عرض/ أحمد التلاوي

تُعتبر مسألة حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة من الموضوعات ذات الأهمية الكبرى في عصرنا الحاضر، ومما لا شك فيه أن حماية الممتلكات الثقافية التي تشكل القيم الثقافية والتاريخية والروحية للشعوب لا تقل أهمية عن حماية الكيان المادي للإنسان، وذلك لارتباط هذه الممتلكات بالإنسان باعتبارها معبرة عن كيانه الثقافي والحضاري.

-الكتاب: حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة
-المؤلف: سلامة صالح الرهايفة
-عدد الصفحات: 370 صفحة
-النَّاشر: دار الحامد للنشر والتوزيع ,عمَّان
- الطبعة: الأولى، 2012م

لذلك كله جاءت قواعد القانون الدولي الإنساني بإقرار الحماية للممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، حيث لم يعد يقتصر دور القانون الدولي الإنساني على إسباغ الحماية على الأفراد، وإنما أصبح يمتد ليشمل الممتلكات الثقافية وكافة الممتلكات المحمية.

وبين أيدينا كتاب يتناول هذه المسألة، من خلال الكيفية التي نظم بها القانون الدولي العام، واتفاقياته حماية الممتلكات الثقافية في فترات النزاعات المسلحة، بدءًا من اتفاقية "لاهاي" الموقعة عام 1954م، وبروتوكولَيْها الإضافيَّيْن، مع التطبيق على نماذج لبعض حالات النزاع المسلح، مثل فلسطين والعراق.

كما يتناول الكتاب -الذي جاء في خمسة فصول، بالإضافة إلى عدة ملاحق وثائقية، والذي وضعه الباحث القانوني الأردني، سلامة صالح الرهايفة- مجموعة من المصطلحات المرتبطة بهذه المسألة، مثل المسؤولية الدولية، أساسها وشروطها، وكيف تفرض على المجتمع الدولي أن يقوم بدوره في حماية التراث الإنساني والممتلكات الثقافية خلال النزاعات المسلحة، مركزًا على دور الأمم المتحدة في هذا الإطار.

رؤية تاريخية
الفصل الأول كان بعنوان "الجهود الدولية لحماية الممتلكات الثقافية في فترات النزاع المسلح"، وكان بمثابة تطواف تاريخي في الجهود التي بدأتها البشرية في هذا المجال، منذ العصور القديمة، وحتى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، منتصف القرن العشرين، سواء على مستوى الوثائق القانونية التي تم إقرارها، أو الممارسات البشرية الفعلية، التي اتفقت عليها بعض الحضارات القديمة، منذ الحضارة الإغريقية، وحتى القرن العشرين في هذا الاتجاه.

ويشير الكاتب إلى أن الهوية الدينية للمكان كانت تلعب دورًا كبيرًا في حمايته، في الفترات التي لم يكن القانون الدولي العام معروفًا بصورته الحالية.

وعندما تناول الكاتب القواعد التي جاءت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في هذا الصدد، تناول الجانب القيمي، فأشار إلى أن الحرب والجهاد في الإسلام ليست غاية في حد ذاتها، وإنما من أجل إعلاء قيم أكبر وأهم، ولذلك فقد منع الإسلام هدم البيع والصوامع ودور العبادة أثناء الحروب، وحرص على أن يكون للحرب والجهاد أهداف سامية، من بينها حماية المستضعفين.

بعد ذلك تناول بعض الوثائق القانونية التي ظهرت في العصور الوسطى والحديثة من أجل حماية الممتلكات الثقافية وقت النزاعات المسلحة، والتي زاد من أهمية الوصول إلى وثائق قانونية تنظمها، كثرة هذه النزاعات، وظهور الدولة القومية كفاعل قانوني وسياسي دولي، ومن بينها قانون "ليبير" الصادر في عام 1893م، وهو أول وثيقة دولية من نوعها، وصولاً إلى اتفاقيتَيْ لاهاي للحرب البرية، عام 1907م، وعام 1954م الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في وقت الحرب، وبروتوكوليها الإضافيَّيْن الموقعَيْن في العام 1977م.

ثقافية وليست تراثية
الفصل الثاني وعنوانه "الحماية القانونية المقررة للممتلكات الثقافية في اتفاقية لاهاي (1954م) وبروتوكولَيْها الإضافيَّيْن"، تناول بشيء من التفصيل الاتفاقية المشار إليها، من حيث مفهوم الممتلكات الثقافية المشمولة بالحماية في الاتفاقية، ومفهوم الحماية نفسه وأنواعها.

واللافت في هذا الصدد أن الاتفاقية لم تضع تعريفًا محددًا لمفهوم الممتلكات الثقافية المشمولة بالحماية، فقد ضمت إلى المباني التراثية والتاريخية، بعض المستويات الأخرى من الممتلكات، مثل المدارس والمكتبات العامة وغير ذلك، ويعود هذا إلى أن الدعوة لمؤتمر جنيف الذي أقر الاتفاقية، كانت من جانب اليونسكو، والتي كانت لها رؤية موسعة لمفهوم الممتلكات الثقافية، عن الرؤية المعروفة في هذا الأمر.

من صور حماية الممتلكات الثقافية, صيانتها واعتبارها ملكية للإنسانية جمعاء، وإبعادها عن أماكن العمليات العسكرية، وإلغاء أي هجوم عسكري على مكان يتضح أن فيه هذه النوعية من المنشآت

ومن صور الحماية لهذه الممتلكات، صيانتها، واعتبارها ملكية للإنسانية جمعاء، وإبعادها عن أماكن العمليات العسكرية، وإلغاء أي هجوم عسكري على مكان يتضح أن فيه هذه النوعية من المنشآت، بجانب التعويض عما يتم تدميره.

أما الفصل الثالث فجاء بعنوان "القواعد القانونية لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزعات المسلحة"، وفيه يؤكد أن القواعد التي تضمنها القانون الدولي العام، في الاتفاقيات المعنية بهذا الأمر، هي أكبر ضمانة قانونية لحماية هذه النوعية من الممتلكات، حيث إنها -كما نص البروتوكول الأول لاتفاقية لاهاي- لا تنقضي بدخول أيٍّ من أطراف المعاهدة في حالة حرب.

وذلك بخلاف وضعية الاتفاقيات التي يتم التوصل إليها بشكل ثنائي، حيث تنقضي بمجرد وقوع حالة الحرب ما بين طرفَيْ هذه النوعية من الاتفاقيات.

المسؤولية والحماية
الفصل الرابع، جاء بعنوان "المسؤولية الدولية المترتبة على الاعتداء على الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة وانتهاك قواعد حمايتها"، وتنشأ المسؤولية الدولية عند إخلال أحد أشخاص القانون الدولي بواجب قانوني تفرضه قواعد القانون الدولي، بحيث يترتب عليه إلحاق ضرر بشخص دولي آخر.

وفيما يتعلق بالجانب الخاص بالمسؤولية الدولية المترتبة على الاعتداء على الممتلكات الثقافية، فقد وضعت الاتفاقية المشار إليها، وكذلك اتفاقيات أخرى تناولت هذه المسألة، مجموعة من الترتيبات التي تضمن توقيع المسؤولية القانونية على الأطراف الدولية المخالفة للقواعد التي تضمنتها هذه الاتفاقيات.

ومن بين هذه الاتفاقيات، اتفاقيتا جنيف الثالثة والرابعة الموقعتان عام 1949م، وبروتوكولاهما الإضافيَّان الموقعان عام 1977م، في نفس المؤتمر الذي تم فيه التوقيع على بروتوكولَيْ اتفاقية لاهاي، والتي تضمنت بنودها -هاتان الاتفاقيتان والبروتوكلات الخاصة بهما- مجموعة من القواعد التي تضمن حماية الممتلكات الثقافية، والإنسانية بشكل عام، مثل المستشفيات وغيرها.

وحدد الشارع الدولي صورتَيْن أساسيتَيْن لمعاقبة الطرف المعتدي في هذا الجانب، الأول هو رد الممتلكات الثقافية، إذا ما كان قد تم الاستيلاء عليها من جانب الدولة أو الطرف الدولي المعتدي، والثاني هو التعويض، إذا ما كان الاعتداء في صورة تدمير هذه الممتلكات الثقافية.

حالتا فلسطين والعراق
الفصل الخامس كان بعنوان "مدى انطباق الأحكام الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية على ما يجري في فلسطين والعراق"، وتناول مجموعة من المشاهدات المتعلقة بالانتهاكات التي جرت للتراث الإنساني، بمعناه الضيق والواسع كما حددته اتفاقيات لاهاي وجنيف، في كل من العراق وفلسطين.

وتراوحت هذه الانتهاكات بين الصور التالية:
- السرقة والنهب، كما جرى -على سبيل المثال- لمتاحف القدس المحتلة عام 1967م، والعراق بعد غزوه واحتلاله في مارس/آذار عام 2003م.

اليونسكو والأمم المتحدة لعبتا دورًا مهمًّا في الحد من مساحة انتهاك الممتلكات الثقافية، إلا أنه تبقى أنها انتهاكات جسيمة ترتب على أميركا دفع تعويضات للعراقيين, وعلى إسرائيل للفلسطينيين

- التدمير المباشر، كما تم مع مئات المساجد والأحياء التاريخية في القدس الشرقية والضفة الغربية المحتلتَيْن عام 1967م، وللكثير من الممتلكات الثقافية في بغداد بعد الاحتلال الأميركي للعراق.

- الانتهاك غير المباشر، كما فعلت إسرائيل في الضفة الغربية، وخصوصًا في القدس الشرقية، مثل تغيير أسماء الأحياء والقرى والمدن، والحفريات أسفل الحرم القدسي الشريف وما شابه ذلك من إجراءات تضر بالتراث الثقافي والتاريخي لفلسطين المحتلة.

ويقول المؤلف إن اليونسكو والأمم المتحدة لعبتا دورًا مهمًّا في الحد من مساحة هذه الانتهاكات، إلا أنه تبقى أنها انتهاكات جسيمة ترتب على الولايات المتحدة والدول الأخرى التي شاركت في غزو العراق، وعلى إسرائيل في الحالة الفلسطينية، دفع تعويضات لكل من العراقيين والفلسطينيين، بسبب الانتهاكات التي ارتكبتها هذه الدول في كلا البلدين في هذا المجال.

ولقد أردف المؤلف كتابه بمجموعتَيْن من الملاحق والمرفقات، الأولى، هي اتفاقية لاهاي للعام 1954م، وبروتوكولاها الملحقان، أما الثانية، فقد كانت عبارة عن بيبليوغرافيا متكاملة للمراجع التي يمكن الاستعانة بها في معرفة المزيد من التفاصيل حول الموضوع الذي ناقشه الكتاب، أو في مجال القانون الدولي بشكل عام.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك