عرض/ الحسن سرات
صار الربيع العربي علامة فارقة بهذا الزمان، وانتشر حضوره بكل مكان، وسيطر على كل فنان وكاتب مهما كان موضوع الفن والتأليف. وكتاب "ثروة الملوك" برهان على ذلك. فما أن فرغ مؤلفه من استعراض مهنة الملوك والأمراء وثرواتهم الضخمة ومن أين لهم بها، حتى جعل الربيع العربي معيارا ومقياسا لبقاء الملكيات والإمارات، فيرتفع شأن بعضهم به وينزع الملك من بعضهم الآخر بسببه.
 
وهذا الكتاب تحليل سياسي ومالي وتاريخي لما تبقى من ممالك وإمارات، مجموعها 41 مملكة وإمارة ، منها 10 ملكيات في أوروبا، و3 في أفريقيا، و8 في العالم العربي، و15 في آسيا. ومؤلفه مؤرخ ودبلوماسي فرنسي سابق بكوريا بين 2001 و2006، ومدير مساعد بمعهد العلوم والتواصل التابع للمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي.

كان يا ما كان
"كان يا ما كان.. في سالف العصر والأوان، ملك من أغنى ملوك الأرض، وأقوى من كل ملوك الأرض. وكان أيضا من أسعد الملوك. وكانت زوجته من أجمل نساء الدنيا، وجمع الله لهما الحسن والجمال في بنتهما الوحيدة، فلا أجمل منها ولا أبهى".
 
-الكتاب: ثروة الملوك
-المؤلف: باسكال دايز-بورجون
-عدد الصفحات: 300
-الناشر: عالم جديد
-الطبعة: الطبعة الأولى/ نوفمبر2011
هكذا تبتدئ حكايات الطفولة التي سمعها أغلب أطفال العالم من أجدادهم وآبائهم وطالعوها في أوائل الكتب التي قرؤوها. ومما علمته لنا تلك الحكايات ورسخته في الأذهان والأفئدة أن الثروة الطائلة من نصيب قلة قليلة لا تعدو الملوك والأمراء من ذوي الحسن والجمال.
 
ويعود المؤلف الأوروبي سليل الحضارة الهيلينية إلى العصر اليوناني ليقدم الحجة على أن الثروة حاضرة فيذكر الملك الأسطوري ميداس الذي حكم فريجيا والذي آتته ديونيسوس ربة الخمر والمسرح كرامة تحويل كل شيء مسته يداه إلى ذهب خالص. إلا أن الملك اضطر في النهاية إلى غسل يديه في نهر الذهب، الذي كانت مياهه تجري في آسيا الصغرى. فعل ذلك حتى يستطيع الأكل إذ أن كل شيء كان يرفعه إلى فمه يتحول إلى المعدن النفيس.
 
وهذا الملك ذاته كانت الآلهة تكرهه، فآتاه الإله أبولون المهاب الجبار أذني حمار، وظن جاره كريسوس، ملك ليدي، أن بإمكانه أن يغتنم الفرصة ويجني ثمار مغامرات ميداس السيئة، فيجمع ما تناثر من ذهب بمياه نهر الذهب فيصبح من أثرى الأثرياء.
بذلك صار مثلا يضرب فيقال الملياريون أغنياء مثل كريسوس.
 
لكن كريسوس أصابه السوء إذ هاجم ولاياته سيروس، ملك الفرس، واستولى على عرشه. فالمال وحده لا يحقق سعادة الأمراء. وعلى الأقل يسهم في إحاطة حياتهم بالإثارة والغرابة.
 
المال يصنع الملوك
ويرى الكاتب أنه في زماننا هذا، سارت الثروة مع الملكية جنبا إلى جنب، لكن عصرنا المادي استبدل الحكايات والأساطير بالحسابات المالية في البنوك.
 
فقديما كان الملوك هم الذين يصنعون الثروة والمال وهم يضربون السكة باسمهم، لكن اليوم انقلب الحال فصار المال هو الذي يصنع الملوك. فالأميركيون الجمهوريون كانوا سباقين للاقتناع بهذا، فاحتفلوا بتتويج أباطرتهم الرأسماليين، إذ في القرن التاسع عشر سمي كورنيليوس فانديربيت "ملك البخار"، ولقب فرانك جاي غولد "ملك السكك الحديدية"، وتوج جون روكفيلير "ملك البترول"، وهنري هاينز "ملك المعلبات"، وجون بيربونت مورغان "ملك المصرفيين" و"ملك جامعي التحف والكتب والساعات النادرة". وعندما توفي جياني أنيبللي، مالك شركة فيات للسيارات في يناير/ كانون الثاني 2003 قيل في الصحافة "مات ملك إيطاليا". فهاهم أصحاب المليارات هم الملوك في عصرنا.
 
"
قديما كان الملوك هم الذين يصنعون الثروة والمال وهم يضربون السكة باسمهم، لكن اليوم انقلب الحال فصار المال هو الذي يصنع الملوك
"
ويتساءل المؤلف "هل يصح القول على قدر منزلتنا في عالم القناطير المقنطرة من الأموال يكون كرسي عرشنا؟" الجواب هو ما تؤمن به مجلة "فوربيس" النيويوركية المولعة بأصحاب الأموال الطائلة. فما أن تخصصت في الثروات بعد نشأتها عام 1917 حتى دأبت على ترتيب الأثرياء العظام لهذه الأرض منذ عام 1986، فتنشر لائحة ترتيبهم كل سنة بنجاح متزايد. وبعد رجال الأعمال، ونجوم السينما، وكبار الرياضيين، كان منطقيا أن تمر فوربيس إلى ترتيب أصحاب الحكم والتيجان.
 
بدءا من عام 2006، اكتسب الملوك والرؤساء حق تنظيم بطولتهم السنوية، ولا ريب أن ستيف فوربيس، المدير الحالي للمجلة الذائعة الصيت، كانت له حوافزه الشخصية للاهتمام بالأمراء الذين يحكموننا. فهو وارث أبيه مالكوم وعمه بروس، وهما بدورهما وارثان من أبيهما، بيرتي شارل، الذراع الأيمن لقطب راندولف هيرست، الملقب "سيتيزن كان دورسون ويل، والمرتب رابع اسم في شجرة النسب، وإنه بذلك لجدير، إذ ترشح فوربيس الرابع عام 2000 للانتخابات الرئاسية بالحزب الجمهوري، غير أن جورج بوش الثاني، السلالة الأخرى القادمة من الشرق، ذهب بآماله أدراج الرياح، فوجد المرشح الخاسر عزاءه في الاهتمام بالسلالات الملكية والأميرية وتصنيفها وترتيبها.

الملوك والأزمات المالية
ويحقق الترتيب السنوي الملكي نجاحا باهرا سواء على الصحافة المكتوبة أو في شبكة الإنترنت. وما أن يتم النشر حتى تهطل عليه التعليقات والتحليلات من كل حدب وصوب. أليس المال مغريا جدا والملكيات أكثر إغراء أضعافا مضاعفة، خاصة بعد أن علم الناس أن ثروات الملوك أصابتها ريح الأزمة ففقدت حوالي 25% من وزنها بين عامي 2008 و2010.
 
يعلق الكاتب قائلا "مدهش جدا.. حتى الملوك والأمراء تدخل الأزمات إلى حساباتهم، وتكون المبالغ الضائعة خيالية جدا"، فماذا تمثل 21 مليارا السنوية لملك تايلند بوميبول أدوليادي منذ عام 1946؟ من الصعب تخيل الوضع: ربما يمثل الناتج الداخلي الخام لبلد مثل كريت، وربما يمثل ضعفي أرباح شركة السيارات بيجو سيتروين الفرنسية، أو ثلث مبلغ المساعدات المقدمة للبرتغال من قبل الاتحاد الأوروبي في أبريل/ نيسان 2011. وربما يساوي المبلغ مائة وأربعين ساعة من العمل بمقاولة لديها عشرة آلاف أجير يتقاضون أجورهم وفق الحد الأدنى.

الملكة البريطانية إليزابيث الثانية هي الأخرى "سحقتها" الأزمة المالية فلم تعد تحتل سوى الرتبة الـ257 في لائحة أثرى الأثرياء ببلدها، وق الترتيب السنوي لصحيفة صنداي تايمز. رتبة متأخرة عن الدوق ويستمنسر الذي يملك حصة كبيرة من الشقق والبيوت الراقية في لندن، وعن واحد من قدامى مجموعة بيتلز باول ماكارثي، وأيضا عن ج.ك. راولينغ والدة هاري بوتر وفق ترتيب 16 مايو/ آيار2011.
 
شكوك ومراجعة
ويشكك المؤلف في الأرقام والحسابات التي تقدمها فوربيس، إذ من المحتمل جدا أن يكون ترتيب فوربيس أقل من الحقيقة والواقع، فباستثناء المملكة المتحدة وهولندا، لا يوجد ضمن اللائحة الملوك الأوروبيون لأنهم من أصحاب الملايين وليسوا من أهل المليارات.
 
"
مع أن فوربيس أحصت ضمن الأثرياء الكبار أغاخان، إمام الإسماعيليين، الأمير بغير إمارة، إلا إنها صمتت عن لائحة طويلة من الثروات الأميرية بحجة أن أصحابها ليست لهم إمارات فوق الأرض ولا عروش للحكم
"
لكن ذلك لا يعني أنهم ليسوا من المترفين المنعمين، فبين الفينة والأخرى، وعند صدور كتاب تحقيق أو كتاب مقالات، يتضمن معلومات محققة، نعلم أن قروضا بمئات الملايين من اليوروهات تقدم لملك بلجيكا، وبمليارات اليوروهات لملك إسبانيا، أو للدوق الأكبر في لوكسمبورغ. ومبالغ أخرى تتداول بعيدا عن الأسماع والأبصار تقدم لسطان ماليزيا أو إمبراطور اليابان.
 
وحتى طوبو الخامس، الأمير الضخم لمملكة تونغا، الإمارة الصغيرة الضائعة في قاع المحيط الهادئ الجنوبي، يستحوذ على ثروة تقدر بأكثر من 275 مليون يورو، وهي ثروة أعلى من الناتج الداخلي لأرخبيله المقدر بـ175 مليون يورو.
 
ومع أن فوربيس أحصت ضمن الأثرياء الكبار أغاخان، إمام الإسماعيليين، الأمير بغير إمارة، إلا إنها صمتت عن لائحة طويلة من الثروات الأميرية بحجة أن أصحابها ليست لهم إمارات فوق الأرض ولا عروش للحكم.
 
في أوروبا ورث ألبير، الأمير الثاني عشر لـ"توروتاكسي"، أصغر إمارة ألمانية كانت تحتكر البريد زمن الإمبراطورية المقدسة، حوالي 2 مليار يورو عند وفاة أبيه في ديسمبر1990. وليس لدى الملوك الذين أطيح بهم ما يبكون عليه، إذ لهو عزاء وسلوى في الثروات الطائلة التي يكتنزونها، مثل غيانيدرا نيبال صاحب 100 مليون يورو. أما بول اليوناني، وارث الملك قسطنطين الثاني، فقد تزوج بالثرة شانتال ميلير.
من أين لهم هذا؟
كأنما يعيش هؤلاء الأثرياء في كواكب بعيدة بهذا الفضاء.. لكن كيف وصلوا إلى هذه الثروة الفحشاء؟ فملوكنا في هذا الزمان ليسوا مثل نابليون ولا بيل غيت. فما كدحوا في بناء أي إمبراطورية، ولا اخترعوا أي اختراع ثوري، ولا أبدعوا عملا أصيلا. لقد فتحوا أعينهم وسط الثراء والنعيم، فورثوا الملك والسلطان.
 
في بعض الحالات، يبهت المرء وهو يرى أن ثروات ألبير الثاني، أمير موناكو، أو هانز آدم الثاني، أمير ليشتنشتاين، اللذين يتربعان على عرشي بلدين مغمورين، لا يسمع لهما صوت ولا يقام لهما وزن، يتفوقان بمبالغ خيالية على الملكة إليزابيث الثانية، قائدة دول الكومنولث، الفدرالية التي تضم 54 بلدا، موزعة فوق القارات الخمس كلها. هذان أميران ملياريان يتساويان في الثروة مع دولتيهما القزمتين.

ويقر بأن هذه الأرقام قابلة للمراجعة والتشكيك، انطلاقا من عناصر واضحة، فإن مجلة فوربيس ترخي العنان لنفسها مستسلمة لحسابات مغامرة تريد بها أخذ قرائها على حين غرة بخبطات إعلامية وإغراقهم في الصدمة بدل إخبارهم بالحقائق.
 
"
يبهت المرء وهو يرى أن ثروات ألبير الثاني، أمير موناكو، أو هانز آدم الثاني، أمير ليشتنشتاين، اللذين يتربعان على عرشي بلدين مغمورين، يتفوقان بمبالغ خيالية على الملكة إليزابيث الثانية
"
وخطيئتها الكبيرة تتجلى في خلطها بين الممتلكات العمومية الموضوعة رهن إشارة الملك والأمير من قبل الحكومات، والممتلكات الخاصة التي تعود له ولأعضاء أسرته. لذلك احتج مكتب الممتلكات بالقصر الملكي الذي يدير أموال ملك تايلند ضد المبالغ القارونية لمجلة فوربيس التي أسندتها عام 2008 للملك عبدلايج. التلبيس نفسه احتجت عليه المملكة المتحدة منذ عقدين من الزمان، إذ أسند إلى ويندسور ثروة مليارات عدة لأن الحساب أدخل حتى المجوهرات الملكية المعروضة في منارة لندن التي لا تملك منها الملكة سوى حق الاستعمال في زينتها دون ملكيتها.
 
ومنذ أن علم البريطانيون بهذه الحقائق توقفوا عن ارتكاب الأخطاء في الحسابات المتعلقة بملكتهم.
فلماذا بقي التلبيس في حسابات تايلند؟ تجيب فوربيس بالنفي لأن العائلة المالكة بالبلد هي المتحكمة في مكتب القصر الملكي، ولا تملك الحكومة من أمرها شيئا، بل عليها لزوم الصمت وإخفاء الحقائق دون نقاش. ويخلص الكاتب إلى أن الجدال على كل حال ليس جديدا، وسيبقى مفتوحا.
 
تدليس ملوك أوروبا
يؤكد الكاتب أنه في الملكيات المطلقة ما زال الأمير يعمل بقول الملك الفرنسي لويس الرابع عشر "الدولة هي أنا" وبقول فرعون "أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي"، فلا حدود بين الميزانيتين العامة والخاصة.
 
وعندما يبني ملك عربي جامعة تبلغ ميزانيتها المليارات فلا تعرف حقيقة مصدر التمويل: هل هو من الميزانية العامة أم من الثروة الخاصة. وليست الملكيات بالديمقراطيات الغربية مبرأة من التدليس في الميزانيات، إذ تتعقد الحسابات والمداخيل والنفقات، فيختلط الخاص بالعام ويسهل التلاعب. وبعبارة أخرى، لا شيء يمنع الأمراء من الاستفادة من الخدمات العامة لفائدة الثروات الخاصة. وهنا يختصر القول كله.
 
فباستثناء البلدان الثورية والجمهوريات الشرسة، لا تجد الشعوب الأخرى غضاضة في أن يكون ملوكها من الأثرياء، فلا عتاب ولا ملام، فالملك يحمل فوق رأسه تاج الحكم ويعيش في القصور ويستقبل ويودع ويحتفل.. وذلك لا يكون إلا بالتمويل.
 
لكن الأزمات المتعاقبة والعقول المتغيرة جعلت الشعوب تنظر للأمور نظرة أخرى لا تخفى دلالتها، فلا يعقل أن يستمر هؤلاء في العيش في عنان السماء على حساب المساكين والفقراء.. نعم للثورة الرمزية، لا للثروة الخيالية: هذه هي المقولة الصاعدة الآخذة في الانتشار.
 
الملكيات والربيع العربي
وصف الكاتب الاحتفال الأسطوري الذي أقامه "ملك الملوك" شاهنشاه رضا بهلوي آخر ملوك إيران من 12 إلى 16 أكتوبر/ تشرين الأول 1971 بمناسبة مرور 2500 سنة على ولادة سيروس الأول مؤسس الإمبراطورية الفارسية. كل ملوك الأرض وأمراؤها ورؤساؤها كانوا حاضرين، ومن لم يحضر شخصيا أرسل من يمثله أعلى تمثيل.
 
"
الممالك والإمارات الحالية مهددة بالزوال إذا لم تجسد رغبات شعوبها في النمو والخروج من الجهل والفقر والمرض والفوضى والتمزق، ولن تنجح في ذلك إلا إذا قاومت غواية السلطة وإغراء الثروة
"
لم يكن الحفل -مشهدا ومطعما ومشربا ورقصا وغناء ومقاما- ينتمي لأهل الأرض، ولكنه كان أبعد ما يكون عن التخيل. بلغت الأموال المنفقة فيه 17 مليون دولار -65 يورو- بما فيها إعادة بناء المطارات والطرق السيارة والفنادق والإقامات المخصصة للضيوف الكبار. بضع سنوات بعد ذلك، انهار النظام الخرافي مثل قصر رمال، تحت أقدام الثورة الشعبية في 16 يناير/ كانون الثاني 1979 وذهب أدراج النسيان والرياح.
 
ويخلص الكاتب إلى أنه لم يبق من الملكيات في عصرنا الحالي إلا التي دافعت عن بلدها ومجتمعها، ففي أوروبا بقيت حية الإمارات والممالك التي قاومت النازية في الحرب العالمية الثانية، وفي باقي دول العالم، وبقيت الملكيات التي قاومت الاستعمار مثل مملكة تايلند واليابان والمغرب وكامبودج.
 
ويفرض الربيع العربي حضوره في خاتمة الكتاب، ويستخلص منه الكاتب الدروس والعبر لينصح الملكيات نصائح من ذهب، حتى لا يصدق عليها قول بوسوييه للملك الرابع عشر "يا سيدي الملك، الملكيات هي الأخرى تموت، كما يموت الملوك".
الممالك والإمارات الحالية مهددة بالزوال إذا لم تجسد رغبات شعوبها في النمو والخروج من الجهل والفقر والمرض والفوضى والتمزق، ولن تنجح في ذلك إلا إذا قاومت غواية السلطة وإغراء الثروة وشيدت صرح الديمقراطية والشورى وحافظت على القيم الأصيلة لمجتمعاتها الخائفة من المستقبل الغامض المجهول.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك