عرض /بوعلام رمضاني

الحرب السياسية والإعلامية الشرسة التي تدور بين الرئيس اليميني نيكولا ساركوزي والمرشح الاشتراكي فرنسوا هولاند قبل شهرين من تاريخ الاستحقاقات الرئاسية، لم تعد حبيسة المهرجانات الخطابية التقليدية والزيارات والأحاديث الصحفية، بل انتقلت إلى المكتبات للتأثير على رأي عام يحب القراءة.

كتاب "تغيير المصير" الذي كتبه هولاند في عطلة نهاية السنة على الورق، ويبيعه منذ أيام قلائل بثمن "اشتراكي" في متناول الفقراء والعاطلين عن العمل والبسطاء فكريا (9 يوروات)، يتضمن تحديا صارخا للرئيس ساركوزي تحت شعار "التغيير الآن" وليس غدا، مؤكدا وفاضحا خيانته للشعب الذي انتخبه، وشارحا برنامج المؤلف الذي سيغير -في تقديره- مصير المجتمع الفرنسي بتطبيقه الأهداف الموعودة وليس المتاجرة بها للوصول إلى الإليزيه، كما قال عن ساركوزي الذي سيصدر قريبا كتابا مضادا لكتاب غريمه اليساري.

تصحيح عام ومساواة
غطى هولاند في كتابه الصغير الحجم والأنيق بشكل يذكرنا بكتاب جاك شيراك، سياق اتخاذه قرار الترشح، ومعنى وقرارات ضمان التغيير الصعب لكن غير المستحيل، اعتمادا على سياسة بديلة تعيد

- الكتاب: تغيير المصير
- المؤلف: فرنسوا هولاند
- الناشر: روبير لافو
- عدد الصفحات: 163
- الطبعة: 2012

الاعتبار للفئات الكادحة وللقيم الجمهورية وعلى رأسها المساواة، وتصحح المسارات الخاطئة اجتماعيا وقضائيا واقتصاديا وسياسيا، مثل الخضوع لسلطة أرباب المال والمضاربين وحماية الأغنياء جبائيا، وتعليق كل المشكلات على شماعة الأزمة العالمية والتضحية بسيادة فرنسا، والاصطياد في حقول اليمين المتطرف بتخويف الفرنسيين من مهاجرين مسلمين يهددون الهوية الوطنية، وادعاء فشل كل الحلول لتقليص الديون وتكريس وحدة أوروبية مالية ونخبوية وغير اجتماعية، واستحالة وجود علاج قريب المدى للقضاء على البطالة، وغيرها من المشكلات التي حاول حلها الرئيس ساركوزي بمسح سكين الأزمة على رقاب المستضعفين من المواطنين الفرنسيين، على حد تعبير الفائز الاشتراكي المنتظر حسب استطلاعات الرأي.

هوية وقرار تغيير مصير فرنسا
فرنسوا هولاند من مواليد عام 1950 بمدينة روان الواقعة وسط مقاطعة النورماندي بشمال فرنسا، وابن والد يميني ناصر الجزائر الفرنسية، "ووالدة كريمة وشعبية لقنته درس نكران الذات وخدمة البسطاء الذين يعيشون وسط الشعب".

الأفكار الإنسانية والفضول والخدمة الجماعية كانت هي الحقائق التي شكلت ميله العام للسياسة في عز الصراع الذي جمع الجنرال ديغول وميتران المجهول عام 1965، والذي أضحى مثله الاشتراكي الأعلى بعد بلوم وجوريس، كما قال في الصفحات الأولى، وجسد هولاند طموحه السياسي في مؤتمر إبينيه عام 1971 قبل دخوله المدرسة الوطنية للإدارة "الممر المفروض على كل من يريد خدمة الدولة مستقبلا"، ومدرسة الدراسات الاقتصادية.

تصاعد طموح المناضل الاشتراكي تدريجيا بمساهمته في فوز ميتران في انتخابات عام 1981، وتحوله إلى نائب اشتراكي لمقاطعة الكوريز، وانتخابه سكرتيرا للحزب الاشتراكي عام 1977 في سن الثالثة والأربعين. بعد هزيمة رفيقة حياته سيغولين رويال عام 2007 أمام ساركوزي، وتركه منصب السكرتير الأول للحزب الاشتراكي عام 2008، قرر هولند رفع اللعنة التي لاحقت الاشتراكيين منذ عام 1995 بالبحث في الأسباب التي أدت إلى غياب رفقاء الدرب في الساحة السياسية الفرنسية، والإصرار على أنه "الأكثر استجابة لخطورة وتحديات اللحظة، ولطموحات الفرنسيين في التغيير والتجديد المصيرييْن، وفاز هولاند بجدارة في الاستحقاقات الابتدائية بعد إقصاء دومنيك ستراوس كان إثر تورطه في فضيحة جنسية فجرت حلمه التاريخي، وانهزام امرأة فرنسا الحديدية مارتين أوبري، وأصبح مرشح الفرنسيين الاشتراكي الأول لمواجهة الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي. 

60 التزاماً لتغيير المصير
القارئ بتمعن لفصول كتاب هولاند التسعة (الانسجام مع الذات، فرنسا، الجمهورية، أوروبا، الرئاسة، البديل، العالم، الشبيبة، التغيير الآن) ينتبه بسهولة إلى كلمات جعل منها روح ولب ومبرر مقاربته الإيديولوجية والمنهجية على السواء، ألا وهي: تصحيح، ومساواة، وتغيير، وممكن، وصدق، وثقة، وضرورة، وغيرها من الكلمات التي تفضح نقيض وعود وخطاب الرئيس ساركوزي سياسيا وأخلاقيا.

وتمثلت وعود المرشح الاشتراكي الهادفة إلى تغيير مصير الجمهورية الفرنسية بإعادة إطلاق الإنتاج والشغل والنمو، وبإعطاء الأولوية للمؤسسات المتوسطة والصغيرة وتشجيعها جبائيا واستثماريا، ودعم تنمية التكنولوجيات الجديدة والاقتصاد الرقمي، والحفاظ على قانون المؤسسات العمومية الكبيرة، والدفاع عن موازنة أوروبية طموحة لتكريس سياسة زراعية متنوعة.

مستقبل فرنسا سيقوم أيضا -حسب الكاتب- على جعل البنوك في خدمة الاقتصاد، وقطع طريق المضاربة وضمان التوفير الشعبي، وتعديل العجز المالي بنسبة 3% عام 2013، وتدارك اختلال الموازنة

تصحيح مسار 
مستقبل فرنسا سيقوم أيضا -حسب هولاند- على جعل البنوك في خدمة الاقتصاد وقطع طريق المضاربة وضمان التوفير الشعبي، وتعديل العجز المالي بنسبة 3% عام 2013، وتدارك اختلال الموازنة قبل انتهاء العهدة الأولى بالقضاء على الهدايا الجبائية للأغنياء والمؤسسات الكبرى، ومحاربة التفقير وتوقيف العمل بإجراءات السياسات العمومية المجحفة الراهنة، فضلا عن إعادة توجيه مسار الوحدة الأوروبية باقتراح معاهدة مسؤولية، وتسيير وإنماء للخروج من دوامة الأزمة، وإعادة توجيه البنك المركزي الأوروبي، وإشراك البرلمانات الوطنية والأوروبية في عملية التصحيح وإعادة بلورة اتفاقية فرنكو/ألمانية جديدة، ومناهضة سياسة تجارية غير مشروعة، وحماية البيئة، والسعي من أجل تكافؤ بين اليورو والدولار والين من خلال اقتراح نظام نقدي عالمي جديد.

عدالة ومهاجرون يصوتون
تغيير مصير فرنسا المستقبلي يعني -في تقدير المرشح الاشتراكي المتقدم في استطلاعات الرأي حتى لحظة صياغة هذا المقال- جباية عادلة بين الجميع، ومساهمة أكبر لأصحاب المداخيل السنوية التي تتجاوز 150 ألف يورو سنويا بنسبة 45%، والمساعدة الاجتماعية لأصحاب المداخيل المحدودة، والعودة إلى العمل بمبدأ فرض الضريبة على أصحاب الثروات.

العدالة تعني حياة اجتماعية إنسانية للجميع، وذلك بالسعي لضمان تقاعد مهني في سن الستين، ودعم العلاج الطبي العمومي والسكن الاجتماعي والبناء الذاتي، ومحاربة الحياة غير المستقرة التي تضرب الشبان والنساء والأجراء الكادحين، والعدل بين كل المهنيين بغض النظر عن الجنس والانسجام الاجتماعي، ومحاربة التهميش والعنصرية المقيتة التي راجت في الأعوام الأخيرة عن طريق ملاحقة أصحاب البشرات الداكنة من المهاجرين، والتفريق بينهم وبين فرنسيين بيض في مجالات الشغل والسكن والخدمات المختلفة، وتمكين الذين يقيمون منهم في فرنسا منذ أكثر من خمسة أعوام من التصويت في الانتخابات المحلية.

العدل يعني أيضا محاربة البطالة أولا وقبل كل شيء، وتحسين وضعية التعليم بإيجاد 150 ألف وظيفة للشبان في إطار عقد حماية الأجيال، و60 ألف وظيفة إضافية في التعليم، وجعل الثقافة والفنون في متناول كل الفرنسيين، وإعطائها الحيز الأكبر في المنظومة التربوية، وإنقاذ المكتبات المستقلة من الانقراض وضمان حقوق المبدعين. واستغلال أعمالهم المنشورة على الإنترنت بسهولة وأمان، ومكافحة الغش التجاري في مجال حقوق المؤلف في الوقت نفسه.

ترميم الجمهورية وإسماع صوتها
تغيير مصير فرنسا يرادف في تصور هولاند ما أسماه ترميم الجمهورية المتهالكة -التي فقدت مصداقيتها وهيبتها في الزمن الساركوزي- من خلال ترسيخ أسس العلمانية في الدستور وحياد الدولة، ونزاهة نواب الشعب واحترام السلطات المضادة، وإصلاح قانون الجزاء لرئيس الجمهورية وتقليص راتبه بنسبة 30%، وزيادة رقابة البرلمان، والتوقف عن العمل بمبدأ تعيين رئيس الجمهورية لرؤساء القنوات التلفزيونية العمومية وتكليف لجنة مستقلة بالمهمة.

تغيير مصير فرنسا يرادف في تصور هولاند ما أسماه ترميم الجمهورية المتهالكة التي فقدت مصداقيتها وهيبتها في الزمن الساركوزي

ترميم الجمهورية يعني أيضا أمنا جواريا ودعما أكبر لرجال الدرك والشرطة، واستقلالية القضاء، وتعميق الديمقراطية من خلال اللامركزية وإشراك النواب المحليين في القرار السياسي، والمصادقة على الميثاق الأوروبي للغات الجهوية، وإسماع صوت فرنسا وقيمها في العالم، وتطوير علاقاتها مع دول جنوب البحر المتوسط على أساس مشروع اقتصادي وديمقراطي وثقافي.

إسماع صوت فرنسا في العالم يفرض -حسب المنافس الأول والأخطر للرئيس الحالي- تصحيح دور فرنسا في البناء الأوروبي تجسيدا لمقولة ميتران "فرنسا وطننا وأوروبا مستقبلنا"، لكن شريطة جعلها في خدمة الشعوب، وترقية الاقتصاد، وتنظيم سوقها على النحو الذي يساهم في القضاء على الأزمة المالية الراهنة.

قريب من الثورات العربية
كما كان منتظرا بحكم الظرف السياسي غير المسبوق الذي تعرفه المنطقة العربية في ظل الثورات العربية المستمرة بشكل أو بآخر في هذا البلد أو ذاك، والتداعيات المنتظرة على مستقبل العلاقات بين أنظمتها الجديدة والدول الأوروبية القريبة وعلى رأسها فرنسا، توقف المرشح الاشتراكي هولاند عندها في فصل "العالم"، دون أن يضع تصوره للعلاقات العربية الفرنسية في مقاربة أشمل وأوضح تعكس موقفا شفافا.

فرنسا التي أضاف أنها "ستمضي مع ألمانيا اليد في اليد لتكريس المشروع الأوروبي المشترك" هي البحر المتوسط الذي يحفل بحضارات وبصراعات الجراح المفتوحة التي تقربنا لثوراته العربية التي تشهد تحولا تاريخيا يتأرجح بين الابتهاج السياسي الجديد والوعود المعلقة والشكوك المرتسمة تحت سماء مغيمة، وفرنسا المعنية الأولى بالتحول الذي تمر به المنطقة العربية لا يمكن إلا أن تكون إلى جانب الديمقراطية والحرية في تونس وليبيا ومصر، و"ستبقى متفطنة لآفاق التحول الجيوسياسي العربي الذي قضى على دكتاتوريات فاسدة، ووضع أنظمة جديدة لا نعرف إن كانت بصدد إعداد مشاريع مجتمع ديمقراطي أم تيوقراطي" على حد قوله.

مبدأ الدفاع عن حرية واستقلال الشعوب هو نفسه الذي سيقود فرنسا نحو موقف يجبرها على بذل كل المجهودات الممكنة من أجل الوصول إلى سلام عادل بين إسرائيل والفلسطينيين على أساس معايير كلينتون: دولتان بحدود معترف بها، وتقاسم ترابي عادل يشمل القدس، و"ستسعى فرنسا مع شركائها الأوروبيين إلى المساهمة في إيجاد حل تفاوضي يضع حدا لصراع ما زال يعد بؤرة خطر مستمر ومصدر توتر دائم في المنطقة".

السياسة الخارجية التي يريدها هولاند سوف لن تقوم على التعجرف والتعالي ولا على السذاجة، وستنسجم مع رهانات القرن في ظل مبادئ العدل والحرية والاستقلالية والتضامن

انسحاب سريع من أفغانستان
الجمهورية -التي يريد هولاند تغيير مصيرها خارجيا- يجب أن تنسحب من أفغانستان في نهاية السنة الجارية، وتنهي علاقاتها مع "فرنسا أفريقيا" التي أهانت الشعوب الأفريقية وكرست حكم قادتهم الفاسدين، وتؤسس لمستقبل علاقات فرنسية أفريقية قائمة على العدل والثقة والتضامن والتعاون الاقتصادي المشترك.

فرنسا هولاند ستعمل أيضا على تطوير العلاقات مع القوى الاقتصادية الصاعدة الصانعة للمستقبل مثل الصين والهند والبرازيل، مكرسة مبادئ حماية حقوق الإنسان والتعددية السياسية والحياة الديمقراطية، ومطبقة قوانين وسبل الضغط النفسي والدبلوماسي والسياسي دفاعا عن المدنيين الذين يروحون ضحية البطش بسبب مطالبتهم بالحرية والكرامة.

السياسة الخارجية التي يريدها هولاند سوف "لن تقوم على التعجرف والتعالي ولا على السذاجة"، وستنسجم مع رهانات القرن في ظل مبادئ العدل والحرية والاستقلالية والتضامن. في خاتمة "التغيير الآن" عاد هولاند إلى مفهوم تغيير المصير ملخصا إياه قائلا إنه يعني "تحول فرنسا إلى مرجعية لكل الأمم داخليا وخارجيا". 

المصدر : الجزيرة