عرض/ وديع عواودة

أرييل شارون أشهر جنرالات إسرائيل، وهو رمز للقوة المفرطة ضد العرب، خاض عدة حروب وتورط في عدة جرائم ومجازر، أبرزها صبرا وشاتيلا والدوايمة وقبية.

- الكتاب: أرييل شارون.. نظرة شخصية
- المؤلف: دوف فايسغلاس
- اللغة: العبرية
- عدد الصفحات: 310
- الناشر: يديعوت سفاريم, تل أبيب
- الطبعة: الأولى 2012

أثناء ترؤسه للحكومة في ولايتين، استمر في حملاته العسكرية وأشهرها "الجدار الواقي" التي اجتاح فيها الضفة الغربية مجددا عام 2002، لكنه اضطر للانسحاب بعد ثلاث سنوات من قطاع غزة، وحال مرضه دون تنفيذه خطة انسحاب من الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية. حينما سئل عن تنازله عن مواصلة استخدام القوة، قال "إن ما يُرى من هنا، لا يُرى من هناك"، ملمحا إلى محدودية القوة في تكريس سلب الفلسطينيين حقوقهم نتيجة تشبثهم بها، ولرغبته في عدم قطع الخيط مع العالم. 

في كتابه الجديد "أرييل شارون.. نظرة شخصية"، يروي مدير ديوانه المحامي دوف فايسغلاس قصة شارون من زاويته الشخصية. بطبيعة الحال، الكتاب ليس تأريخا ولا سيرة ذاتية، وفيه الكثير من القصص الإنسانية، لكنه يستبطن مواد تلقي الضوء ليس على شارون فحسب، بل على إسرائيل اليوم.. ما فيها وما ليس فيها.

من ضمن النقاط الهامة، ينفي الكتاب أن يكون شارون قد أصدر تعليماته لقتل عرفات، لكنه يستبطن تلميحا واضحا بتلقيه ضوءا أخضر من البيت الأبيض للمساس بعرفات.

ويتساءل فايسغلاس عن الحكمة في إبقاء شارون على قيد الحياة فاقدا للوعي في بيته بواسطة التقنيات الطبية منذ العام 2006.

صبرا وشاتيلا
كما هو متوقع، يسعى المؤلف في كتابه لتبرئة شارون من المسؤولية المباشرة عن مجزرة صبرا  وشاتيلا عام 1982 ويلقي بها على الكتائب اللبنانية. كذلك يتجاهل قيادة شارون لوحدة القوات الخاصة "101" التي تورطت في جرائم قتل خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي ضد المدنيين العرب بدافع الانتقام من عمليات فدائية وبناء قوة الردع.

ويزعم أنه لم يكره العرب، وأن علاقات طيبة جدا ربطته مع زعماء عرب كملك الأردن الراحل الملك حسين. ويكشف أن شارون -وزير خارجية إسرائيل وقتها- استجاب لطلب الملك حسين اللقاء معه في ساعاته الأخيرة وهو على فراش الموت في الولايات المتحدة عام 1998، مشيرا إلى أن شارون مكث بجانب سرير الملك حسين عدة ساعات دون أن يكشف عن مضمون اللقاء بين "عدوين صارا صديقين".

وفي إطار الاحترام المزعوم للعرب، يقول إن شارون هاتف وزير المالية في السلطة الفلسطينية سلام فياض عام 2003 في ساعة متأخرة من الليل واعتذر له نيابة عن إسرائيل فور سماعه عن تعرض فياض لتفتيش مهين إلى حد خلعه سرواله في مطار اللد وهو في طريقه إلى لندن.

ياسر عرفات
ويستذكر فايسغلاس أنه رافق شارون في أول زيارة له كرئيس حكومة عام 2001 والتقيا جورج بوش الابن، مشيرا إلى أن شارون لم يُجد اللغة الإنجليزية بمستوى عال وكان يستعين بالترجمة، ويقول "خلال اللقاء شتم بوش عرفات مستخدما مصطلحات من رياضة الملاكمة، وقال إنه سيتعرض لضربات مميتة وسنحّطم عظامه".

وبرأيه شكّلت هذه نقطة تحوّل في العلاقات بين شارون والأميركيين الذين كانوا يتحفظون منه حتى ذاك اليوم، وبذلك يتقاطع فايسغلاس مع ما ورد قبل خمس سنوات في كتاب سابق صدر عن صديق مقرب من شارون، الصحفي الإسرائيلي الراحل أوري دان.

في كتابه الصادر عام 2007 يسرد دان سيرة شارون ويتعرض لموضوع رحيل عرفات، ويستذكر مكالمة هاتفية عام 2002 نهى فيها بوش شارون عن اغتيال عرفات ودعاه لأن يتركه يموت موتة ربه، ويتابع "فقال شارون: هذا صحيح، هو شغل الله، ولكن الله يحتاج إلى مساعدة البشر أحيانا، وعندها صمت بوش وفسّر شارون صمته بالرضى والموافقة".

يقول فايسغلاس في كتابه إن شارون كثيرا ما كان يلهو بفكرة اقتحام المقاطعة في رام الله وخطف عرفات ونقله إلى السودان، مضيفا أن هذه "لم تكن خطة لاغتياله، بل لإجلائه إلى دولة أخرى".

شارون اضطر لتغيير موقفه رغم معارضة الجيش، واستجاب لمطلب فلسطيني بإتاحة الفرصة لعرفات كي يغادر المقاطعة إلى دولة أوروبية للعلاج عام 2004

ويشير إلى أن شارون اضطر لتغيير موقفه رغم معارضة الجيش، واستجاب لمطلب فلسطيني بإتاحة الفرصة لعرفات كي يغادر المقاطعة إلى دولة أوروبية للعلاج عام 2004، متجاهلا -طبعا- حالة الحصار الخطيرة على صحة عرفات.

ويذكر أن ذلك تم حينما هاتفه مسؤول فلسطيني كبير محجوب الهوية وحذره من خطورة حالة عرفات، ومن أن الفلسطينيين سيتهمون اليهود بقتله مدة ألفي عام مثلما اتُّهموا طيلة ألفي عام بقتل المسيح.

يزعم المؤلف أن القتل كان "منطقيا" حتى العام 2002 حينما كان لا يزال لاعبا سياسيا فعالا، لكن نزع الشرعية عنه من قبل واشنطن جعله غير ذي صلة بالنسبة لإسرائيل.

وحمل فايسغلاس على سهى عرفات لفتحها ملف قتل عرفات، ويقول "ربما يكون صحيحا أنه تم اكتشاف السم في دمه، لكن بوسعي القول بثقة 99% إن شارون لم يصدر تعليماته بقتل عرفات".

تصعيد الدعم لإسرائيل
ويتفق المؤلف مع باحثين كثيرين على أن عملية ضرب برجي نيويورك يوم 11/9/2001 شكلت بداية تشدد الموقف الأميركي تجاه "الإرهاب العربي"، ويقول إن إسرائيل أقنعت البيت الأبيض بأن عرفات هو المشكلة وليس الحل.

وعلى خلفية ذلك تبنى جورج بوش منتصف العام 2002 الموقف الإسرائيلي القائل بضرورة وقف "الإرهاب" كشرط لاستئناف المفاوضات. وحتى ذلك التاريخ كان العالم يتبنى موقفا معاكسا مفاده: أعطوا الفلسطينيين دولة أولا، وعندها يتوقف "الإرهاب". ولم يكتف بوش بذلك، بل قال للمرة الأولى إن زمن عرفات قد ولى، وهذا يعني عزله وتعيين محمود عباس رئيسا للحكومة.

وكانت هذه مقدمة لخارطة الطريق ولمذكرة الضمانات يوم 14 أبريل/نيسان 2004 التي كرم بها بوش مقابل خطة فك الارتباط عن غزة التي ابتدعها شارون، وفيها تبنت الولايات المتحدة موقفا داعما بشكل سافر لإسرائيل برفضها عودة اللاجئين وموافقتها على ضم الكتل الاستيطانية الكبرى.

جلطة دماغية
يرجح المحامي دوف فايسغلاس أن شارون أصيب بجلطة دماغية أدخلته في غيبوبة عام 2006 نتيجة تحقيق تلفزيوني حول تورطه هو وأولاده في قضية فساد، ويقول إن القناة العبرية العاشرة بثت وقتها تقريرا عن فساد شارون استثاره وأغضبه جدا قبيل ساعات من انهياره.

ويشير إلى أن شارون في ذلك اليوم تناول كمية زائدة من دواء مميّع للدم، وبالتزامن رفع التحقيق التلفزيوني ضغط الدم فأصيب بجلطة خطيرة في الدماغ.

يرى المؤلف أن شارون ما كان ليهاجم إيران لو أنه رئيس للوزراء اليوم، ويوجه انتقادات حادة لتعامل نتنياهو مع الحليفة الكبرى الولايات المتحدة ولمحاولة ابتزازها

الجدار الفاصل
ويرى المؤلف أن شارون ما كان ليهاجم إيران لو أنه رئيس للوزراء اليوم، ويوجه انتقادات حادة لتعامل نتنياهو مع "الحليفة الكبرى" الولايات المتحدة ولمحاولة "ابتزازها".

ويؤكد أن باراك أوباما لا يختلف عن أي رئيس أميركي في الالتزام بإسرائيل وأمنها وفي تعامله مع الموضوع الإسرائيلي الفلسطيني. كما يعترف بأن شارون اعتبر الجدار العنصري في الضفة الغربية حدا سياسيا لا أمنيا فحسب، مشيرا إلى أن شارون تطلع بخطة الانطواء في الضفة لإنقاذ الكتل الاستيطانية مقابل التنازل عن مستوطنات نائية وصغيرة دون أن تقام دولة فلسطينية.

فك الارتباط
ويشير المؤلف إلى أن فكرة فك الارتباط من غزة التي طرحها شارون عام 2005 هي من بنات أفكاره هو (فايسغلاس)، وأن "نسج الفكرة" تم في البيت الأبيض أثناء محادثة مع وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس التي قالت له إن خارطة الطريق في طريقها إلى الزوال، داعية إلى البحث عن بديل.

ونفى أن تكون الخطة وقتها قد ابتدعها شارون للتعمية على تحقيقات الفساد الجارية مع ولديه، خلافا لما تداولته أوساط سياسية وإعلامية في إسرائيل.

ويشير المؤلف إلى أن بداية فكرة الانسحاب من أراض محتلة لدى شارون كانت في مايو/أيار 2002 حينما فاجأ البيت الأبيض بقوله إنه سيقبل يوما ما في إطار تسوية سياسية إخلاء مستوطنات.

ويوضح أن شارون أدرك منذ توليه رئاسة الحكومة قوة معارضة العالم للمستوطنات، لافتا إلى أن رؤيته لها باتت مختلفة من شرفة ديوان رئاسة الوزراء. ويقول إن شارون بخطة فك الارتباط أراد إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المشروع الاستيطاني -الكتل الاستيطانية الكبيرة- في ظل الضغوط الدولية.

حسابات شخصية
الكتاب المكتظ بالقصص الشخصية يكشف عن كثرة خلط مسؤولين إسرائيليين بين الحسابات العامة والاعتبارات الرسمية وبين الحسابات الشخصية.

وفي إطار ذلك يوجه الكتاب تهما بالخلط المذكور لقائد أركان الجيش السابق وزير الشؤون الإستراتيجية الحالي موشيه يعالون لأرييل شارون بابتداع فك الارتباط عن غزة عام 2005 للتستر على فضائح الرشوة. ويقول فايسغلاس إن يعالون "محدود الفهم  وباحث عن الانتقام"، اتهم شارون بذلك لعدم تمديده ولايته في قيادة هيئة الأركان بسنة إضافية.

وهكذا يتهم رئيس الموساد الأسبق إفرايم هليفي لتوجيهه انتقادات لشارون بسبب قبوله خارطة الطريق بدوافع شخصية عقب إنهاء عمله كرئيس لمجلس الأمن القومي.

السلطة الفلسطينية ساهمت في إقناع أميركا بضرورة الموافقة على مشاركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 للإيقاع بها في مصيدة عسل وجعلها أكثر اعتدالا!

ويفيد المؤلف بأن السلطة الفلسطينية ساهمت في إقناع الولايات المتحدة بضرورة الموافقة على مشاركة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 للإيقاع بها في "مصيدة عسل" وجعلها أكثر اعتدالا.

ويكشف أن جهات في السلطة الفلسطينية أطلعت إسرائيل سرا عشية انتخابات 2006 على مخاوفها الكبيرة من خسارة مدوية لحركة التحرير الوطني (فتح). ويكشف أن السلطة اتفقت مع إسرائيل على مناورة تقوم بها الأخيرة تمنع بموجبها فلسطينيي القدس من المشاركة في التصويت خلافا لاتفاق سابق، وذلك لدفع حماس إلى إلغاء مشاركتها وبالتالي نجاة حركة فتح من الهزيمة.

ويوضح فايسغلاس أن الولايات المتحدة أحبطت الخطة وأن الرئيس عباس أيضا رفض ذلك، وأعلن أن الانتخابات قائمة في كل الأحوال، ويلوم الإدارة الأميركية ويقول "هكذا أضاعت واشنطن فرصة للتخلص من الانتخابات وحرمان حماس من تعاظم قوتها، وربما كان وجه الشرق الأوسط كله سيختلف".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك