عرض/ أحمد التلاوي

يتناول كتاب "الشرق الأوسط المتغير.. نظرة جديدة إلى الديناميكيات العربية" واقع التغيير وآلياته في العالم العربي منذ أواخر عقد الثمانينيات الماضي -وتحديدًا منذ 1989- وحتى 2008، من حيث التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، التي طرأت على بلدان عالمنا العربي خلال فترة العشرين عامًا هذه.

والكتاب في الأصل ترجمة لكتاب صادر باللغة الإنجليزية عن الجامعة الأميركية بالقاهرة أواخر 2010، أي قبيل اندلاع ربيع الثورات العربية، ورصد فيه المؤلف بوادر ما جرى في العالم العربي من خلال مجموعة من المؤشرات المأخوذة من الحالة الاجتماعية والسياسية في العالم العربي، وخصوصًا فيما يتعلق بالاحتجاجات الاجتماعية التي كانت قد بدأت في التنامي في عالمنا العربي في السنوات الأخيرة.

- الكتاب: الشرق الأوسط المتغير.. نظرة جديدة إلى الديناميكيات العربية
- المؤلف: جولي سي. هيريك وآخرون
- إشراف وتحرير: بهجت قرني
- عدد الصفحات: 397
- النَّاشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
- الطبعة: الأولى/ 2011م

نوعان من التغيير
وبشكل عام، وفيما يتعلق بقضية التغيير في عالمنا العربي، ميز الأكاديميون المشاركون في الكتاب بين نوعَيْن من التغيير، الأول هو التغيير المباغت الذي يأتي من دون مقدمات، والثاني هو التغيير الهادئ الثابت الذي يكاد لا يُلحظ وجوده أو وجود صيروراته، وإن كان يتطور تدريجيًّا في عملية تراكمية.

إلا أن الكتاب يشير إلى أن عملية التغيير الهادئ قد تؤدي إلى ولادة الكثير من الأحداث الكبرى، مؤكدًا دور عاملَيْن مهمَّيْن في عملية صناعة التغيير، وهما المجتمع المدني في الداخل، والمشهد الإقليمي والدولي في الخارج، مشيرا إلى أنه من الخطأ رصد أحوال أي مجتمع، واحتمالات التغيير فيه -بما في ذلك المجتمعات العربية- بمجرد رصد التفاعلات التي تجري على القمة؛ حيث إن الصورة المنعكسة في هذه الحالة لن تعكس سوى صفة الجمود، إذا كان هذا المجتمع يحكمه نظام دكتاتوري.

ولذلك، فإن الرسالة الأهم للكتاب فيما يتعلق بعملية تحليل الحراك التغييري داخل أي مجتمع، هي ضرورة تقييم السياسات الأدنى بجانب السياسات العليا، بحيث يمكن الوصول إلى الصورة بشكل كامل.

وتؤكد أحداث ثورات الربيع العربي صدقية هذا التحليل، فيقول بهجت قرني في تقديمه للكتاب: إن الثورات العربية أثبتت صحة المقولات التي خلص إليها الكتاب في هذا المقام، ومن بينها أن هناك -عند تحليل حراك التغيير في أي مجتمع، وقياس مدى عمقه بصورة صحيحة في تقديرها- ضرورة لقراءة البعد الإقليمي والدولي، وكذلك تجاوز ما يحدث في قمة هرم السلطة فقط، وذلك لتجنب الوصول إلى نتيجة غير صحيحة بشأن واقع ديناميات وحراك التغيير داخل المجتمعات.

صناعة التغيير ومعالمه
ويتكون الكتاب من ثمانية فصول، رصدت مختلف الجوانب المتعلقة بالحراك التغييري في العالم العربي في غضون الأعوام العشرين (1989-2008)، ودور العوامل المختلفة التي ساهمت في صنع هذا التغيير ومعالمه، بما في ذلك دور المجتمع المدني والإعلام والمفكرين العرب، وكذلك الأوضاع السياسية والاقتصادية عامة، في رسم معالم التغيير، مع خصوصية كل حالة على حدة من البلدان العربية في هذا الأمر.

ولم يقتصر الكتاب على الجانب السياسي المرتبط بمفهوم التغيير فحسب؛ فقد تناول عددا من القضايا المرتبطة بالتغيير، سواء كموضوع مطروح للتغيير أو كناتج من نواتج التغيير، مثل قضية المساواة بين الرجل والمرأة، والمطالبة بحقوق المرأة بشكل عام.

ركز الكتاب على الدور الذي لعبته جماعات الإسلام السياسي في رسم حركيات مجتمعاتها، وتحديدا الحركات الإسلامية المسلحة في مصر والجزائر، وبعض حركات المقاومة المسلحة التي تعمل ضد إسرائيل

كذلك ركز الكتاب في تناوله على الدور الذي لعبته جماعات الإسلام السياسي في رسم حركيات مجتمعاتها خلال فترة العقدَيْن التي اتخذها الكتاب كدراسة حالة له، مركزًا على الحركات الإسلامية المسلحة في مصر والجزائر، وبعض حركات المقاومة المسلحة التي تعمل ضد إسرائيل، مثل حركة حماس في فلسطين وحزب الله اللبناني.

ويقدم الكتاب أربعة عوامل أساسية ساهمت في التغيير داخل بلدان العالم العربي والشرق الأوسط خلال فترة البحث وما قبلها، وتحديدًا منذ منتصف الخمسينيات الماضية، وهي:

- الحرب، سواء الحروب العربية الإسرائيلية، أو حروب الخليج من الأولى حتى الثالثة.
- الانقلابات العسكرية والثورات، كما في حالة مصر 1952، والكثير من بلدان المشرق العربي، في سوريا والعراق، والمغرب العربي، مثل ليبيا1969.
- الأحداث الداخلية ذات الامتدادات الإقليمية والدولية الكبرى، مثل وإقامة الوحدة العربية بين مصر وسوريا، وزيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى إسرائيل (إقليميًّا)، وانهيار الاتحاد السوفياتي السابق، والأزمات الاقتصادية الكبرى (دوليًّا).
- الأحداث العادية التي خلقت كمًّا من التراكمات صنعت في إطارها أحداثًا كبرى.

وفي هذا الإطار، قسم بهجت قرني مراحل تطور الأوضاع في العالم العربي طيلة العقود الماضية، والتي تلت التحرر من الاستعمار الخارجي، إلى خمس محطات رئيسيَّة، وهي:
- مرحلة السيطرة المصرية، التي بدأت من منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، مع نجاح مصر في إجهاض حلف بغداد، وحتى هزيمة يونيو/حزيران 1967، وما تلاها من انكسار للمشروع القومي العربي.
- مرحلة تشتت القوى العربية، ومحاولة إيجاد تكامل إقليمي عربي في مواجهة السيطرة العسكرية الإسرائيلية، وهي المرحلة التي استمرت من 1967 وحتى انتصار رمضان (أكتوبر/تشرين الأول) 1973.
- مرحلة مأسسة تشتت نظام كامب ديفد، وهذه استمرت منذ أواخر السبعينيات وحتى غزو العراق للكويت 1990، وقد شهدت غزو إسرائيل للبنان مرتين، وحربًا بين العراق وإيران استمرت ثماني سنوات، وخروج مصر من معادلة القوة العربية.
- وأخيرًا، مرحلة استقرار حالة التشوش والضعف العربي بعد الغزو العراقي للكويت وحرب الخليج الثانية، وحتى الآن؛ حيث قدم النظام الإقليمي العربي نمطًا واضحًا من تمدد الضعف وبعثرة القوى.

تطور المجتمع المدني العربي
من جانبها، لخصت الدكتورة أماني قنديل تطور المجتمع المدني العربي في أن هناك حركة نشطة لمجتمع مدني عربي بالمعايير العالمية، بدأت منذ مطلع الثمانينيات الماضية، ولكن العلاقة بين المؤسسات المدنية العربية والحكومات ما زالت تتسم بانعدام الثقة والنزاع والتوتر.
كما أن هناك فقرًا واضحًا في وجود هذه المؤسسات في بعض البلدان العربية، مقارنة مع عدد سكانها، مع افتراض كون المجتمع المدني يشكل جزءًا من المجتمع الواسع الذي انبثق منه، ففي مصر هناك 24 ألف منظمة مجتمع مدني مقابل 70 ألفا في الجزائر، رغم أن تعداد سكان مصر ضعف عدد سكان الجزائر.

الإعلام العربي وتحديات التغيير
وفيما يخص دور الإعلام في حراك التغيير الذي تشهده بلدان العالم العربي، حددت رشا عبد الله العامل الأكبر في التأثير في وسائل الإعلام الجديد، أو النيوميديا، مثل الفضائيات والوسائط الإلكترونية، وفيما يخص الفضائيات، رأت أن دخول بث شبكة "سي.أن.أن" الإخبارية الأميركية وتأسيس قناة الجزيرة في التسعينيات الماضية، كان له أبلغ الأثر في إحداث ثورة في العمل الإعلامي على مستوى العالم العربي.

المفكرون العرب في ظل الاستبداد
أما حازم قنديل، فركز في تناوله لتحليل أدبيات المفكرين الإصلاحيين ودعاة التغيير العرب -خلال المرحلة التي يدرسها الكتاب- على فكرة كيف أثر القمع الرسمي لهم في ظل حالة الاستبداد القائمة في ظروف حكم بلدان العالم العربي، على تفكيرهم وتصوراتهم بشأن الأوضاع الآنية والمستقبلية في بلدانهم وفي العالم العربي بشكل عام.

على الرغم مما حققته المرأة العربية من تقدم وتطور في مجال الانخراط في سوق العمل، وفي مجال العمل السياسي؛ فإن هناك الكثير مما ينبغي إنجازه

وقرر قنديل أن هذه الحالة القمعية أوصلت النخبة الفكرية العربية إلى درجة اليأس الكامل من حدوث التغيير المنشود، وقال: إن هذه الحالة أدت إلى تحولات بنيوية حتى في طبيعة القضايا التي يناقشها المفكرون العرب، فما عادت السياسة هي الهاجس الأول لغالبيتهم؛ بل توجه الكثيرون منهم للكتابة في القضايا الأخلاقية والثقافية؛ تجنبًا لهذه الحالة من القمع المعتمد على عصا الأمن الغليظة.

وفي تناولها لأوضاع المرأة في العالم العربي، أشارت د. علا أبو زيد إلى أن هناك تحسنًا ملحوظًا في عدد من المؤشرات التي اتخذتها لدراسة أوضاع المرأة في العالم العربي، ومن بينها التعليم والصحة والمشاركة الاقتصادية والسياسية والتشريع؛ حيث قالت إن هناك تطورًا كبيرًا في معدلات محو أمية الإناث في العالم العربي، وكذلك في البرامج الصحية الموجهة لها، والتي أدت إلى ارتفاع معدلات أعمار الإناث مقارنة مع الذكور، وكذلك التحسن في مجال الصحة الإنجابية.

إلا أنها في الوقت ذاته نبهت إلى أن هناك إشكالية حقيقية في المشاركة الاقتصادية والسياسية، فعلى الرغم مما حققته المرأة العربية من تقدم وتطور في مجال الانخراط في سوق العمل، وفي مجال العمل السياسي؛ فإن هناك الكثير مما ينبغي إنجازه؛ حيث البطالة لدى المرأة العربية هي الأعلى في العالم، كما أن هناك الكثير من الأنماط الفكرية والثقافية المأخوذة عن المرأة تؤدي إلى عدم فاعلية مشاركتها السياسية في كثير من الأحوال.

تحولات الحركات الإسلامية المسلحة
أما عمر عاشور، فقد تناول في إطار تقييمه لدور الحركات الإسلامية في مسألة التغيير، قضية التغيير داخل هذه الجماعات نفسها؛ حيث تناول واقع التحولات في الفكر والسلوك داخل حركات الإسلام السياسي، مطبقًا ذلك على هذه الحركات في مصر والجزائر.

ومن بين أهم المعايير التي اعتمد عليها عاشور في تقييمه لهذا الأمر، معيار القيادة؛ حيث كان للتحول في قيادات الجماعات المسلحة في الجزائر دور بارز في نجاح الحكومة هناك في إنهاء العمل المسلح داخل الجيش الإسلامي للإنقاذ، كذلك نجحت القيادة الجديدة في الجماعة الإسلامية المسلحة في إنهاء العمل العسكري بداخلها.

العامل الثاني الذي دفع بعض الجماعات المسلحة للتخلي عن العنف هو قمع الدولة لهم؛ حيث اعترفت قيادات الجماعة الإسلامية في مصر بأن قمع الدولة للجماعة كان وراء مراجعاتها لسياسة العنف التي كانت تتبناها، فكرًا وممارسة.

كذلك كان للكثير من التفاعلات الاجتماعية في مصر والداخلية في هذه الجماعات دور كبير في طرح مبادراتها لوقف العنف؛ حيث خشيت قيادة الجماعة حدوث انشقاقات كبرى فيها إذا ما أصرت على تبني فكرة العنف التي كان المجتمع المصري يرفضها بطبيعته، خصوصًا مع تحسن الأوضاع داخل السجون المصرية، وخصوصًا توقف أعمال التعذيب التي كانت تستهدف عناصر الجماعة، والسماح بالزيارات لهم، بما في ذلك قياداتهم، ثم الإفراج عن الآلاف منهم قبل سنوات.

اللاعبون غير الدول
أما الباحثة الأميركية جولي هيريك، فقدمت رؤية حول دور الفاعلين غير الدول في تحريك الأوضاع في العالم العربي، مركزة على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحزب الله اللبناني، وأشارت في هذا الإطار إلى أن إعلان قيام دولة إسرائيل 1948، وهزيمة المشروع العربي أمامها، كان من بين أهم العوامل التي أدت إلى ظهور هذه الحركات، ودورها الفاعل في لعب دور أوسع من كونها حركات مقاومة ضد إسرائيل، والعمل على قيادة التغيير في بلدانها.

إعلان قيام دولة إسرائيل 1948، وهزيمة المشروع العربي أمامها، كان من بين أهم العوامل التي أدت إلى ظهور حركات المقاومة الإسلامية، والعمل على قيادة التغيير في بلدانها
إلا أنها ميزت بين حالة حزب الله وحالة حركة حماس من حيث الواقع والدور السياسي؛ حيث وجه وجود دولة يتحرك في إطارها الحزب قياداته إلى العمل السياسي بشكل يختلف تمامًا عن غياب الدولة في حالة حركة حماس؛ حيث توجهت اتجاهًا آخر في حراكها من أجل التغيير.

وفي نهاية الكتاب، يعود بهجت قرني لتقديم رؤية مستقبلية حول اتجاهات التغيير في العالم العربي، فيشير إلى أنه في عام 2010 (وقت صدور النسخة الأصلية للكتاب) لم يكن هناك تغيير على مستوى القمة؛ حيث كان لا يزال حسني مبارك في حكم مصر، وزين العابدين بن علي في تونس، والقذافي في ليبيا.

إلا أنه يشير إلى أنه لا ينبغي أن يتم النظر إلى الحالة في هذا المستوى فحسب، مستوى قمة هرم السلطة؛ حيث هناك عوامل تتحرك في قاعدة المجتمع سوف تؤدي إلى تحقيق التغيير المنشود، وهو ما حدث بالفعل في ربيع الثورات العربية.

المصدر : الجزيرة