عرض/ حسين جلعاد

في يوم 25 أبريل/نيسان ٢٠٠٤، يدخل صحفي شاب -قادما من أرض مبهمة في الصحراء العربية- باب الجزيرة، بقلب مليء بالعزم والطموح، ولكن بعقل يؤرقه التوجس وشبهة "الخيانة".. فكيف لمواطن سعودي أن يعمل في المحطة المشاغبة والمعادية، ليس للمملكة العربية السعودية فقط، بل ولجميع الأنظمة العربية التي طالما تعاملت مع الإعلام إما بمحدودية بيرقراطية أو بحذر أمني؟!

وعند التحولات الكبرى -في تاريخ الأفراد كما في تاريخ الدول- تحضر البدايات دائماً كما تحضر التفاصيل الصغيرة، وليس أرحب لها والحالة هذه إلا السرد والحكاية.. إنها قصة علي الظفيري، مذيع الجزيرة الذي أثبت حضورا لافتا في غضون سنوات قليلة، وغدا واحدا من أبرز الإعلاميين العرب.

الكتاب: بين الجزيرة والثورة ... سنوات اليأس ورياح التغيير

المؤلف: علي الظفيري

عدد الصفحات: 223

الناشر: الشبكة العربية للأبحاث- القاهرة

الطبعة الأولى: 2012

في كتابه "بين الجزيرة والثورة.. سنوات اليأس ورياح التغيير" الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث، يدخل الظفيري إلى توثيق تجربته وهو مدرك أن الكتابة عن النفس مغرية دائماً، فهي قد تدفع صاحبها إلى حالة من التباهي أو إعادة إنتاج الأحداث "كما نتوهمها لا كما جرت" حسب تعبيره في مقدمة الكتاب.

وهو بهذا يلزم نفسه بعهد ضمني على أن يحدث قارئه عما يعرف المشاهد من نصفه المعلن على أشهر شاشة عربية، مع فرق أن القارئ سيدلف إلى النصف المبهم واللذيذ فيما لم يره خلف الكواليس.

ولعل حرارة التشويق سترتفع هنا لأسباب ذاتية وموضوعية، فالمؤلف يأتي إلينا من تجربة صحفية تأسست في التلفزيون السعودي -القلعة الأشد محافظة في الإعلام العربي- ليقودنا بعدها إلى تجربة قناة الجزيرة، المحطة الأشهر التي باتت تعرف بأنها الأشد تأثيرا في تاريخ المنطقة العربية والإسلامية على الأقل منذ عقد ونيف.

كما أن ما يزيد من شدة الجدل الذي يتوقع أن يحدثه الكتاب، أن مؤلفه يؤرخ إجمالا للسنة الأكثر سخونة في تاريخنا المعاصر وهي سنة الربيع العربي، وما رافق ذلك من عصف فكري لم تعد تشارك فيه أجهزة الدول وكتائبها من المثقفين والإعلاميين، بل أصبح تأثير الجزيرة حديث الملايين من الناس بعدما غمر تيار الثورات فضاء الدنيا برمتها، فصار دور الإعلام -وتحديدا قناة الجزيرة- هم الناس في البيوت والمقاهي، وهو أمر استتبع ولا شك الزلزال الكبير الذي أطاح بعروش، وأتى إلى الحكم بأشخاص وحركات سياسية أقل ما يقال في توصيف حالها، أن معجزة تاريخية وضعتهم في صدارة الأحداث والإمساك بزمام التاريخ.

نتابع التاريخ الشخصي في الكتاب مع قصة الفتى البدوي الذي وجد نفسه يعيش في الكويت ويتشرب نسائمه الأولى، ثم يصحو على مأزق الهوية إذ يتكشف له أنه سعودي لا كويتي

ربما بدت هذه الفكرة -وغيرها كثير- حاضرة في ذهن الظفيري وهو يشرع في الكتابة، ولهذا نراه صريحا جداً في حديثه عن حيرة ألمت به بشأن الكتابة من عدمها، فهو من جهة يخوض غمار القضايا الكبرى سياسيا وإعلاميا، كما أن الحديث من قلب الجزيرة ربما يعد مشيا في حقول الألغام، ليس فقط بسبب الجدل الذي تثيره الجزيرة منذ نشوئها بما يحفل من تمجيد واتهامات على السواء، وإنما أيضاً بسبب الانقسام الحاد في هذه المرحلة من تاريخ الفكر العربي، فسقوط أنظمة "جمهورية" مقابل رسوخ أنظمة "قروسطوية" يقلب المعايير فلا نسمع إلا صوت التاريخ مقهقها ساخرا، إلا أن المؤلف يحسم حيرته لصالح فكرة أساسية تنشغل بالإصلاح والتطور والتغيير.

حلم الفتى
الكتابة عن النفس تقود صاحبها إلى التاريخ الشخصي، وهو ما نطالعه بكثير من الشغف، عن قصة الفتى البدوي الذي وجد نفسه يعيش في الكويت ويتشرب نسائمه الأولى، ثم يصحو على مأزق الهوية إذ يتكشف له أنه سعودي لا كويتي..

وتلك قصة مشوقة يعرفها تماماً أولئك الذين عاشوا في الظلال بين الحدود والحدود، فالقبيلة العربية قديما تعرف حماها، لكن تقسيمات الوصاية البريطانية حددت مصائر الناس، فصار من على يمين الخط كويتيا بحكم الأرض، مع أنه سعودي بحكم القرابة والدم.

زلزال اجتياح الكويت أوائل تسعينيات القرن الماضي سيشق العرب عربين، ويلقي بظلاله على حياة الفتى.. لقد انكسرت الهناءة الطفولية دفعة واحدة وإلى الأبد، وانفتح جرح "الهويات القاتلة" في قلب الفتى، كما في تاريخ ومصائر الشعوب والدول.

هناك ربما ستبدأ مستويات الوعي بالنمو، حتى تصل بالصغير إلى اختيار هوية منفتحة، سيحتاج سنوات كي تترسخ فيها خياراته، فيختار لنفسه هوية ترتبط بالوعي الجمعي الحضاري، وهو أمر أحسبه ساهم في رسم خيارات الظفيري، فتقوده خطاه ليكون نموذجا لما يمكن تسميته "حلم عربي": الفتى الذي نهض بيده، قادما من الصحراء المبهمة، ليكون إعلاميا في صدارة المشهد.

الجزيرة والثورة
عند هذا الحد من الكتاب، يبدأ الخوض في الرمال المتحركة وربما البحر المتلاطم، فيأخذنا الظفيري إلى تجربته الإعلامية مع التلفزيون السعودي، ثم قناة الجزيرة، وهنا سنرى شهادة شخصية، لكنها في الوقت ذاته وقوف عند أهم القضايا التي تؤرق الإعلاميين والمفكرين والحكومات وحتى الشعوب على حد سواء: الإعلام والحقيقة.

كتاب علي الظفيري دعوة للمعرفة والتأمل انطلاقا من مواكبة الأحداث.. إنه محاولة لإعادة لملمة الصورة الكلية بعدما عشناها لحظة بلحظة. الكتاب شهادة إنسانية تخصنا جميعا وإن بدت متخصصة في الجانب الإعلامي

تلك الأسئلة القديمة المثيرة للجدل -وربما التحزب- حول مصداقية الإعلام وموضوعيته وحياده، ثم دوره، ولعل ذلك يأخذ زخمه واستثنائيته هنا، ليس فقط لجهة المقارنة بين الإعلام الحكومي للأنظمة العربية وتجربة الجزيرة التي فتحت ثقبا في الجدار، وإنما أيضاً لأن ذلك يجري نقاشه على وقع نيران محمد البوعزيزي الذي أشعل تاريخ العرب والعالم فسقطت عروش ودكتاتوريات، وكل ذلك يجري على مرأى من الناس بفضل الحضور الذي أنجزته الجزيرة.

يتعرض علي الظفيري في كتابه إلى مجمل التحولات التي واكبها من خلال عمله الإعلامي، فنحن جميعا نعلم كيف سقط الرئيس التونسي ثم المصري، كما نعلم قطعا كيف واكبت الجزيرة ذلك، لكن الملايين قطعا يتوقون إلى معرفة خبايا الأمور: كواليس المحطة الأشهر عربيا.

وهنا لن يبقى الأمر إعلاميا، بل هو سياسي بامتياز ما دام هو متصلا بمصائر الشعوب والأمم: كيف تعامل الإعلاميون مع نيران أججت مشاعر الملايين؟ ثم ما هي حسابات الأشخاص والدول وتعاملها مع محطة خرقت السائد واليومي والمعتاد؟ ألم تتدخل الجزيرة في رسم الأحداث؟ وما موقف الدولة الراعية للمحطة؟ ألم يكن إعلاميو الجزيرة تابعين للدولة القطرية؟ لماذا نقلت الجزيرة الثورة المصرية على الهواء مباشرة، في حين لم تحظ ثورة البحرين بذلك؟ هل انجرفت الجزيرة في حمى التغيير واعتمدت أجندة خاصة؟ ألم تكن منحازة في التغطية؟ وهل راجعت تجربتها في تغطية الثورات؟

أسئلة كهذه وأخرى أشد خطورة، ستشغل ذهن القارئ وهو يتأهب للقراءة في كتاب الظفيري، فيقدم المؤلف رؤيته للأحداث ولكل ذلك ولما هو أهم، وهو سؤال التغيير والتحولات الكبرى.

قد يجد البعض في الكتاب "كشفا للمستور"، وقد يجد البعض الآخر فيه مجرد تجربة شخصية، لكن الجميع قطعا سيجدون فيه كافة الأسئلة التي أرقتنا -وما زالت- حول تيار التحولات التي جرفت عقودا من عمر أنظمة أبدها الاستبداد والقهر.

كتاب علي الظفيري دعوة للمعرفة والتأمل انطلاقا من مواكبة الأحداث.. إنها محاولة لإعادة لملمة الصورة الكلية بعدما عشناها لحظة بلحظة. الكتاب شهادة إنسانية تخصنا جميعا حتى وإن بدت متخصصة في الجانب الإعلامي فهي تلامس تاريخنا الجمعي، وتهز تاريخ الأفكار أيضاً.

 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك