عرض/ محمد تركي الربيعو
يمثل هذا الكتاب الذي صدر بعد أشهر من وفاة كاتبه المفكر الجزائري محمد أركون خلاصة ما شغل هذا الرجل من هموم فكرية ومعرفية خلال خمسين سنة، وهو كالعادة يتحدث عن قضايا الحاضر الراهن الحساسة من خلال ربطها بجذور التراث البعيدة.


وهذه هي منهجية أركون المشهورة باسم "المنهجية التقدمية التراجعية"، بمعنى أنه يسلط أضواء الماضي على الحاضر وأضواء الحاضر على الماضي لكي يضيء الماضي والحاضر في آن معا.

فنحن برأي المؤلف لا نستطيع أن نفهم حاضر العرب والمسلمين جيدا إن لم نفهم ماضيهم بشكل جيد أيضا.

ولذلك لا بد من دراسة ظاهرة الانحطاط والتراجع العربي ضمن منظور المدة الطويلة كما يقول المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل، أي من خلال التأسيس لما أطلق عليه الكاتب منذ الثمانينيات "علم الإسلاميات التطبيقية" الذي هو علم يسعى إلى إدخال كافة المستجدات التي توصلت إليها العلوم الإنسانية وال

لسانية لتطبيقها على تراثنا العربي والإسلامي.

- الكتاب: نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية
- الكاتب: محمد أركون
- المترجم: هاشم صالح
- عدد الصفحات:431
- الناشر: دار الساقي
- الطبعة: الأولى 2011
الجهل المقدس وعلم الأخلاق الجديد
ينبغي العلم -حسب رأي أركون- بأن هناك طيلة قرون مصدرين أساسيين يغذيان التفكير المتعلق بالأخلاق، هما: التراث الديني من جهة والخط الإغريقي للفلسفة من جهة أخرى، وبأن الثورات العلمية الأولى التي جرت من القرن السابع عشر وحتى التاسع عشر لم تعدل من تأثير هذين المصدرين في ما يخص قواعد تدريس علم الأخلاق.

ولذلك كان ينبغي علينا أن ننتظر القرن العشرين وحصول طفرات كبرى في مجال علم البيولوجيا لكي نشهد ظهور وتشكل اللجان الأخلاقية التي تهدف إلى إعادة بلورة الأخلاق وتأسيسها من جديد.

لكن ما يقلق أركون في هذا الأمر هو غياب أي تفكير في مسألة الأخلاق داخل السياقات الإسلامية المعاصرة، إذ لم يعد هذا الحقل المعرفي يهم أحدا من علماء المسلمين المعاصرين، وهنا وجه الغرابة.

كان موضوع الأخلاق محط اهتمام كبار مفكري العصر الكلاسيكي أو العصر الذهبي كجيل التوحيدي ومسكويه صاحب رسالة في "تهذيب الأخلاق".

ففي ذاك العصر الكلاسيكي المبدع من عمر الحضارة العربية الإسلامية كان هناك توتر وصراع خصب بين المبادئ الأخلاقية المستلهمة من الدين، والمبادئ الأخلاقية ذات المرجعية الفلسفية.

وكانت هذه الأخلاق النظرية بشقيها الديني والفلسفي هي التي تؤثر على السلوك والأخلاق العملية في الحياة اليومية.

لكن هذا التناغم أو التعايش بين الأخلاق الدينية والأخلاق الفلسفية لم يدم طويلا، فقد حصل انفصال بين الخط الديني الذي انتصر وهيمن والذي يرجع منظومة الأخلاق إلى المصدر الأول للاعتقاد الإسلامي المتمثل في كلام الله المتجسد في الخطاب القرآني، وبين الخط الفلسفي الذي هزم وسحق ولم تقم له قائمة بعد القرن الثالث عشر عمليا.

أما في جهة أوروبا فقد حصل العكس تماما، ذلك أن الفلسفة سرعان ما انتصرت وظلت صاعدة منذ القرن السادس عشر حتى اليوم من دون توقف.

الإسلام المعاصر يعاني من قطيعتين لا قطيعة واحدة، القطيعة الأولى مع فتوحاته الفكرية السابقة، والقطيعة الثانية مع فتوحات الحداثة الأوروبية منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم

ولذلك نقول إن الإسلام المعاصر يعاني من قطيعتين لا قطيعة واحدة، القطيعة الأولى مع فتوحاته الفكرية السابقة، والقطيعة الثانية مع فتوحات الحداثة الأوروبية منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم.

أما عن سمات هذا العلم "ما فوق الأخلاقي" على حد وصف أركون فإنه ينطلق من تصور نقدي راديكالي يتجاوز مرحلة "الجهل المقدس" بحسب تعبير المثقف الفرنسي أوليفيه روا الذي يحصر نفسه في تعاليم دين محدد، يعتبر نفسه أفضل من كل الأديان الأخرى، كما عليه أن يتجاوز ذلك التصور الدوغمائي الضيق للأنوار المضاد بشكل فج للأديان التقليدية من دون أن يكلف نفسه عناء المرور بمرحلة النقد الذاتي أو تطبيق المراجعة العقلانية على نفسه.

كما أن تصوره الجديد للأخلاق لا يحصر نفسه في نطاق العلوم الاجتماعية التي تجتر منذ القرن التاسع عشر تلك الراديكالية المتطرفة للنقد الاجتماعي المحصور في المسار التاريخي للمجتمعات الأوروبية فقط.

إضافة إلى ذلك فإن هذه الرؤية الجديدة لا علاقة لها بذلك التصور المضجر والممل الذي يقبع خلف جميع أشكال الحوارات السطحية بين الأديان أو بين الثقافات، خاصة أنها حوارات في مجملها عبارة عن مجاملات وحوارات سطحية لا تدخل في صلب الموضوع.

وبالتالي فإن الخروج الحقيقي من حصرية الأديان كمرجعية وحيدة للأخلاق هو الذي يترافق ويتزامن مع خروج الغرب نفسه من "السياج الدوغمائي المادي الحديث للروح والفكر" لكي يدشن أخيرا تاريخا محررا ليس فقط لشعوبه (الغرب)، وإنما أيضا للشعوب الأخرى الفقيرة المنبوذة المهمشة، بالإضافة إلى الأقليات والمقموعين وضحايا الجهل والخاضعين لأنظمة استبدادية.

التفكير في الفضاء التاريخي المتوسطي
يبدي أركون في هذا الفصل قلقه لكون ما يدعوه بالتاريخ النقدي الاسترجاعي العميق للفضاء المتوسطي لم يكتب حتى الآن.

وهذا التاريخ بالذات يتركز على رهانات الحقيقة والمشروعية والقيم والثقافة الإنسانية ووظائف العقل وأنماط ممارسته لدوره والرؤية الإنتربولوجية الفلسفية للوضع الإنساني، بمعنى أن هذا البحث الجديد المبتكر يتركز على التاريخ العميق لا التاريخ السطحي الذي لا يزال القسم الأكبر من المؤرخين يسلكونه حتى اليوم.

ويقصد بالتاريخ السطحي هنا كتابة التاريخ على الطريقة السردية الوصفية الخطية الأحادية الجانب عموما والمتحيزة وحتى الكاريكاتورية.

وهذه المنهجية التقليدية هي التي هيمنت على علم التاريخ حتى ظهور مدرسة الحوليات الفرنسية وكبار المؤرخين من أمثال لوسيان فيفر وجاك لوغوف.

التاريخ الحقيقي العميق لمنطقة الشرق الأوسط لا يزال ينتظر من يكتبه، ولا نزال ننتظره بفارغ الصبر لأنه هو وحده القادر على أن يعدل في العمق تلك النظرة الأسطورية الأيديولوجية المهيمنة على العقليات في هذه الجهة أو تلك

وبالتالي فإن التاريخ الحقيقي العميق لمنطقة الشرق الأوسط لا يزال ينتظر من يكتبه، ولا نزال ننتظره بفارغ الصبر لأنه هو وحده القادر على أن يعدل في العمق تلك النظرة الأسطورية الأيديولوجية المهيمنة على العقليات في هذه الجهة أو تلك.

ولذلك فإن التأسيس لكتابة "التاريخ الجديد" وفق تعبير المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف من خلال البحث في التاريخ الثقافي لحوض البحر الأبيض المتوسط هو الذي يؤسس للقطيعة الإبستمولوجية أو المعرفية مع تلك النظرة التبجيلية القديمة لكل فئة أو ذاكرة جماعية أو طائفة دينية قدست نفسها بنفسها ونجست سواها داخل إطار السياج الدوغمائي الضيق والتعظيمي لذاتها.

ويمكن قول الشيء نفسه عن الدولة القومية الحديثة التي كتبت التاريخ بطريقة تمجيدية سواء للقومية وهذا ما نشهده سواء في القومية الفرنسية أو الألمانية أو حتى في الدراسات التاريخية التي تتناول الإرهاصات الأولى للفكر القومي العربي.

لويس ماسينيون وأركون
يتحدث أركون في هذا الفصل عن علاقته بمتتبع آثار الحلاج في المدن الإسلامية من كشمير إلى القاهرة، ونقصد هنا أستاذ علم الاجتماع الإسلامي في الكوليج دي فرانس في مرحلة الخمسينيات لويس ماسينيون، وكيف فوجئ أركون الشاب برد ماسينيون عليه برسالة كانت بمثابة رد على مثيلة لها كتبها له أركون حينما كان آنذاك يعد رسالته للدكتوراه في فرنسا.

ولعل ما فاجأ أركون في الرد هو وسم ماسينيون لأركون بصفة الزميل، وهو تقدير أخلاقي لم يتعود عليه في تجربته السابقة مع العديد من المستشرقين الفرنسيين الذين كان على صلة بهم في بلده الجزائر.

لكن رغم الإعجاب بتواضع هذا العالم الفرنسي، يبدي أركون حزنه لفشل محاولاته الدائمة لأن يلفت انتباه سارد آلام الحلاج إلى حقيقة تتعلق بوجود مسافة كبيرة تفصل بين الإسلام كما يعيشه المسلمون وبين الإسلام المثالي اللاهوتي حسب التصور الذي شكله عنه في تأملاته وخلواته الروحية الكبرى، ومن خلال تعاطفه مع المقهورين المظلومين الفقراء. وهذه الرؤية قريبة من رؤية مفكر عربي آخر هو المؤرخ المغاربي عبد الله العروي.

فالإيمان جيد -كما يرى أركون- لكن لا ينبغي المبالغة فيه، أو قل يجب أن لا يتم ذلك على حساب الاستكشاف التاريخي النقدي لكل جوانب الدين وملابساته، وهذه الممارسة النقدية أو الاستكشاف العلمي أصبح ضروريا بل ملحا وعاجلا بالنسبة للإسلام وتراثه الكبير.

وقد شعرت بالألم الحقيقي -كما يقول أركون- لأنني اكتشفت هذا النقص عند شخصية عظيمة مثل لويس ماسينيون، فهو نقص مفهوم على المستوى الإنساني الشخصي، لكنه سلبي على المستوى الفكري. فمن شدة انشغاله بالروحانيات والإيمان العميق نسي الماديات والمشروطيات.

في النهاية ما نود قوله من خلال هذا العرض هو أن  مشروع محمد أركون يعد من أهم المشاريع الفكرية التي شغلت الساحة العربية خلال الثلاثين سنة الأخيرة، وهو مشروع طموح ما تزال العديد من الفعاليات الثقافية والمؤسسات العلمية في بلداننا العربية غير مكترثة به كثيرا.

أركون كثيرا ما كان يسعى من خلال دراساته لإطلاع العقل الإسلامي على آخر المستجدات الفكرية والمعرفية في قراءة التاريخ والتراث العالمي... بما يؤسس لوعي جديد في مكانة وعمق هذا التراث بدل التكرار الاجتراري الدائم لهذا التاريخ

وهذا مع أن أركون كثيرا ما كان يسعى من خلال دراساته لإطلاع العقل الإسلامي على آخر المستجدات الفكرية والمعرفية في قراءة التاريخ والتراث العالمي، أو ما كان يدعوها بـ"نزعة الأنسنة"، بما يؤسس لوعي جديد في مكانة وعمق هذا التراث بدل التكرار الاجتراري الدائم لهذا التاريخ والتراث.

لكننا رغم ذلك نرى أن أركون أحيانا كان يقع في فخ المقولات الفلسفية الجاهزة والبعيدة عن الواقعية التاريخية التي ظل يعترض عليها، فهو بقي مصرا على أن العقل العربي الإسلامي قد قدم استقالته منذ القرن الرابع الهجري بعد تأسيسه لما دعاه "المدونة النصية المغلقة" المتمثلة في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف غير القابلين للانفتاح على أي تأويل جديد.

وذلك في وقت أخذت العديد من الدراسات التاريخية تهاجر في الاتجاه المعاكس للرؤى الفلسفية الجاهزة من خلال دراسة مسار المجتمعات العربية الإسلامية من مرحلة القرون الوسطى حتى بدايات العصر الحديث وإثباتها بأن هذا الشعوب لم تكن "مجتمعات باردة"، بل شهدت جدالا فكريا وفقهيا غنيا.

ولعل هذا ما توضحه على سبيل المثال إحدى الأطروحات التاريخية الجديدة التي لم تلق اهتماما واضحا إلى الآن في الساحة الثقافية العربية مع أنها ولدت من نفس المدرسة الجديدة للتاريخ (مدرسة الحوليات الفرنسية) التي كان يدعونا أركون باستمرار للسير على نهجها.

وهذه الأطروحة هي للمؤرخ التونسي المتميز حسين بوقرة وتتحدث عن الجدال الفقهي والفكري الذي شهدته بلاد المغرب العربي من عام (1350-1800) بشأن مرض الطاعون وما أثاره ذلك المرض من جدال فكري غني بين كافة القوى الاجتماعية السائدة آنذاك، وأثر هذا الجدال على التحولات السياسية في تلك الفترة، وما يشكل قطيعة مع العديد من الرؤى الفلسفية التي غالبا ما وصفت العقل المغربي والعربي بشكل عام بالجمود والتكرار.

ويلمح أركون باستمرار إلى الحركات الإسلامية في المنطقة بوصفها وريثة "الإسلام القروسطي المنغلق" أو "الإسلام البدوي الوهابي"، في حين أن أي التزام بالمنهج الأنتربولوجي التاريخي -الذي بقي هاجس أركون الأساسي لكتابة تاريخ مغاير للمخيال التاريخي الرسمي السائد في العديد من الدراسات العربية- سيشير إلى ما تشهده هذه الحركات من جدال داخلي وتحولات كبيرة في بناها الاجتماعية والاقتصادية، وإلى أن اللغة السياسية لهذه التيارات لا يمكن اعتبارها مؤشرا حقيقا يعكس صورة هذه الجماعات في الزمن العربي المعاصر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك