عرض/ بدر محمد بدر

يوثق هذا الكتاب لأهم الملامح العامة للثورة المصرية عبر استعراض أحداثها، وخاصة الجوانب الدستورية والقانونية في هذه الفترة، ويوثق أيضًا لمشروعات تعديل القوانين، وأعمال لجنة تعديل بعض مواد الدستور، والتي جرى الاستفتاء الشعبي عليها في مارس/آذار 2011، وما أدت إليه هذه التعديلات من نتائج ظهرت لاحقا في مرحلة التطبيق على الأرض.

وتكمن أهمية الكتاب في أن مؤلفه هو المؤرخ المعروف المستشار طارق البشري، وهو أحد المشاركين الأساسيين المسؤولين عن الجانب القانوني والدستوري في أوائل الفترة التي تلت نجاح الثورة، حيث كان رئيسًا للجنة التعديلات الدستورية التي أثارت جدلاً واسعًا بين التيارات السياسية في مصر.

- الكتاب: من أوراق ثورة 25 يناير
- المؤلف: طارق البشري
- عدد الصفحات: 248
- الناشر: دار الشروق، القاهرة
- الطبعة: الأولى 2012

ملامح الثورة
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء يستعرض أولها الملامح والخطوط العامة للثورة، حيث يقرر في البداية -ومن واقع خبرة المؤلف- أن الحراك الشعبي -وليس مجرد وجود نصوص في وثيقة مثل الدستور- هو من خلصنا من النظام السياسي الفاسد، وأن خبرة يوم واحد من أيام الثورة تضاهي سياسيًا خبرة ألف يوم من الأيام العادية، وأن خبرة اليوم الواحد من أيام المعارك الانتخابية تضاهي ما يراكمه للناخبين والسياسيين من خبرة الأسابيع والشهور من الأيام العادية، لأن الحراك الانتخابي لا نجد له مثيلاً آخر في حيويته وخصوبته، وما يثيره من مناقشات وتحالفات وتشاحنات واتصالات كثيفة بين المواطنين، وخاصة من يديرون هذه المعارك الانتخابية.

وينبه المؤلف إلى أن هذا الموضوع يتعلق بأساس النظر السياسي، فليست النصوص هي أساس الحركة، ولكن الحركة والواقع المعيش هما أساس النصوص التي يتعين أن تعكس هذا الواقع وهذا الحراك، وعندما نعمل على وضع دستور للدولة ينبغي أن نضع في حسابنا أولاً أن الدولة انعكاس للأمة، والأمة واقع سياسي واجتماعي في مرحلة معينة.

فمثلاً عندما نتكلم عن الشأن الدستوري، ينبغي أن يكون في بؤرة اهتمامنا إدراك أن علاقات السلطات السياسية في الدولة -وهي سلطتا التنفيذ والتشريع- لا بد أن تعكس موازين القوى السياسية، وأن ندرك بطريقة واقعية مدى ما تتيحه أجهزة الدولة المرسومة في الدستور من ظهور وتداول لهذه القوى، وفقًا للموازين والتقريرات الواقعية، وذلك إذا أردنا فعلاً أن نبني نظامًا ديمقراطيًا واقعيًا.

معضلة عصر مبارك
يرى البشري أن المعضلة التي ورثتها مصر من عهد حسني مبارك تتمثل في أمرين: أولهما تفكك جهاز الدولة المصرية الذي جرى على يديه، ليحكم سيطرته الفردية عليه، ولئلا يكون له هدف إلا إبقاءه هو وأسرته ومن تحلق حوله من رجال الأعمال الطفيليين، وليحقق الأهداف السياسية للولايات المتحدة وإسرائيل، المتعلقة بإفناء الوجود السياسي والحضاري المصري لصالح إسرائيل.

والأمر الثاني يتعلق بالضعف البين للتنظيمات الأهلية المصرية، وهو أمر يمتد إلى ما قبل عهد مبارك، ولكنه استفحل في عهده، ليس فقط الوجود والنشاط الحزبي، ولكن أيضًا التشكيلات النقابية المهنية والعمالية.

وإذا كانت الثورة قد بدأت أولى خطواتها يوم 25 يناير/كانون الثاني 2011، فقد سبق ذلك مخاض ثوري يمكن التأريخ له بنهايات 2004 وبدايات 2005، ويمكن رصد أهم عناصر هذا المخاض في ثلاثة مظاهر:

1- الأحزاب المعترف بها رسميًا كانت ضعيفة تنظيميًا وجماهيريًا، لذلك لم يكن لها مساهمة فعالة في إشعال الثورة أو قيادتها.

2- ظهرت في هذه الفترة قيادات فكرية وثقافية مشهود لها بالوطنية، ساهمت في تهيئة الحالة الثورية بالبدء في حراك شعبي، إلا أن هذه القيادات لم تكن ذات روابط منظمة قادرة على تحريك الشعب بالقدر الذي تحقق.

3- ثمة حركات اجتماعية شعبية عرفها عمال المصانع وموظفو الإدارات وطوائف من المواطنين، على مدى السنوات السابقة على الثورة مباشرة، وكانت تتراوح مطالبها بين الاقتصادي والسياسي. وساهمت هذه الاحتجاجات في انتشار ثقافة الخروج والتظاهر والاحتجاج، لكنها أيضًا كانت حركات متناثرة معزولة عن بعضها، ولم تستطع الأحزاب الرسمية ولا التيارات الجديدة أن ترتبط بها تنظيميًا وحركيًا.

لجنة تعديل الدستور واجهت هجوما إعلاميا كثيفا دل على روح الإقصاء التي اتصف بها المهاجمون الذين يرفضون أي مشاركة في عمل عام يأتي من جانب إسلاميين

لجنة الثمانية
ويتحدث المؤلف عن لجنة الثمانية التي كلفها المجلس الأعلى للقوات المسلحة بتعديل الدستور بعد يومين فقط من خلع الرئيس مبارك، وشارك فيها ثلاثة من قضاة المحكمة الدستورية العليا، وثلاثة من صفوة أساتذة القانون العام بكليات الحقوق، وصبحي صالح عضو اللجنة التشريعية بمجلس الشعب الأسبق، إضافة إلى البشري رئيسًا. ويتطرق إلى ما واجهته هذه اللجنة من هجوم إعلامي كثيف دل على روح الإقصاء التي اتصف بها المهاجمون الذين يرفضون أي مشاركة في عمل عام يأتي من جانب من يتصف بعضوية جماعة إسلامية، حيث كان الأستاذ صبحي صالح من رموز الإخوان المسلمين.

ويقول البشري "أسعدتني صحبة أعضاء اللجنة، وأغنت عملنا القانوني الذي تشاركنا فيه، وعن نفسي أقبل أن أكون من الناحية المعنوية مسؤولاً عنه كله لأنني موافق عليه تمامًا، وإنني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت ما فعلت بنصه وحرفه، وأحمل مسؤوليته كاملاً دون ادعاء من جانبي بأنه كان عملاً فرديا".

ويؤكد المؤلف أن الخلاف حول "الدستور أولاً" لم يكن يتعلق بوجوب إعداد دستور جديد، بل بالطريقة التي يتم بها إعداد هذا الدستور: هل تعده لجنة يشكلها المجلس العسكري بالتعيين من جانبه، وباختيار بعض النخب الظاهرة على  الحياة السياسية الإعلامية، أم تعده لجنة من الشعب مباشرة، أم تشكله لجنة مختارة من هيئة نيابة منتخبة من الشعب. والأمر لا يكاد يخرج عن هذه الفروض الثلاثة، وكان الخيار الأول غير ديمقراطي، والثاني لا يوفر في الجمعية التأسيسية الخبرات الفنية والعلمية المطلوبة من علماء للقانون والاقتصاد والاجتماع والسياسة، ممن ليس لهم إمكانية الحضور الشعبي الذي يضمن اختيار الجماهير لهم في انتخابات تجرى، وإن كان قد تم الخيار الثالث فقد كان سيسفر عن ذات ما أسفرت عنه نتيجة انتخابات مجلسي الشعب والشورى، بغير فرصة لإشراك غيرهم معهم.

التخوف من الديمقراطية!
ويقرر المؤلف أن الليبراليين الذين طرحوا فكرة "الدستور أولاً" كانوا يخشون ما تسفر عنه الانتخابات من أغلبيات كبيرة للإسلاميين، وهذه الخشية كانت ستتحقق سواء جرت انتخابات حرة للجمعية التأسيسية لمواطنين عاديين أو جرت لمهنيين. والحقيقة أن هذا الاتجاه الذي كان يطالب بالدستور أولاً كان يفتقد المنطق، ليس عن عدم معرفة، بقدر ما جاء بسبب التخوف من الديمقراطية، لأنهم ليسوا ذوي تأييد شعبي، وهم يخافون دائمًا من مسألة الرجوع إلى الشعب لأنهم يعرفون مقدمًا أن لا تأييد لهم عنده.

ويتناول الكتاب في الجزء الثاني مجموعة من وثائق المرحلة ولجنة التعديلات الدستورية والاستفتاء، ومنها نص قرار رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة تشكيل لجنة التعديلات الدستورية، وتقرير عن عمل اللجنة، ونصوص التعديلات المقترحة المطلوب تعديلها، ومشروع المرسوم بقانون بتنظيم الاستفتاء على التعديلات الدستورية، إضافة إلى عدد من الملاحق الخاصة بمشروعات قوانين: تعديل قانون الأحزاب السياسية، وقانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية، وقانون مجلس الشعب، وقانون مجلس الشورى، وقانون انتخابات الرئاسة.

في التطبيق
أما الجزء الثالث والأخير من الكتاب فيتناول التغييرات التي طرأت على التعديلات الدستورية أثناء تطبيقها على الأرض، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات نشرتها الصحف المصرية للمؤلف في حينها، يعبر بها البشري عن موقفه إزاء عدد من القضايا التي ظهرت في أعقاب الاستفتاء على التعديلات الدستورية. ومن هذه المقالات نختار عناوين منها: تقدير موقف، الموقف الآن، انتهاء حالة الطوارئ، التراخي في الفترة الانتقالية.

ومقال آخر بعنوان "الخائفون من الديمقراطية" يتحدث فيه البشري عن هؤلاء الذين ظهروا في مارس/آذار 1954 عقب حركة الجيش، وفي مارس/آذار 2011 نجد نفس الصنف من الأشخاص الذين يطالبون بأن تطول فترة حكم مصر بغير انتخابات تشريعية، وأن تبقى محكومة إما بالمجلس العسكري الذي أعلن تحديده لمدة حكمه بالشهور والمهام المحددة، وإما بمجلس رئاسي لم نعرف من يقترحون أن يكون من يعينهم، أو بانتخاب رئيس جمهورية لا يزال مجهولاً (وقتها)، ويكون انتخابه قبل كل مؤسسات الدولة التشريعية، بمثابة توليه لسلطة مطلقة تجمع السلطتين التنفيذية والتشريعية، يعتبر وجود كيان مواز له يحد من سلطته، ويبقى كذلك حتى تتكون المجالس التشريعية بالانتخاب!

وهؤلاء المطالبون بطول مدة الحكم الفردي يقولون ببقائها حتى تنشأ الأحزاب الجديدة وتنمو وتستعد لملء الفراغ السياسي، وكأن الحاكم الفردي المطلق المشيئة سيكون بالنسبة إلى الأحزاب الوليدة كالأب الحنون، يرعاهم ويصبر عليهم وعلى تنميتهم، ليقتطعوا جزءًا من سلطته ويحدوا من نفوذه المطلق!

هناك من يصر على أن يستبعد الشعب المصري من أي شأن يكون له صلة برسم مصير هذه الأمة, ويصر على استبعاد الإرادة الشعبية من أي أثر فعال يكون لها في تحديد مستقبل مصر

ماذا يراد بمصر؟
وتحت عنوان "مصر.. وماذا يراد بها؟"، يقول البشري إن هناك من يصر على أن يستبعد الشعب المصري من أي شأن يكون له صلة برسم مصير هذه الأمة ووضع نظمها السياسية، ويصر على استبعاد الإرادة الشعبية من أي أثر فعال يكون لها في تحديد مستقبل مصر. نلحظ ذلك واضحًا في هذا الصخب الشديد الذي تثيره الأقلام والألسن في وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، ويظهر ذلك واضحًا أيضًا في السياسات التي يتخذها كبار المسؤولين في الحكومة التي تشكلت حتى الآن (نوفمبر/تشرين الثاني 2011).

ويضيف: لقد كانت 95% من وسائل الإعلام ضد التعديلات الدستورية التي جرى الاستفتاء عليها في مارس/آذار 2011، وقطعوا بعدم مناسبتها أحزابًا وجماعات نخبوية، وجاءت نتيجة الاستفتاء تفيد بأن نحو 95% من خطاب النخب ومن حملات الإعلام هذه لم تؤثر إلا في 22% فقط من الأصوات، وأن 77.2% من الأصوات كانت ضد كل ما جهدوا في سوقه والحث عليه من مواقف.

وإذا نظرنا إلى الجهد المؤسسي الذي قامت به الإدارة الكنسية لرفض التعديلات الدستورية، وحث من تؤثر فيهم على الذهاب للتصويت بالرفض، وهؤلاء في تقدير البعض لا يقل عن 10% من أصوات الناخبين، فيكون ما أثر فيه النخبة بغير الأثر الكنسي لا يزيد عن 12% من الأصوات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك