عرض/ وليد الزبيدي

للوصول إلى القصة الكاملة للمناورات السياسية وحقائق المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، التقى تريتا بارزي سبعين مسؤولا رفيع المستوى من الولايات المتحدة، وإيران، وأوروبا، وإسرائيل، والمملكة العربية السعودية، وتركيا والبرازيل، بمن فيهم أبرز المفاوضين الأميركيين والإيرانيين، والمؤلف خبير في السياسة الخارجية في شؤون الشرق الأوسط، وهو رئيس المجلس الوطني الإيراني الأميركي.
-الكتاب: إيران والمجتمع الدولي
-المؤلف: تريتا بارزي
-عدد الصفحات: 351
-دار النشر: الدار العربية للعلوم ناشرون, بيروت, لبنان
-الطبعة: الأولى/2012

تشغل قضية البرنامج النووي الإيراني منطقة الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة، وتوزعت الجهود الدبلوماسية والأممية على أكثر من صعيد، بهدف إيجاد حل لهذه القضية الشائكة، التي حازت على عنوان الكتاب، الذي أسماه مؤلفه "إيران والمجتمع الدولي"، التي استدعت من المؤلف بذل جهد واسع واتصالات ولقاءات مع المسؤولين المعنيين بهذا الملف.

لا يخفى على الكثيرين، أن الانقلاب الكبير قد حصل في العلاقات الأميركية الإيرانية بعد الإطاحة بحكم شاه إيران محمد رضا بهلوي عام 1979، وجاء إلى السلطة نظام أية الله الخميني، الذي أعلن "جمهورية إيران الإسلامية"، وللتعبير عن عداء الحكم الجديد للولايات المتحدة رفع الشعار الشهير "الشيطان الأكبر"، ومعلنا العداء التام لإسرائيل.

وجه أخر
لكن هذا الكتاب، يكشف عن وجه خفي مغاير آخر في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران الإسلامية من جهة أخرى، ويستشهد المؤلف بمواقف المسؤولين الإسرائيليين المساندة لحكومة إيران خلال حربها مع العراق التي نشبت عام 1980 وانتهت عام 1988، ولم يتوقف ذلك التعاون عند حقبة تلك الحرب، بل تواصل فيما بعد، مؤكدا الدور الإيراني في تسهيل المهمة الأميركية في احتلال كل من أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003.

ويقول المؤلف بهذا الخصوص: أقامت إيران وإسرائيل علاقات أمنية سرّية وثيقة، ظلت قائمة بعد الثورة الإسلامية عام 1979، وامتدت لعدة سنوات، ولم يكن الشاه وحده هو الذي قايض الإسرائيليين وتعاون معهم، بل كان للخميني هو الأخر حصته من العلاقات مع إسرائيل، فعلى الرغم من دعواته المتكررة إلى تدمير إسرائيل، إلإ أن حكومة الخميني كانت حريصة جدّا على تجنب مواجهة مباشرة مع الدولة العبرية (ص 37).

كما يتوصل بارزي إلى حقيقة ثابتة بالنسبة للإسرائيليين في علاقتهم مع الثورة الإسلامية في إيران، إذ أدرك الإسرائيليون الاختلاف بين خطاب إيران وسياستها وتعاملوا مع إيران كحليفة إقليمية محتملة.

ليدعم المؤلف ما ذهب إليه، يستشهد بمواقف لكبار المسؤولين الإسرائيليين، من أبرزها مطالب شمعون بيرز -الذي كان رئيس وزراء إسرائيل ووزير خارجيتها- بالضغط على الولايات المتحدة، لتعزيز الدفاعات الإيرانية في حربها مع العراق، كما قطع وزير الخارجية الإسرائيلي موشيه دايان زيارته إلى فيينا بعد ثلاثة أيام من اندلاع الحرب بين العراق وإيران في سبتمبر/أيلول عام 1980، وعقد مؤتمرا صحفيا، حث فيه الولايات المتحدة -وسط أزمة الرهائن- على نسيان الماضي ومساعدة إيران على الحفاظ على دفاعاتها، وفي عام 1982 أعلن شارون الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع، أن إسرائيل ستستمر ببيع إيران الأسلحة.

وفيما يتعلق بغزو الولايات المتحدة العراق ربيع عام 2003، يكشف بارزي عن وثيقة في غاية الأهمية، فبعد أقل من شهر على احتلال بغداد، قدمت طهران عرضا هاما إلى الولايات المتحدة عن طريق السفير السويسري في طهران، الذي ترعى سفارة بلاده المصالح الأميركية، ووصل الأخير إلى واشنطن مطلع مايو/أيار عام 2003، ويذكر المؤلف أن إدارة جورج بوش قد تفاجأت بالعرض الإيراني.

ويذكر المؤلف ما نصه: "عرض الإيرانيون التوقف عن دعم حماس والجهاد الإسلامي، والضغط على الحركتين لوقف هجماتهما على إسرائيل، وفيما يتعلق بحزب الله، وهي المجموعة الشيعية الموالية لإيران في لبنان والتي ساعدت إيران على تأسيسها، عرضت طهران دعم نزع سلاحه وتحويله إلى حزب سياسي محض" (ص 14).

أقامت إيران وإسرائيل علاقات أمنية سرّية وثيقة، ظلت قائمة بعد الثورة الإسلامية عام 1979، وامتدت لعدة سنوات، ولم يكن الشاه وحده هو الذي قايض الإسرائيليين, بل كان للخميني هو الآخر حصته

اللافت أن خطاب الجمهورية الإسلامية، لم يحمل أي إشارة عن مثل هذا التوجه في علاقاتها مع الولايات المتحدة، قبل احتلال العراق، وواصل كبار المسؤولين الإيرانيين توجيه الدعوات لـ"تدمير إسرائيل" كما أن وسائل الإعلام الإيرانية لم تتوقف عن نعت الولايات المتحدة بـ"الشيطان الأكبر".

وعلى الطرف الآخر، لم يطرح الإيرانيون ما يخالف تحرير فلسطين ودعم المقاومة والممانعة، لكن اللافت أيضا، أن الحكومة الإيرانية، قد سارعت إلى مباركة مجلس الحكم الانتقالي في العراق، الذي أسسه الأميركي بول بريمر في 13/7/2003 ولم يتوقف دعمها لجميع مراحل العملية السياسية في العراق، رغم أنها منتج من قبل "الشيطان الأكبر".

إيران وحقبة أوباما
يتفق العديد من الباحثين والدارسين على أن إيران عملت على اغتنام الفرص، فعندما أدركت أن الولايات المتحدة قد أصبحت جارتها من الشرق في أفغانستان ومن الغرب في العراق، أرادت أن تتفاوض لبدء حقبة جديدة، لأنها واثقة من تركيبة الحكم الجديدة في العراق، استنادا إلى مسودة الدستور، التي تم الاتفاق عليها بين الأميركيين وحلفائهم من الزعامات العراقية القريبة من إيران في مؤتمر لندن عام 2002، والذي عُقد برعاية أميركية تامة، وبذلك تضمن إيران العراق الذي سيكون مواليا بالمطلق لها، وقد تستغني عن حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي، ومقايضة ذلك بعلاقات أفضل مع الولايات المتحدة والغرب.

ولم تدرك الحكومة الإيرانية حينها، أن أوضاع الأميركيين، ستبدأ بالتدهور على أيدي المقاومة العراقية بعد أسابيع من تقديمها العرض لواشنطن، ومع ارتباك المشروع الأميركي في العراق، ظهرت معطيات جديدة بالنسبة لإيران، كان أبرزها ما ورد في توصيات الفريق الذي كلفته إدارة بوش عام 2006 لدراسة حالة العراق، وهو ما عُرف بلجنة (بيكر هاملتون) التي أوصت بالتفاوض مع الإيرانيين، وكانت مهمة هذا الفريق إيجاد مخرج للوجود الأميركي في العراق، بعد أن تصاعدت هجمات المقاومة العراقية ملحقة خسائر بشرية ومادية كبيرة بالقوات الأميركية.

أبرز تحول في علاقة إيران بالولايات المتحدة ظهرت بعد تسلم الرئيس الأميركي باراك أوباما سدة الحكم في البيت الأبيض عام 2009، الذي اتجه إلى الخيار الدبلوماسي خلاف نهج الرئيس السابق جورج بوش، ويقول المؤلف بهذا الصدد: (كانت الحاجة واضحة إلى نهج جديد يرّكز على الدبلوماسية، ولكن، لم تُحدّد الغاية ولا الإستراتيجية، كان الإجراء الأوّل لإدارة أوباما هو الشروع بإعادة نظر شاملة لسياسة الولايات المتحدة تجاه إيران من أجل تحديد أفضل السبل لتنفيذ وعد الرئيس بانتهاج الدبلوماسية) ص 68.

بعد عدة أشهر من تولي أوباما الحكم حصل أول لقاء مباشر بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين، وأتاحت الفرصة لهذا الاتصال الحكومة الأفغانية، إذ قامت كلينتون بدعوة دبلوماسيين من طهران لحضور مؤتمر دولي حول أفغانستان في 31 مارس/آذار عام 2009 ، في لاهاي، هولندا، التقى خلاله ريتشارد هولبروك مبعوث أوباما الخاص إلى أفغانستان السفير محمد مهدي أخوندازاده، ووُصف بالاجتماع الودي، سلم خلاله هولبروك خطابا وديا إلى الإيرانيين.

الحشد الإيراني المقابل
كانت الحكومة الإيرانية قد تمكنت من حشد دولي لمواجهة الحشد الأميركي داخل مجلس الأمن، من أبرز هذه الدول الصين وروسيا، ووقفت هاتان القوتان بوجه الكثير من محاولات الإدارة الأميركية لفرض العقوبات على إيران، وعمدت الدبلوماسية الأميركية إلى إفراغ هذا الحشد من محتواه، من خلال التحرك على موسكو وبكين، وقدمت في هذا الاتجاه المملكة العربية السعودية عرضا لروسيا لشراء الصواريخ نوع إس300، التي تشتريها إيران، وتزويد الصين باحتياجاتها من النفط التي تستوردها من إيران وتصل إلى 450 ألف برميل يوميا أي ما نسبته 13% من احتياجاتها من النفط، كما أن السوق السعودية أهم للصين من الإيرانية، وأرسل أوباما عام 2009 مبعوثا خاصا إلى العربية السعودية للتباحث بخصوص تزويد الصين بالنفط في حال تم فرض عقوبات على إيران.

إستراتيجية المسار المزدوج، اعتمدتها إدارة أوباما تجاه إيران، وتنص على ضرورة إتّباع مساري الدبلوماسية والعقوبات جنبا إلى جنب، وأنّهما لن يجديا نفعا ما لم يتم اعتمادهما معا

إستراتيجية المسار المزدوج، اعتمدتها إدارة أوباما تجاه إيران، وتنص على ضرورة إتّباع مساري الدبلوماسية والعقوبات جنبا إلى جنب، وأنّهما لن يجديا نفعا ما لم يتم اعتمادهما معا.

دخلت العلاقات بين واشنطن وطهران أكثر من مسار، فالإيرانيون يقرؤون في أجندة الرئيس الأميركي الجديد الكثير من التوجهات المغايرة لأسلافه، فهو تبنى نهج "التغيير" وهذا يمنح الإيرانيين الفرصة للمناورة في التفاوض، لأن المطلوب من أوباما أن يثبت للرأي العام الأميركي والدولي أنه يعتزم التغيير فعلا لا قولا، وتمكنت إيران من جذب دولتين إضافيتين عام 2009 إلى جانبها بعد الاتفاق الذي عُرف بـ"إعلان طهران منتصف عام 2009" والذي قبلت به إيران بالعرض الذي قدمته كل من تركيا والبرازيل والقاضي بنقل 1.200 كغم من اليورانيوم قليل التخصيب إلى تركيا، وبينما اعتبر الأتراك والبرازيليون إعلان طهران إنجازا عظيما -كما يقول مؤلف الكتاب في ص256- كانت وزارة الخارجية الأميركية "متشككة"، ولم تعتقد أنه يمثل شيئا جديدا.

مستقبل غامض
هذا العنوان يختاره المؤلف لـ"خاتمة كتابه" ويرى في ذلك، أنه مع الاضطرابات الشعبية التي تعصف بالعالم العربي، يتحتم على الإستراتيجيين في البيت الأبيض أن يأخذوا في الاعتبار هامشا أكبر من عدم اليقين، وهم يعالجون مسألة مضي إيران قدما في سياساتها، معتقدا أن الانقسامات داخل المعسكر المحافظ  في إيران اتّسعت، والصراع على السلطة بين نجاد والمرشد الأعلى علي خامنئي بلغ ذروته، لكنه يقر في الوقت نفسه، أن هذا الصراع وماذا ستؤول إليه السلطة في إيران فيما يتعلق بالسياسة الخارجية غير مرئي.

وبالنسبة لخيارات أميركا وأوضاع إيران، يرى، أن واشنطن تواجه وضعا غير مسبوق في المنطقة ضعف فيها موقفها، فمصالحها ومصالح حلفائها الإقليميين تتباين، في تلك الأثناء خسر الإيرانيون زخمهم هم أيضا، ويرجع جزء من ذلك إلى الربيع العربي، والجزء الآخر إلى انقساماتهم الداخلية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك