عرض/ أحمد التلاوي
طرحت الأزمة الحالية في سوريا العديد من القضايا على بساط البحث، مع وصول العلاقة بين نظام البعث والشعب السوري إلى نقطة اللاعودة، مع تصاعد وتيرة القمع الأمني والعسكري ضد الثورة والثوار.

ومن بين أهم هذه القضايا تلك المتعلقة ببنية النظام الحاكم في سوريا وعوامل القوة التي يستند إليها، ومكامن الضعف فيه، وهي قضية من الأهمية بمكان باعتبار أنها بجانب كونها مرآة مهمة لمعرفة أسباب ثورة السوريين ضد النظام الذي يحكمهم منذ عشرات السنين؛ فإنها سوف تساعد على التنبؤ المستقبلي بالأوضاع في سوريا، وخصوصًا فيما يتعلق بقدرة النظام الحاكم فيها على البقاء أو تجديد ذاته، أو الاتجاه إلى الانهيار النهائي.

- الكتاب: التسلطية في سورية.. صراع المجتمع والدولة
- المؤلف: ستيفن هايدمان
- ترجمة: عباس عباس
- مراجعة: رضوان زيادة
- عدد الصفحات: 422
- النَّاشر: رياض الريس للكتب والنشر – بيروت
- الطبعة: الأولى/ أكتوبر 2011

وبين أيدينا كتاب صدر حديثًا عن دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت، بعنوان "التسلطية في سورية.. صراع المجتمع والدولة"، للباحث والمحلل الأميركي ستيفن هايدمان، وترجمة عباس عباس، ومراجعة رضوان زيادة.

ويسعى هذا الكتاب في فصوله الثمانية إلى إظهار الكيفية التي بنيت عليها مؤسسات النظام السوري الحالي بشكل تراكمي خلال العقود الماضية، والتي اتسمت بدرجة كبيرة من الصراعات الاجتماعية والسياسية، والتحولات في مختلف المجالات على مستوى المجتمع والدولة في سوريا.

ويركز الكتاب على فترة الانقلابات البعثية والانقلابات المضادة لها في الفترة ما بين عاميْ 1963 و1970، حتى استتبت الأمور لحزب البعث بقيادة الرئيس الراحل حافظ الأسد.

والكتاب تم تأليفه ونشره في 1999، أي قبل عام واحد من وفاة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، وتم تحديثه بمقدمة طويلة تناولت فترة حكم الرئيس الحالي بشار الأسد، ويشير الكاتب إلى أنه اختار الفترة الزمنية المشار إليها، باعتبار أن هذه الفترة هي التي شهدت نشأة دولة القمع والتسلطية في سوريا، وتدعيم قواعد الدستورية والمؤسسية لها من أجهزة أمن وبيروقراطية وغير ذلك.

وفي مقدمته العربية للكتاب -والتي تُعتبر الجزء الأحدث فيه، فقد أضافها الكاتب في 2008- يشير المؤلف إلى أن أهمية دراسة الأطر السياسية والمجتمعية التي قام على أساسها نظام حزب البعث في سوريا، والكيفية التي عملت بها تلك المؤسسات بعد استيلاء البعث على السلطة في 1970، تكمن في إظهار العوامل التي تقف خلف نجاح الأسد الأب في الحكم طيلة فترة الثلاثين عامًا التي حكم فيها، وكذلك الفترة التي يمكن للأسد الابن الصمود فيها.

ويقول الكاتب إن هذه المدركات من المهم فهمها، مركزًا على الضغوط الإقليمية والدولية على بشار الأسد، والضغوط الفئوية التي تفرضها قوى طائفية وسياسية في بعض الأحيان على النظام السوري.

صيرورات تاريخية
يبدأ الكتاب بتناول المحطات التي تطور فيها النظام السوري منذ الاستقلال وحتى الآن، فيشير إلى أن كبار الملاك الزراعيين والاقتصاديين في سوريا، ممن قادوا العمل الوطني في البلاد خلال حقبة الاستعمار، تحولوا إلى قيادة المؤسسات الرسمية للدولة في مرحلة ما بعد الاستقلال، كشكل من أشكال العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع في سوريا.

إلا أن هذه الصورة لم تستمر بعد وصول البعث إلى الحكم؛ حيث جرت تحولات في الناحية المؤسسية، أدت إلى سيطرة كبار رموز الحزب والمؤسسة العسكرية، مع اتجاه الدولة إلى تبني وسائل أخرى للسيطرة السياسية، مثل تدعيم قوة الحزب وتنفذ أعضائه في مؤسسات الدولة، وهيمنة البيروقراطية أو الجهاز الحكومي وتدعيمه.

ولا يعود فشل فكرة العقد الاجتماعي -الذي قام في سوريا بعد الاستقلال، خلال حكم البعث- إلى ممارسات السلطة الجديدة الحاكمة في سوريا فحسب، ولكن أيضًا لعدم قدرة ملاك الأراضي الزراعية وأصحاب رؤوس الأموال على الاستمرار في بناء دولتهم الوليدة بعد الاستقلال، خلال عقد الخمسينيات، ومطلع الستينيات، وهو ما استطاع حزب البعث استغلاله، مع وجود الكثير من الصراعات السياسية والاجتماعية الداخلية في سوريا في تلك الفترة.

في الستينيات بدأت الدولة السورية في السيطرة على ثلاثة مفاصل رئيسية لترسيخ حكمها، الأول هو البيروقراطية، والثاني هو السيطرة على رأس المال الاجتماعي والاقتصاد السياسي, والثالث هو طبقة العمال والفلاحين

وفي الستينيات، بدأت الدولة السورية في السيطرة على ثلاثة مفاصل رئيسية لترسيخ حكمها، الأول هو البيروقراطية التي سيطرت عليها المؤسسة العسكرية السورية خلال الحقبة السابقة على استيلاء البعث على الحكم، والثاني هو السيطرة على رأس المال الاجتماعي والاقتصاد السياسي لسوريا، والثالث هو طبقة العمال والفلاحين.

وكان أول ما سعت إليه دولة البعث في سوريا -بعد الانقلاب على دولة الوحدة مع مصر- هو فك الارتباط بالأنظمة القانونية والمؤسسية التي أرستها دولة الوحدة في الفترة ما بين عاميْ 1958 و1961، ومن بين ذلك استعادة دور القطاع العام في مختلف أركان العملية الإنتاجية والاقتصادية بشكل عام، مع إعادة هيكلة الدولة والمجتمع ككل.

ويشير الكتاب إلى العديد من المتغيرات التي نشأت في المراحل التالية، وأثرت على صيرورات النظام السوري وسيطرته المؤسسية والدستورية والقانونية، ومن بينها انتهاء الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفياتي السابق، في مطلع التسعينيات الماضية، بكل ما رافق ذلك من تحولات في المجالات الاقتصادية والسياسية.

ويشير إلى أن النظام السوري استطاع -في أعقاب الانتفاضات الشعبية التي اجتاحت الأنظمة الدكتاتورية الاشتراكية في أوروبا الشرقية- التعامل مع هذه التبعات "بخطوات متواضعة، ولكن مضبوطة"، من أجل توفير فرص جديدة للمشاركة السياسية.

ومن بين ذلك أنه في 1990 قامت الحكومة السورية بتوسيع عضوية السلطة التشريعية، ممثلة في المجلس الوطني أو مجلس الشعب بنحو الثلث، وزيادة عدد المقاعد التي يمكن أن يشغلها سياسيون ليسوا منتمين لحزب البعث، ولكنها تبقى بحسب تقدير الكاتب "تغييرات، معظمها، وليس كلها، تجميلي".

الأب والابن!
يصف المؤلف طبيعة حكم الأسد الأب للبلاد بأنها كانت عبارة عن حالة من "عبادة الشخصية"، وأن هذه الحالة كانت وراء الكثير من الظواهر السياسية والاجتماعية الحالية في سوريا، ولذلك فإنه عندما مات ظهر الكثير من المؤشرات التي تنبئ بانحلال نظام الحكم بأكمله في البلاد.

ولكن ذلك لم يحدث؛ إذ لم تمضِ سوى بضعة أيام على وفاة حافظ الأسد؛ حتى تحركت ركائز النظام السوري، من أجل ترتيب مشهد خلافة بشار لوالده في مشهد أقرب إلى الملكيَّات الوراثية.
ويفسر المؤلف ما حدث بأنه يعكس قلق المجموعة المسيطرة على صناعة القرار في سوريا، وتشديدها على ضرورة انتقال السلطة سلميًّا وفي سلاسة بعد وفاة الأسد الأب، ويؤكد "النية الواضحة لدى النظام في إبراز الالتزام الراسخ بالاستقرار والاستمرارية والسلم الاجتماعي".

وكان أول ما واجه بشار الأسد هو تحدي الاستقرار والاستمرارية، فقد شهد عام 2000 -الذي تولى فيه بشار الحكم- تباطؤا في إعلان بعض النخبة الحاكمة في سوريا لولائها له، وكان هؤلاء هم الأغلبية، مع تشكك الكثيرين داخل سوريا وخارجها في مدى رسوخ سلطة الرئيس الشاب ومدى إمكانية استمرار حكمه.

الأسد الابن قابل العواصف بالمزيد من المرونة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية للنظام وسياساته؛ ولكنه أبقى أدوات سيطرة النظام الأساسية سليمة

ولعل المعيار الأهم الذي كان متحكمًا في هذا الأمر هو مدى قدرة بشار على التحكم في المفاصل الرئيسية للسلطة والحكم في الدولة، وكانت اتجاهات التقدير في هذا الأمر تصب في الاتجاه السلبي أو المتشائم.

ويتابع هايدمان قائلا إن هذه الآراء والتقييمات ثبت فيما بعد أنها كانت غير سليمة، وأن بشار استطاع أن يأمن في منصبه؛ بعد أن استطاع التغلب على الكثير من التحديات القادمة من منافسيه في الداخل، ووضع الأشخاص الموالين له في المناصب الأساسية.

وساعدت هذه الوضعية بشار الأسد على مواجهة العديد من المشكلات الخارجية، ومن بينها الضغوط التي واجهها ونظامه خلال الغزو الأميركي للعراق في 2003، وكذلك استطاع الصمود في وجه العاصفة التي تلت اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في فبراير/شباط 2005.

ويقول المؤلف إن الأسد الابن قابل هذه العواصف بالمزيد من المرونة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية للنظام وسياساته؛ حيث أدخل بعض التغييرات في هذه المجالات، ولكنه أبقى أدوات سيطرة النظام الأساسية سليمة.

ومن بين ما قام به بشار في هذا المجال، دعمه لدور حزب البعث ونقابات العمال ووسائل الإعلام والاتحادات الحرفية بوصفها امتدادًا لسلطة النظام، كذلك بحث بشار عن طريقة للتكيف مع أطر العمل الدستورية التي تسمح للنظام بتوجيه سياق العلاقات بين الدولة والمجتمع في سوريا، دون تعديل هذه الأطر جذريًا.

ويشير هايدمان إلى أن بشار -شأنه شأن أبيه- قد استفاد من عملية بناء المؤسسات وتوسع الدولة السورية في الفترة التي تلت الاستقلال، وأن التطورات التي جرت في الحياة السياسية والاجتماعية في سوريا في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين هي التي وضعت الأسس لنظام الحكم الذي أنشأه حزب البعث خلال السنوات الأولى من حكمه.

وخلال سنوات حكم بشار، قلل النظام السوري من حدة معارضته للتيارات الإسلامية الموجودة في المجتمع السوري، ولكن من دون تخليه عن الاعتبارات الطائفية، لكونه ينتمي إلى الطائفة العلوية الشيعية.

وفي إطار محاولته الاستجابة لمتطلبات إدارة النزاع الطويل بين الدولة السورية والحركات الإسلامية، بدأ هذا النظام في تبني بعض السياسات الانفتاحية، خصوصًا فيما يخص "لبرلة" الاقتصاد السوري ودمجه في الاقتصاديات العالمية، وكذلك توسيع الفرص أمام النخب الاقتصادية والاجتماعية الموجودة في سوريا.

تحول الخطاب الرسمي في سوريا في السنوات الأخيرة إلى الحديث عن أهمية التعددية، ولكن مع تجنب التغييرات التي من شأنها زعزعة السلم الاجتماعي

كما تجاوز النظام السوري عن بعض القيود المفروضة على حصول الناس على خدمات الإنترنت وتقنيات الاتصال الجديدة التي كانت تعدُّ -حتى وقت قريب، بحسب اعتقاده- "حوامل محتملة للأفكار الديمقراطية، وبالتالي قوى تجب مقاومتها" من جانب النظام في سوريا.

وفي الناحية المؤسسية أيضًا، تحول الخطاب الرسمي في سوريا خلال السنوات الأخيرة إلى الحديث عن أهمية التعددية، ولكن مع تجنب التغييرات التي من شأنها زعزعة "السلم الاجتماعي"، وهو المصطلح الذي حظي بأولوية خاصة في السنوات القليلة الماضية، لارتباطه باستقرار النظام نفسه.

ويتنبأ المؤلف في النهاية بأن مؤسسات الدولة السورية إلى تحلل في الوقت الراهن، وأنه ما لم يتم اعتماد مقاربة إصلاحية لتقويم أوضاعها؛ فإن النظام السوري إلى انهيار. وذلك بالفعل ما يمكن أن نرى مؤشراته في الثورة العارمة التي تجتاح المدن السورية في الوقت الراهن، والتي تهدد بالإطاحة بنظام الأسد.. بكل مؤسساته!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك