عرض/ هيثم أبو زيد
لا ينطلق مؤلف هذا الكتاب من دراية نظرية فقط، ولا من مجرد خبرة أكاديمية حصلها في مجالات البحث والدرس، فالمؤلف رغم كونه باحثا في علوم السياسة والاجتماع، وأديبا صدر له عدد من المؤلفات الروائية، وكاتبا في عدد من الصحف والمجلات المصرية والعربية، فإنه أيضا ناشط سياسي، ومشتبك مع الواقع السياسي المصري، ومشارك في الحراك السياسي الذي انطلق في مصر بدءا من عام 2005، وصولا إلى ثورة يناير التي انغمس المؤلف تماما في تفاصيلها الحركية، ووقائعها الكبرى، وأيام مدها وجزرها.

كما برزت المساهمة السياسية للمؤلف بعد الثورة في كثير من الأحداث، لا سيما الجهود التي بذلها عدد من السياسيين والمثقفين إبان الانتخابات الرئاسية المصرية لتوحيد القوى الثورية على مرشح واحد يمثل مطالب الثورة وأهدافها. لذلك، فإن حديث المؤلف عن "مسارات المقاومة السلمية" يصدر عن خبرتين: نظرية بحثية، وعملية حركية، وهو أمر يكسب الكتاب أهمية فوق أهمية موضوعه.

المقاومة.. جبهات ثلاث
يرى المؤلف أن حصر فكرة المقاومة في مواجهة المحتل الأجنبي الغاصب يمثل اختزالا لمفهوم واسع يشمل جبهات ثلاث: الأولى، مقاومة الاستبداد والدكتاتورية وجور الحكام، وهي مقاومة أخذت أشكالا متعددة عبر التاريخ الإنساني، وكان أعلاها متمثلا في الثورات العارمة التي عرفتها البشرية، سواء منها ما اصطبغ بلون الدم إلى أقصى حد مثل الثورة الفرنسية، أو ما كان منها أحرص على صون الدماء، والافتخار بوصف الثورة البيضاء كثورة يوليو المصرية عام 1952.

- الكتاب: التغيير الآمن.. مسارات المقاومة السلمية من التذمر إلى الثورة
- المؤلف: عمار علي حسن
- الناشر: دار الشروق، القاهرة
- الطبعة: الأولى/ نوفمبر2012

وبين هذين اللونين تدرجت الثورات التي غيرت مصير الإنسانية ومسيرتها، واتخذت هذه الأنماط الثورية صورا متفاوتة لمقاومة الاستبداد، منها العصيان المدني، والتمرد، والتظاهر السلمي، والاحتجاج العنيف الذي قد يصل إلى مرحلة رفع السلاح في وجه السلطان الجائر.

ويشير المؤلف إلى أن كل أشكال مقاومة الاستبداد، السلمي منها والعنيف، قد نالت حظها من النجاح والفشل، فلا يوجد شكل معين للمقاومة نجح بصفة دائمة، ولا آخر لازمه الفشل عبر التاريخ.

وبغض النظر عن انتصار المقاومة أو هزيمتها، يرى المؤلف أهمية بالغة للاستمرار في رفع راية مقاومة الاستبداد، حتى مع قلة العدد والعدة والأنصار، حفاظا على حركة التقدم الإنساني، وإبقاء لجذوة أشواق الجماهير إلى العدل والحرية مشتعلة، وجعل راية الاحتجاج تنتقل من جيل إلى جيل دون توقف.

أما الجبهة الثانية للمقاومة فتتمثل –برأي المؤلف- في مواجهة الجمود الفكري، والتقاليد البالية، والأعراف الممعنة في التخلف. وهذه المواجهة هي الأطول والأعرض في تاريخ الإنسانية، فإذا كانت الفورات المسلحة والانتفاضات العنيفة يمكن أن تحدث أثرا سريعا أو أن تأتي بنتائج معجلة، فإن معطيات التاريخ تؤكد بجلاء أن النخب التي تقفز للأمام في ظل الأوضاع التي تعقب الثورات والهبات، يمكن أن تعود إلى ممارسة ألوان فاقعة من الاستبداد والفساد، على غرار تلك التي زالت، فتبدو مسيرة التاريخ وكأنها لا تغادر محلها. أما عطاء المفكرين والعلماء والمبدعين فهو وإن كان لا يحدث تغييرا سريعا، ولا تصاحبه جلبة وصخب، إلا أن أثره تراكمي، يسري في أوصال الحياة فيغير ما يسود فيها تغييرا متتابعا.

ويستلهم المؤلف التراث الصوفي التليد ليبرهن على أهمية الجبهة الثالثة للمقاومة، والتي تتمثل في مجاهدة النفس، ومقاومة رغائبها، ويتكئ المؤلف طويلا على كلام أئمة الصوفية في هذا الشأن، فينقل عن الغزالي، والقشيري، وابن عطاء الله السكندري، كما يسير بنا المؤلف في رحلة طويلة مع آيات القرآن الكريم التي تناولت موضوع المجاهدة وتزكية الأنفس، وبرأي المؤلف، فإن الاهتمام بهذه الجبهة الثالثة، يجعل الإنسان في حالة دائمة من استصحاب الفعل المقاوم، وهي حالة تسهل على صاحبها قراره بمقاومة الأعداء أو المستبدين.

مرجعية أفضل للفعل المقاوم
وإذا كان لابد للمقاومة من إطار مرجعي يحكم حركتها ويضبط بوصلتها في سيرها نحو أهدافها فإن المؤلف يقترح فكرة "منظومة قيم سياسية" كبديل للأيديولوجيا، وذلك بعد ما وجهه كثير من المفكرين الغربيين والعرب للأيديولوجيا من نقد، حتى صار مصطلح الأيديولوجيا يعبر عن "معنى كريه" يفسد ولا يصلح.

وإذا كان الفرار من الأيديولوجيا صعبا في نظر الكثيرين، فإن البديل –برأي المؤلف- هو تفكيك أبنيتها، بحيث ننزع عنها بعض الأوهام، مثل الحديث عن ارتباطها بالطبيعة البشرية، والادعاء بعلميتها التامة، واستخدامها في تسويغ الأخطاء الفادحة...، وعند هذا الحد من التفكيك والمراجعة ستؤول الأيديولوجيا في النهاية إلى "منظومة من القيم السياسية" قد تختلف من أيديولوجيا لأخرى.

ويرى المؤلف أن هذا الاتجاه سيتعزز بثقة وتمهل خلال العقود القادمة، بعد ما عجزت الأيديولوجيا عن تفسير كثير من الأحداث الكبرى التي شهدها العالم، مثل تفكيك إمبراطورية بحجم الاتحاد السوفياتي، وانتشار التطلعات القومية، والحركات الانفصالية، وصعود حركة الإحياء الديني، ليس في الإسلام فحسب، بل في كثير من الأديان.

لكن المؤلف يرى أن صياغة نسق قيمي لا يعني أننا بعيدون تماما عن الطرح الأيديولوجي، إذ إن أي أيديولوجيا تتكئ على قيم ما، لكن القيم المتضافرة تبدو أكثر قدرة على تجاوز العثرات التي لم تتمكن الأيديولوجيا من تجاوزها، ليس لأنها قادرة على التخلص من أوهام الأيديولوجيا فقط، بل لأنها أيضا تمتلك من المرونة والتفاعل مع معطيات الأزمنة والأمكنة ما يجعلها تستطيع أن تتجدد باستمرار.

المقاومة المدنية هي الاحتجاج السلمي المباشر ضد أفعال وسياسات الخصوم، وهي ترمي إلى حرمانهم من السيطرة على المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، أو ردع من بيدهم الأمر

المقاومة المدنية
وعبر فصل كامل، يتناول المؤلف معنى المقاومة المدنية وطرائق عملها المختلفة، ويعرف المقاومة المدنية بأنها: الاحتجاج السلمي المباشر ضد أفعال وسياسات الخصوم، وهي ترمي إلى حرمانهم من السيطرة على المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، أو ردع من بيدهم الأمر، فلا يقدمون على اتخاذ قرارات أو خطوات تضر مصلحة الجماهير الغفيرة.

ويرى المؤلف أن المقاومة المدنية تعتمد على ثلاثة أشكال رئيسة "للاعنف": الأول يتمثل في صورة رمزية قولا وفعلا، لمعارضة الخصم أو إقناعه من قبيل الإضرابات، والاعتصامات، والمظاهرات، والعصيان المدني، وتنظيم المظاهرات، واستخدام الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب في الاحتجاج، واستخدام مختلف ألوان الفنون الشعبية كالموال والنكات والأمثال، ورفع الشارات التي ترمز إلى قوى المقاومة والأعلام الوطنية، وتنظيم الندوات والحلقات النقاشية، وعقد المحاكمات الشعبية.

ويتمثل الشكل الثاني"للاعنف في "عدم التعاون" أو المقاطعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك من قبيل رفض التحالف مع الخصم، والامتناع عن تأييده، وتبني مواقف شفهية للدفاع عمن يقاومه، ومقاطعة الانتخابات، وعدم التعاون مع المؤسسات الرسمية، ورفض الوظائف والمواقع البيروقراطية التي تعرضها السلطة، وإعلان حالة عامة من شق عصا الطاعة.

أما الشكل الثالث للمقاومة اللاعنفية فيقوم على "التدخل غير العنيف"، نفسيا من خلال تصرفات عدة مثل التعريض بالأعداء وفضحهم، والصلاة والصيام، وممارسة الضغوط الأخلاقية، والإضراب عن الطعام. وجسديا بطرق عدة كالجلوس خارج المكاتب رفضا للعمل، والمزاحمة والغمغمة والتجهم في وجه الظالم والغاصب. واجتماعيا بتأسيس نموذج حياتي مغاير، وتدشين مؤسسات بديلة، ونظم اتصال مختلفة، والتهديد بتكوين منظمات مسلحة، وتحدي القوانين المعمول بها، وإبداء عدم الخوف من السجن، وتشكيل حكومة موازية.

ولا يفوت المؤلف أن يبين مصدر هذه الأساليب اللاعنفية للمقاومة، فهي مستخلصة من تجارب الشعوب وخبراتها في مختلف الأزمنة والأمكنة، لذا فهي مفتوحة دائما أمام إبداع طرق جديدة تضاف إليها، وكذلك إعادة إنتاج الأساليب القديمة في سياقات مغايرة طالما احتفظت بفاعلية ملموسة في تحقيق الأهداف التي يحددها المقاومون.

الثورات ليس لها طريق واحد للتطور والارتقاء، فبعضها توقف في منتصف الرحلة، وبعضها الآخر تم تشويهه وشيطنته، وبعضها انتهى إلى مجموعة من الإصلاحات البسيطة

الثورة السلمية
يرى المؤلف أن الثورات في تاريخ البشرية مختلفة في ملامحها كاختلاف بصمات الأصابع، فلا توجد ثورة تشبه أخرى. ومن هنا، فإن من العبث أن نقيس أيا من الثورات العربية الحالية على ثورات أخرى، أو أن نضع أمامنا نموذجا لثورة شهدنا وقائعها ونحن نراقب ثورة أخرى تولد أو لا تزال وقائعها جارية.

كما أن الثورات ليس لها طريق واحد للتطور والارتقاء، ولا يمكن ضمان تحقق غاياتها ومقاصدها في كل الأحوال، فبعض الثورات توقف في منتصف الرحلة فسجله المؤرخون كمجرد "انتفاضة" أو "هبة"، وبعضها الآخر تم تشويهه وشيطنته ونزع التعاطف الاجتماعي تجاهه، كما أن هناك ثورات انتهت إلى إدخال مجموعة من الإصلاحات البسيطة على النظام القائم.

كما يرى المؤلف أن فكرة "الثورة المضادة" ملازمة لكل الثورات التي عرفتها البشرية، فلا تقوم ثورة في أي زمان أو مكان إلا وقامت ضدها قوى تهدف إلى إفشالها ومحاولة إرجاع أوضاع المجتمع إلى سابق عهدها، والإبقاء على مصالح القلة التي كانت تتمتع بها. وإذا كانت "الثورة المضادة" خطرا يهدد ثورة الجماهير، فإن "سرقة الثورة" خطر أشد تتعرض له الثورات على يد قوة غير ثورية من الأصل، تأتي متأخرة، وتستغل الطريق الذي شقته الطليعة الثورية فتمر منه لتقتنص الثمرة بمفردها، وتبدأ في إقصاء الطليعة الثورية تدريجيا عن المشهد السياسي، حتى يتواروا في الظل يتحسرون على الجهد الضائع والأحلام التي ذهبت سدى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك