إلى أن الرسائل النصية على الهواتف الخلوية تسهل تنظيم المظاهرات، وانتشار المعلومات السياسية، وتعبئة الناشطين سياسيًا، وبخاصة حينما تكون الأحزاب السياسية محظورة أو مقيدة، غير أنه ينبغي الإشارة إلى أن هذه الرسائل قد تؤدي إلى نشر الشائعات وإعاقة عملية التحول الديمقراطي ذاتها.

من ناحية أخرى لا يمكن للمدافعين عن الديمقراطية في الشرق الأوسط تجاهل حقيقة وجود عقبات عديدة يَتَعَيَّنُ عليهم التغلب عليها، ففي مجال تكنولوجيا وسائل الإعلام هناك هوة سحيقة رقمية تتعلق بحرية الوصول إلى الإنترنت في المنطقة مقارنة بمعظم مناطق العالم، وعلى ضوء هذا المسح الميداني يتضح أنه لا يمكن أن تولد الديمقراطية من وسائل الإعلام فقط، فالنظم والمؤسسات نفسها يتعين أن تتغير وتتطور وتتكيف، ويجب ألا نقع في وهم أن القنوات الفضائية يمكن أن تغير المجتمع بشكل دراماتيكي أو تحدث ثورة في مؤسساته.

ثالثًا: الإعلام العربي والتحول الديمقراطي
وعلى الرغم من انتشار استخدام الفضائيات العربية بين جموع العرب، فإن استخدامها لا يزال ترفيهيًا، ولكن توجد إضافات إيجابية في أنها فتحت باب الحوار المجتمعي الموسع في العديد من القضايا غير السياسية، والتي كانت من قبل تعد من المحرمات، وكشفت أمام العقل العربي آفاقًا أوسع للتفكير، ولكن مثل هذا الإنجاز لا يجتذب الباحثين الغربيين، على الرغم من ارتباطه الشديد بمهام التحول الديمقراطي، فعند الحديث عن دور المؤسسات الإعلامية في إنجاز مهام التحول الديمقراطي لا بد أن نضع نصب أعيننا العديد من الحقائق، من أهمها:

- لا يمكن استبعاد هياكل الملكية وخصائص الجمهور والثقافة الاجتماعية والسياسية.

- وسائل الإعلام وحدها لا يمكنها تحمل عبء التحول الديمقراطي في ظل غياب المؤسسات الأخرى في المجتمع أو ضعفها.

لا يمكن أن تكون الفضائيات العربية جامعة لوظيفتي وسائل الإعلام والأحزاب السياسية لعدم استقلاليتها بعيدًا عن قبضة الأنظمة العربية الحاكمة

- الجذور التاريخية للفضائيات العربية قريبة العهد، علاوة على التطورات الأخيرة في تكنولوجيا الاتصال عاملان كان لهما تأثيرهما في صناعة الإعلام في العالم بوجه عام.

- القصور المهني الشديد في أداء التليفزيونات الحكومية في مجال جمع الأخبار وتوزيعها أو نشرها وتداولها.

- الاقتصاد السياسي للفضائيات العربية الذي يغلب عليه الخضوع للحكومات، إما بالتوجيه أو التمويل أو الموالاة.

لا يمكن أن تكون الفضائيات العربية جامعة لوظيفتي وسائل الإعلام والأحزاب السياسية لعدم استقلاليتها بعيدًا عن قبضة الأنظمة العربية الحاكمة، وباستقراء تلك الحقائق مجتمعة يتضح أنه لا يمكن أن تكون وسائل الإعلام بديلاً للنخب والأحزاب والحركات المعارضة.

تدفق المعلومات في العالم العربي
لقد شهدت سنوات الستينيات من القرن الماضي ظاهرتين كان لهما تأثير قوي في صناعة الإعلام ودراسته على السواء؛ الأولى للكندي مارشال ماكلوهان الذي تنبأ بأن تؤدي تكنولوجيا الاتصال إلى إيجاد قرية عالمية، والثانية لكارل دويتش حين قال: إن المعرفة قوة، واليوم بعد أربعة عقود أصبحت عملية التدفق الحر للمعلومات حقيقة وسمة من سمات النظام العالمي الجديد، غير أن الواقع الجديد وإن كان حقق نبوءتي ماكلوهان وكارل ديتش،

فقد جاء أيضًا مخيبًا لآمالهما معًا؛ إذ إن هناك مشكلات كثيرة تجعل تدفق المعلومات أقرب إلى الحقيقة التكنولوجية منه إلى الحقيقة الثقافية في العالم العربي، ولعل أبرز هذه المشكلات كيفية الوصول إلى المعلومات وكيفية استخدام المعلومات المتاحة.

فالوصول إلى قنوات المعلومات الجديدة مكلف اقتصاديًا، ومستوى التعليم والمناخ السياسي والثقافي أقل من أن يوفر إطارًا لاستثمار هذه المعلومات إن تم الحصول عليها!

أما الكيفية التي يمكن بها استخدام المتاح من المعلومات، فهي مشكلة أكثر حدة، فحين تنتشر الأمية التعليمية والنفسية، فإن هذا المناخ يدعم الاتجاه السائد من داخل صناعة الإعلام نحو (تسفيه المعلومات) والتوجه بها نحو الترفيه، وتخدير الإحساس بالواقع بدلاً من محاولة فهمه؛ مما يوفر حالة من السكون العام في المجتمع، ومن هنا يتضح أن تدفق المعلومات في العالم العربي (حقيقة تكنولوجية) أكثر منها (حقيقة اجتماعية وثقافية) بأوسع معنى لهذه الكلمة!

أما (حرية التعبير) فليس هناك ضمان بأن تكنولوجيا الاتصال الجديدة سوف تؤدي إلى عصر جديد مختلف ينطوي على المزيد من حرية التعبير، فهناك المزيد من المؤشرات التي تشير إلى الطريق العكسي، خاصة في ظل عصر الرقابة على المعلومات، فلكل عصر أدواته في الرقابة، خاصة في ظل تنامي القوى المحافظة التي تتربص بحرية التعبير ثقافيًا واجتماعيًا.

العرب يعيشون في كنف دولة حديثة بالمفهوم السياسي للدولة، ولكنهم لا يزالون يعيشون مجتمعات تخضع لنمط من العلاقات الاجتماعية والسياسية التقليدية

ومع هذه الصورة التي تبدو محبطة إلى حد ما، فإن هناك بعض الإيجابيات الناتجة عن التدفق الحر للمعلومات في العالم العربي، وهي وإن كانت بطيئة الخطى، فإنها قائمة بالفعل، ومن هذه الإيجابيات:

- حرية التلقي والانتفاء بين وسائل الإعلام أصبحت حقيقة واقعة في العالم العربي.

- انتهاء عصر الاحتكار الحكومي، خاصة مع توافر القنوات البديلة للمعلومات منذ التسعينيات الماضية، وتقلص الدور الاقتصادي للحكومات في معظم البلدان العربية، في ظل اتجاهات اقتصاد السوق في المستقبل.

- تأثير تدفق المعلومات الملحوظ عبر الحدود العربية في تنامي قوة الرأي العام العربي.

- تغير مستوى الأداء المهني لوسائل الإعلام العربية بسبب المنافسات الإعلامية القائمة محليًا وإقليميًا وعالميًا.

إلا أن هناك واقعًا لا يمكن إخفاؤه، وهو أن العرب يعيشون في كنف دولة حديثة بالمفهوم السياسي للدولة، ولكنهم لا يزالون يعيشون مجتمعات تخضع لنمط من العلاقات الاجتماعية والسياسية التقليدية، ولذلك يظل التناقض قائمًا بين شكل الدولة وطبيعة المجتمع في تحليل دور وسائل الإعلام في التحول السياسي المنشود.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك