عرض/ حسين عبد العزيز
يتناول الكتاب ثلاث حالات مختلفة لما يمكن أن تنتهي إليه معركة التغيير الديمقراطي في الوطن العربي: حالة الثورة المصرية بوصفها حالة تغير معادلة السلطة وعلاقاتها بشكل حاسم مستفيدة من ميزان قوى داخلي لصالحها، وحالة تغيير يقع عن طريق توافق بين النظام والمعارضة (المغرب)، وحالة تغيير يصطدم بفقدانه ميزان القوى الداخلي، ويصطدم بامتناع ميلاد توافق بين النظام والمعارضة (سوريا).
 

-الكتاب: رياح التغيير في الوطن العربي (مصر ـ المغرب ـ سوريا)
-المؤلف: مجموعة باحثين
-تحـرير: عبد الإله بلقزيز

-الصفحات: 271
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة الأولى: 2011

ثورة 25 يناير في مصر
يرى مؤلف هذا الفصل أن طبيعة الحكم الاستئثاري الاستبدادي في مصر خلقت حالة تراكم من الضغوط الداخلية على مؤسسات وأسلوب الحكم أدت إلى الانفجار في اللحظة التي اشتمت فيها القوى الشعبية الحية ترهل النظام السياسي.
ومن أهم العوامل الداخلية التي أدت إلى الانفجار كما يستعرضها المؤلف الأسباب التالية:
ـ قانون الطوارئ المعمول به منذ عام 1980.
ـ التعديلات الدستورية المتتالية التي أدت إلى خنق الحياة السياسية.
ـ الشبكة الأمنية المكونة من أكثر مليون ونصف من العاملين ومهمتها القضاء على بذور التمرد والمحاسبة.
ـ السياسات الاقتصادية التي أدت إلى بروز طبقة من رجال الأعمال الذين يقومون بأعمال أقرب إلى أعمال السمسرة.
ـ بروز اقتصاد ريعي يعتمد على عائدات قناة السويس والغاز والمساعدات الخارجية.
ـ الفساد المتفشي في كافة مرافق الدولة.
ـ تزايد الفجوات الاجتماعية بسبب تزايد الفقر والجهل.
أما الأسباب الخارجية، فيحددها المؤلف بالسياسة الخارجية لنظام مبارك، والتي فككت إنجازات ثورة 23 يوليو/تموز عام 1952 على الصعيدين الداخلي والخارجي، وكان من نتيجة هذه السياسات ازدياد التبعية للإملاءات الخارجية وخاصة الأميركية فيما يتعلق بسياسة مصر الإقليمية، ولإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية الداخلية.
وعن تعبئة وتنظيم الاحتجاجات، يرى المؤلف أنه من الصعوبة بمكان تحديد الجهة التي نظمت الثورة، هل هي ثورة عفوية؟ أم ثورة نظمت عبر الإنترنت والفيسبوك والتويتر؟ ولا تتوفر أيضا معلومات دقيقة عن كون التعبئة ثم التنظيم ثم إدارة الاحتجاجات تعود إلى جهة واحدة، أو عدة جهات تم التنسيق بينها.
وعلى الرغم من مواكبة الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني لقافلة الاحتجاجات وتأديتها أدوارا مهمة، فإنه من الصعب القول إن هذه الأحزاب لعبت دورا رياديا في انطلاق الثورة.
لقد شاركت جميع الفئات في الاحتجاجات، مما ينفي النظرة الطبقية في تحديد مسار الثورة، وهذه المشاركة الواسعة هي التي حسمت بسرعة انتصار الثورة وحصنتها.
باختصار يؤكد المؤلف أن ثمة نمطا جديدا للعمل الجماهيري يستحق الدرس، وهذا ما يجب أن يحصل في المستقبل القريب، فنجاح الاحتجاجات في تونس ومصر يستدعي التوقف عند مسألة التعبئة والتنظيم. 
التعديلات الدستورية والإصلاح السياسي في المغرب
حكمت النظام السياسي في المغرب مفارقة غريبة: التشدد في النصوص الدستورية والقانونية، والمرونة وأحيانا التسامح في التطبيق، ومن داخل هذه المفارقة كان يمكن لكثير من الهوامش أن تفتح أمام حياة سياسية مستقرة إلى حد ما.
"
سعة السلطات التي تعود للملك لم تمنع المغرب من التمتع بأسباب حياة سياسية مستقرة نسبيا، توفر فيها الحد الأدنى من الحريات وانتظمت فيها مواعيد الانتخابات وحصلت المرأة على كثير من حقوقها
"
ويرى المؤلف أنه ليس من اليسير القول إن نظام الحكم الذي ساد المغرب قبل الاستفتاء على الدستور الجديد في 1 يوليو/تموز 2011 هو نظام الحكم الملكي المطلق، إلا إذا شاء القائل اختزال الدستور إلى الفصل 19 الذي يعطي الملك سلطات غير مقيدة ويضرب عرض الحائط بالفصول الأخرى من الدستور التي تقرر في أحكامها حقوقا معتبرة.
في ضوء ذلك يؤكد المؤلف حقيقتين مترابطتين: أولاهما أن سعة السلطات التي تعود للملك لم تمنع المغرب من التمتع بأسباب حياة سياسية مستقرة نسبيا، توفر فيها الحد الأدنى من الحريات وانتظمت فيها مواعيد الانتخابات وحصلت المرأة على كثير من حقوقها، وثانيتهما أن الصلة التي ما انقطعت بين الملك والحركة الوطنية أنضجت شروط تفاهمات متبادلة تجاوزت نطاق النصوص الدستورية والأطر المؤسسية القائمة.
وفي نطاق هذه التفاهمات أمكن مثلا أن تشكل حكومة التناوب التوافقي الذي سمح لأحزاب الكتلة الديمقراطية بأن تشكل حكومة بقيادة زعيم الاتحاد الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي، وأمكن إعمال قاعدة المنهجية الديمقراطية التي سمحت بتأليف حكومة عباس الفاسي.
ويؤكد المؤلف أنه منذ تولي الملك محمد السادس مقاليد البلاد عام 1999 بدأ الحديث عن مرحلة جديدة في المغرب عززتها سياسات الملك نفسه، وخاصة تلك التي تكرست لتصفية مواريث الاستبداد والقمع، لكن هذه الخطوة وغيرها لم تتحول إلى تغيرات في الدستور إلى أن أطلت الثورات العربية.
ومثلما بدت حركة الشباب العربية مفاجئة للجميع في زخمها الثوري ورباطة جأشها، كذلك بدت حركة 20 فبراير المغربية التي طالبت منذ البداية بملكية دستورية.
ولما كان مطلب الملكية البرلمانية قد فرض نفسه هدفا للإصلاح، جاء خطاب الملك في 9 مارس/آذار 2011 ليكرس اعتقاد الناس أن موعد الملكية البرلمانية قد أزف، غير أن بدء المشاورات حول التعديلات الدستورية، كشف بالتدريج لأحزاب الحركة الديمقراطية الحدود الممكنة لمطالب التغيير الأمر الذي ترجمته مقترحاتها الدستورية المقدمة إلى اللجنة المكلفة بالتعديلات.
ويرى المؤلف أن الهندسة السياسية التي قامت عليها هذه المقترحات لم تكن تتصل بنظام الملكية البرلمانية على نحو ما هو متعارف عليه في الفقه الدستوري الحديث، ويعود ذلك إلى سببين:
ـ عدم رغبة قسم من الأحزاب السياسية في رؤية تغيير حقيقي في بنية النظام السياسي، وفي التوازنات التي رسا عليها منذ عقود، ويتعلق الأمر بالأحزاب التي ارتبطت تاريخيا بالسلطة.
ـ إدراك أحزاب الحركة الوطنية والإسلامية أن الأفق المفتوح أمام الإصلاحات الدستورية لن يأخذ البلاد نحو ملكية برلمانية على النمط الأوروبي لأن حقائق الوضع السياسي في المغرب لا تسمح بذلك، ولأن الحاجة إلى تكريس بعض السلطات للملك تفرض نفسها ضمانةً للتوازن السياسي والاستقرار الاجتماعي.
"
اختلف الفرقاء السياسيون حيال المقترحات التي أدخلت على الدستور بين مؤيد ومعارض، والنتيجة النهائية هي أن التعديلات الدستورية لم تفض إلى الملكية البرلمانية
"
اختلف الفرقاء السياسيون حيال المقترحات التي أدخلت على الدستور بين مؤيد ومعارض، والنتيجة النهائية هي أن التعديلات الدستورية لم تفض إلى الملكية البرلمانية.
لكن المؤلف يؤكد في المقابل أن نص الدستور المعدل خطا خطوات نحو هندسة سياسة لنظام الحكم قائمة على توازن في السلطات، ويمكن تلخيص صورة هذا التوازن الجديد على النحو التالي:
ـ السلطة الحصرية الرئيسية، التي يتمتع بها الملك طبقا للدستور المعدل، وهي سلطة إصدار الظهائر المتعلقة بالشأن الديني بوصفه أميرا للمؤمنين، ومن هذا الموقع يرأس المجلس العلمي الأعلى المخول إصدار الفتاوى، وسلطة الظهير الملكي التي تسمح للملك بحل البرلمان وتعيين القضاة وتعيين المحكمة الدستورية.
ـ السلطة التشاركية، بين الملك والحكومة والبرلمان، ومنها سلطة إصدار الملك ظهائر توقع بالعطف من قبل رئيس الحكومة، وهذه الشراكة في السلطة تشمل الشراكة في السلطة التنفيذية من خلال مجلس الوزراء، وفي مداولات المجلس الأعلى للأمن حيث يمكن للملك تفويض رئيس الحكومة صلاحية رئاسة اجتماع المجلس.
ـ السلطة المستقلة للحكومة والبرلمان، وقد أعطى الدستور الجديد سلطات إضافية للحكومة والبرلمان، حيث أصبحت مساحة التشريع لدى البرلمان أوسع من ذي قبل.
 
الانتفاضة في سوريا
سورية إلى أين؟
تحمل الأزمة السورية الراهنة سمات تجعلها أصعب الأزمات المركبة التي واجهتها البلاد طيلة تاريخها الحديث، وزاد من خطورتها الطريقة التي اختارها النظام لمعالجتها، حيث قرأ الأزمة منذ بدايتها على أنها مؤامرة خارجية تقاطعت مع تعبيرات داخلية، لا تؤمن بالحرية وإن رفعت لواءها، ولا تريد الديمقراطية وإن تمسحت بأعتابها، لكونها مذهبية متطرفة، ويهدد نشاطها وحدة الوطن والشعب، فلا ينفع معها حل سياسي أو خيار غير العنف.
وكما يحدث عند نشوب صراع داخلي عنيف، عبأ النظام قوى مجتمعية ورسمية، عسكرية وشبه عسكرية وزج بها في المعركة لتحقيق هدفين:
"
النظام السوري اختار منذ البداية الحل الأمني لمشكلات لا تحل بالأمن، فأدخل البلاد في المجهول، وفتح أبوابها أمام صراع مفتوح على عنف قد يصل إلى حرب أهلية
"
ـ حرف النشاط الشعبي عن طابعه السلمي، وتحويله إلى عنف يسهل القضاء عليه، لأن أعدادا من المتظاهرين ستعود إلى بيوتها إذا ما انقلب نضالها في سبيل حريتها وحقوقها إلى أعمال مسلحة.
ـ استثمار ما في المجتمع السوري من نقاط ضعف بنيوي واختلافات متنوعة قابلة للاستغلال، طبقية أم مناطقية أم مذهبية أم إثنية، ما دام تفعيلها يحول التمرد من نضال في سبيل حقوق مشروعة إلى صراع داخلي بين فئات اجتماعية متناقضة متعادية، وتحويل السلطة من طرف فيه إلى حكم.
ويرى المؤلف أن النظام اختار منذ البداية الحل الأمني لمشكلات لا تحل بالأمن، فأدخل البلاد في المجهول، وفتح أبوابها أمام صراع مفتوح على عنف قد يصل إلى حرب أهلية، وكشفها خارجيا عبر وضعها في مهب تدخلات متنوعة، ووضع النظام المجتمع السوري أمام خيارين لا ثالث لهما، إما التعرض لضربات عنيفة متلاحقة على أمل أن يؤدي استمرارها إلى إرغامه على الرد بعنف مقابل، أو القبول بالهزيمة والعودة إلى علاقة الرضوخ التي كانت سائدة قبل التمرد.
ويؤكد المؤلف أن النظام عمل منذ البداية على عسكرة التمرد، وتحويل الصراع إلى قتال بين النظام وعصابات مسلحة، يؤكد وجودها نظرية المؤامرة التي تبناها، واستنفار الأقليات ضد الأغلبية، ويضع البلد على مشارف قتال مذهبي لا ترضى قطاعات علمانية واسعة الانخراط فيه.
ويرى المؤلف أن هذا الواقع قد يدفع المعارضة الإسلامية إلى رد مسلح، يمكن أن يكسب قطاعات وازنة من المجتمع الأهلي غير الإسلامي سياسيا في حال استمرار الحل الأمني، وهذا ما يسعى إليه النظام لتحقيق هدفين:
ـ خروج قيادة الشارع من يد الذين تغلب عليهم صفة الحداثة والانتماء إلى المجتمع المدني، وتحول المعركة من نضال في سبيل الحرية والعدالة إلى قتال مذهبي.
ـ ذهاب سوريا دولة ومجتمعا إلى صراع تدميري طرفه الأول السلطة، والثاني المجتمع التقليدي، الذي يحمل مطالب حديثة، لكنه سيتبنى مطالب مذهبية طائفية، هي وقود لا بد منه للحرب الأهلية.

"
إذا لم تتضافر جهود الكتلة التاريخية الجديدة، فإن البلاد ستتأرجح إلى درجة التمزق بين حل أمني من فوق وحل أمني مقابل من تحت، وسيكون القضاء على النظام السلطوي أمنية بعيدة المنال
"
وأمام هذه المعطيات يتحدث المؤلف عن حلين ممكنين للأزمة الراهنة: الحل الأول تأليف كتلة تاريخية جديدة تضم قوى الإصلاح في الحزب والسلطة إلى المعارضة والمثقفين والشباب وقطاعات المجتمع الأهلي، لعزل التطرف والمتطرفين على جانبي الصراع، ووقف العنف وفتح باب الحوار الوطني مقدمة لتسوية تاريخية تأخذ البلاد إلى طور انتقالي قائم على نمط توافقي مدني يؤسس لدولة ديمقراطية.
والحل الثاني، تأليف كتلة تاريخية بديلة تضم المعارضتين الحزبية والثقافية إلى الشباب والمجتمع الأهلي، تقاوم في آن معا سلميا وشعبيا نظام الحل الأمني.
ومع أن أيا من هذين الخيارين ليس سهلا، فإن خروج البلاد من الوضع الراهن مرتبط بتحقيقه، اللهم إلا إذا حقق الحل الأمني انتصارا كما يأمل أربابه.
هنا يطرح المؤلف سؤالا، إلى أين تذهب سوريا؟ ويجيب بأنه إذا لم تتضافر جهود من سماهم الكتلة التاريخية الجديدة، فإن البلاد ستتأرجح إلى درجة التمزق بين حل أمني من فوق وحل أمني مقابل من تحت، وسيكون القضاء على النظام السلطوي أمنية بعيدة المنال.

المصدر : الجزيرة

التعليقات