عرض/ الحسن سرات

قضية هذا الكتاب لا تزال حية مشتعلة، ولا يزال بطلها دومينيك ستراوس الذي شغل القريب والبعيد بعد أن ترادفت ضده الفضائح. والمؤلفتان لهذا الكتاب معروفتان لدى الرأي العام الفرنسي والكندي الفرانكوفوني، أي الكبيبك. فدينيس بومباردييه -الصحافية والكاتبة من الكيبيك، ذات السجالات المعروفة بفرنسا البلد الذي تحبه وتعرفه جيدا- وفرانسواز لابورد -الصحافية الفرنسية السابقة والكاتبة- جمعت بينهما المنصات التلفزيونية والمناظرات المبثوثة المسجلة والحية، وتجمع بينهما قضية الكفاح من أجل وضع عادل للمرأة بعيدا عن التطرف النسائي بكل من فرنسا وكندا. وتوصفان معا بأنهما من ذوات الشجاعة الأدبية التي تسمي المسميات بأسمائها لدرجة لا يتحملها كثير من الرجال والنساء معا.

-الكتاب: لا تسكتوا بعد اليوم أبدا
-المؤلفتان: دينيس بومباردييه وفرانسواز لابورد
-عدد الصفحات: 80 صفحة
-الناشر: دار النشر فايارد, فرنسا
-الطبعة: الأولى/ أكتوبر 2011

زلزال الاعتقال
ووصفت الكاتبتان ما وقع للسياسي الفرنسي ستراوس كان، يوم كان رئيس صندوق النقد الدولي والمرشح الرئاسي الاشتراكي المنافس للرئيس الحالي نيكولا ساركوزي، من اعتقال يوم 14 مايو2011، بتهمة الاعتداء الجنسي على نفيساتو ديالو العاملة بفندق سوفيتيل بنيويورك، بأنه "زلزال"، لأنه أماط اللثام عن الوجه الحقيقي لفرنسا إذ تدعي التسامح والتحرر، في حين أنها غارقة في التعصب والتسلط، خاصة في مجال الاستغلال الجنسي للنساء على يد الرجال عامة، والقادة السياسيين خاصة.

وتساءلت الكاتبتان بحرقة "أين اختفت الأصوات الإنسية والنسائية؟ وإلى أين ذهبت المناضلات الشرسات؟ ولماذا انحاز كثير من الصحافيين والسياسيين إلى جانب المتهم وتبرئته بكل وسيلة ممكنة وتقديمه على أنه ضحية مؤامرة وجهل؟

سقوط الأقنعة
كان لا بد من يوم مشهود مثل يوم الرابع عشر من نايو/آيارعام 2011، ويسقط دومينيك ستراوس بين يدي القضاء الأميركي، لتسقط كثير من الأقنعة عن كثير من الأسماء اللامعة والأفواه المفتوحة التي دأبت على تقديم الدروس والمواعظ للناس شرقا وغربا على الهواء مباشرة.

وما أن ألقي القبض على "الجاني السمين" حتى نسي أصدقاؤه وأبناء ملته كل ما قالوا، وقاموا مدافعين عنه ومناصرين له وهو ظالم مبين. دافعوا عما لا يمكن الدفاع عنه، والأدهى والأمر من هؤلاء "الرجال" نساء نسوانيات منتخبات في الجمهورية الفرنسية، ممثلات بالجمعية الوطنية. مدافعات عن كل أشكال التحرر، هببن هبة "رجل واحد" لإنقاذ "المتهم"، ناهيك عن آخرين أصابهم الخرس، عملا بالحكمة الشهيرة "إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب".

واستعرضت الكاتبتان أوضاع النساء الموظفات بمؤسسات الدولة والصحافة في البلدين، مبرزتين الفروق بين المجتمعين، الكندي والفرنسي. فإذا كانت المرأة الكندية قادرة على مواجهة الرجل وعدم الخضوع لأهوائه الجنسية بحماية قانونية، فإن المرأة الفرنسية ليست سوى سلعة جنسية يتلاعب بها كبار المسؤولين، باستغلال وابتزاز مع صمت مطبق للضحايا والمجتمع.

وضربت الكاتبتان بعض الأمثلة الكاشفة مثل فرانسواز جيرود، كاتبة الدولة في القضية النسائية التي ظلت تكرر بأن المرأة مهانة، في حين أنها هي أول من أهان النساء عندما كانت مديرة لصحيفة "ليكسبريس"، إذ جعلت من الصحافيات محظيات ومرافقات لرجال السياسة لجلب الأخبار منهم مقابل لحظات من المتعة والخنوع. 

فلماذا هذا الصمت الطويل منذ أكثر من عقد من الزمان، حتى إذا جاءت واقعة 14 مايو/أيار2011، خرجت بعضهن عن صمتها مثل الصحافية تريستان بانون وبيروسكا ناغي (الاقتصادية الهنغارية) الموظفة بصندوق النقد الدولي التي تعرضت للتحرش الجنسي على يد ستراوس كان عندما كان يتحكم فيها ثم سرحت من وظيفتها.

وقدمت الكاتبتان جملة من الروايات والشهادات الصاخبة الصادقة لنساء تعرضن للاستغلال الجنسي على أيدي رؤسائهن في المقاولات والإدارات والجمعيات والجامعات والشركات والمؤسسات في كل مجال وقطاع.

الكنديات متحررات من الاستبداد الذكوري داخل البيوت وخارجها، في حين أن الفرنسيات خاضعات خانعات وخائفات رغم مظاهر التحرر الخادعة

جذور الخضوع
وقدمت الكاتبتان، عبر محاورة ثنائية بينهما، مقارنة بين أوضاع النساء في كندا وفي فرنسا، وتبين من خلال المحاورة أن الكنديات متحررات من الاستبداد الذكوري داخل البيوت وخارجها، في حين أن الفرنسيات خاضعات خانعات وخائفات رغم مظاهر التحرر الخادعة.

فلدى الفرنسيات صورة سلبية عن الحركة النسائية، وخوف من أن ينعتن بأنهن مناضلات من أجل تحرر المرأة من الرجل. فضلا عن أن بعض النسائيات الشرسات كن سحاقيات ويحرصن على إظهار ذلك بانتحال صفة الذكورية والتخلي عن الأنوثة لتحقيق مساواة وهمية مع الرجال.

ويوجد لدى الفرنسيات شعور بالخوف من كسر شيء ما قد يكون جوهريا مع الرجال. ولذلك بقين بعيدات عن النضال النسائي، وتأثرت الفرنسيات بوجوه نسائية شهيرة مثل سيمون دي بوفوار، خليلة الفيلسوف جان بول سارتر، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية طيلة عقد من الزمان (1960-1970) "رغم أن هذه المرأة كانت مخادعة" على حد قول المؤلفتين.

وفي تحليل الكاتبتين، فإن الخضوع النسائي الفرنسي له قصة تاريخية عميقة الجذور في المجتمع والذاكرة النسائية. إنها قصة تعود لوضعهن الاستعبادي في القرون الماضية، إذ احتفى أهل السياسة والحكم والأدب والفن بنساء المتعة والعشرة، والمحظيات المفضلات لدى علية القوم من ملوك وأمراء ووزراء وزعماء وأدباء.

لذلك تستنتج الكاتبتان أن تسامح النساء الفرنسيات في أقبح معانيه هو الذي يطيل أمد الاستغلال الذكوري اليومي، وهذا هو السبب الأكبر الذي يجعل كسر جدار الصمت أمرا عاجلا وإلا بقين في وضعية حقيرة تذهب بشرفهن وكرامتهن.

نقاب الفرنسيين
وأماطت الكاتبتان الغاضبتان اللثام عن جزء من الأساطير المؤسسة لخضوع الفرنسيات للهيمنة الذكورية وسهولة استغلالهن دون أن يتمكن من فضح المستغلين. أول أسطورة هي "أكذوبة الحياة الخاصة"، أو ما أسمته فرانسواز ودينيس "نقاب الفرنسيين". فالحياة الخاصة أمر مقدس لدى الذكور الفرنسيين، وخاصة المشاهير والمسؤولين البارزين، إذ لا حق لأحد أن ينقب فيها، ولماذا يصر هؤلاء على الفصل التام بين الحياة الشخصية والحياة العامة، مع أن ذلك يعني أن "الفضائح والمفاسد الخاصة ليست لها تبعات وتداعيات على الحياة العامة" كما قال الكاتب جان كلود غيبو.

وهذا ما يتيح للوحوش السياسية والفنية والرياضية وغيرها أن ترتكب أبشع الجرائم الجنسية وراء جدران الحياة الخاصة دون حسيب ولا رقيب ولا رادع".

ذلك هو "الغرور الفرنسي": المرض الأكبر، حسب الكاتبتين، فكثير من الفرنسيين يتصرفون بإمبريالية وجنون في مجال الغريزة الجنسية، وكأنما الفرنسيون هم الوحيدون في العالم العارفون بأسرار العلاقات بين الذكور والإناث، وكأنما صارت فرنسا هي المرجع الأعلى في الإغواء والمراودة".

اغتصاب كل ساعتين
وشبهت الكاتبتان هذه "الفاجعة والمأساة الفرنسية" بالانفجار الذي أزاح الغطاء بعيدا ليطلع العالم على الدرك الأسفل الذي توجد فيه المرأة الفرنسية، خاصة إذا كانت ضحية اغتصاب. وذكرت المؤلفتان أن فرنسا تعرف 75 ألف حالة اغتصاب بحق نسائها كل سنة، بمعدل اغتصاب واحد كل ساعتين، ومع ذلك فإن عشر الفرنسيات يقدمن على تسجيل الشكاوى أمام رجال الأمن والقانون.

وأقرت الكاتبتان بوجود عقبات صعبة أمام تحرر الفرنسيات من أثقال الماضي والحاضر، فهما أيضا كانتا ضمن الساكتات زمنا طويلا، لكنهما استطاعتا الخروج من المعتقل الوهمي.
لذلك تقولان "لم يعد في الإمكان السكوت أكثر مما كان، ولا بد أن ينكسر القيد ويتحقق التحرر". فالحرية لا ثمن لها، في أن تقول نعم أو تقول لا، في أن تحب وأن تختار، في أن تستمتع أو تتعفف. يجب هزم الصمت لوضع حد نهائي لمذلة النسوان.

ولكن الجهر بالقول ومغادرة كهوف الصمت ليس قولا يسيرا ولا خفيفا. إنه سهل يسير على دينيس بومباردييه وفرانسواز لابورد اللتين لا تخفيان لسانهما في جيبهما ولا تستغشيان ثوبيهما أمام القضية النسائية و"التراجيديا الفرنسية" على حد قولهما.

ترى المؤلفتان الساخطتان أنه من الواجب إدانة تلك الموضة المسماة "المرأة الحرة" التي تحولت إلى بضاعة جنسية، خاصة عن طريق "النجوم" الجدد في الغناء والسينما

وتلك معركة ينبغي أن تخوضها النساء والرجال معا، رغم أن النساء هن الضحايا بالدرجة الأولى، وليس المطلوب تقنين العلاقة بينهما حتى تخلو من كل بعد عاطفي نسائي، ولا أن يسارع المتحرش بها إلى مخافر الشرطة لتسجيل شكاياتها. إن ذلك لأمر مضحك ومخجل، ولكن المطلوب من الفرنسيات ألا يتسامحن مع تلك الإهانات اليومية الصغرى، وعلى الأجيال الجديدة أن تكون على يقظة تامة من أمرها.

وترى المؤلفتان الساخطتان أنه من الواجب إدانة تلك الموضة المسماة "المرأة الحرة" التي تحولت إلى بضاعة جنسية، خاصة عن طريق "النجوم" الجدد في الغناء والسينما.

كما أن وضع حد لمسيرة الصمت الطويلة معناه عند المؤلفتين ركوب المجازفات والمخاطر، أولها أن تتحول المرأة إلى مخبر، وأن تعرض حياتها اليومية ومصالحها المهنية لبعض المنغصات، وأن تطاردها الشائعات، وأن تهددها العزلة.

جوهر القضية
بقي أن نقول في الختام أن جوهر القضية بقي بعيدا عن تحليل الكاتبتين وحلولهما المقترحة، وستظل النساء بالغرب حائرات في دائرة مغلقة، ما دام الإشكال الأساسي قائما. والإشكال الأساسي ينحصر في الرؤية الغربية للمسألة الجنسية بعد تاريخ طويل من التزمت والتشدد والحرمان باسم الدين، وتاريخ قصير من التفلت والانتشار الواسع لدرجة المشاعة الجنسية في أقل من نصف قرن بعد الحرب العالمية الثانية.

فالغرب لم يعرف في تاريخه القديم والمعاصر حالة توازن ديني وفكري وقيمي، فانعكس ذلك على سائر مظاهر الحياة بدءا بالسياسة وانتهاء بالفن والجنس. وهذه الحيرة النسائية المصاحبة لدعوات التمرد وكسر حواجز الصمت وفضح الهيمنة الذكورية موجودة لدى كاتبات أخريات، مثل إيزابيل أوبري رئيسة الجمعية الدولية لضحايا زنا المحارم، مؤلفة كتاب بعنوان "في المرة الأولى كان عمري ست سنوات"، روت فيه تفاصيل فظيعة عن تعرضها لزنا المحارم على يد والدها، ومأساتها طيلة حياتها جراء ذلك.

وسيظل الغرب، ومعه خلق كثير في مختلف جهات الدنيا، يعيشون في تمزق وحيرة فردية وجماعية، في المعاناة وفي البحث عن الحلول، ما لم يحققوا التوازن الذهبي في الكيان الإنساني، بين الطين والروح، والقلب والجسد، والدين والسياسة، والشهوة والنسل، والأنثى والذكر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك