عرض/شرين يونس
يحاول كتاب "تاريخ في الظل" إخراج التاريخ من قيد الكتابة الأكاديمية الجامدة، والتي تقف أحيانا حاجزا صلبا بين الشباب واطلاعهم المطلوب على تاريخهم، وذلك بتسليط الضوء بلغة ميسرة على جوانب منسية ومهجورة من المحتوى التاريخي، وربطها ببعض قضايا الوطن المعاصرة.

ويشبه الكاتب حال التاريخ لدينا -من خلال عنوان مؤلفه- بالرجل البركة، الذي يكتفي أهله وجيرانه بوضع مقعد له في الظل، ويتبادلون أحيانا رواية قصصه وعجائبه على سبيل التسلية، دون أن يجربوا أن يفسحوا له مجالا لممارسة الحياة علهم يتعلمون منه ما يكررون به أمجاده.

هكذا التاريخ، حبيس ظل شديد العتمة بين الأكاديمية المفرطة الباردة الخالية من المشاعر، والتفاهة التي تتعامل معه باعتباره طرائف للتسلية، أو للنصب باسمه من نظام يريد توطيد أركانه بخلق مواطنين مدجنين، فيسقيهم تاريخا من كتابته وتأليفه منذ الصغر في المناهج الدراسية.

سؤال عن الهوية
يخوض الكاتب نقاشا حول الهوية المصرية، كاشفا عن ضيقه بمحاولة البعض تفكيك مكوناتها، بإبراز أحد مكوناتها على حساب الأخرى، سواء أكانت قبطية أو عربية أو فرعونية، أو إسلامية، مؤكدا أن الهوية المصرية تشبه لعبة "puzzle" في تنوعها وتعدد مكوناتها.

-الكتاب: تاريخ في الظل
-المؤلف: وليد فكري
-عدد الصفحات: 247
-الناشر: الرواق للنشر والتوزيع، القاهرة
-الطبعة: الأولي/ 2012

ويعتبر الكاتب أن إقرار هوية واحدة للمصريين فيه بتر دام لجزء منهم، أما التناقض بين تلك الهويات، فهو حديث إما عن سوء فهم للهوية أو لقصور في صياغة وتطبيق السياسات التي تمسها، أما بروز هوية معينة على السطح أحيانا، فهو وليد ظروف وقتية معينة، وبشكل استثنائي.

ويصف الكاتب لحظات التحديات المشتركة للمصريين ككل بأنها بمثابة "اختبارات حقيقية للهوية المصرية الجامعة" مستشهدا بحوادث التاريخ، حينما ثار المصريون على الضرائب الباهظة للخليفة المأمون، ودكت بيوتهم مدافع الفرنسيس، وواجهوا معا الاستعمار البريطاني، وبكوا نكسة 67، وهوت عليهم هراوات الأمن المركزي يوم انتفاضة الفقراء، وعانوا سنوات الخوف وانعدام الأمان خلال فترة انتشار الهجمات الإرهابية، وشكوا معا الغلاء والفساد وعانوا القهر والبطالة.

ويضيف أن التحدي الذي يواجه هويتنا ليس فقط في التصدي لمحاولات فرض هوية واحدة علينا، ولكنه يمتد ليشمل محاولات جر الهوية المصرية ومكوناتها لمناطق بعيدة عن حقيقتنا، لإفساد نقائها وتسامحها من خلال فرض فقه متشدد ومتعصب أحيانا لم يولد في مجتمعنا ولا هو يناسبه.

إضافة لمحاولات بعض المنتسبين للأقباط من المهاجرين للخارج، إثارة المجتمع المدني الغربي علينا حينما يقيمون المناحات على ما يزعمون أنه أفاعيل المسلمين في المسيحيين المصريين، فيما يفسد الهوية العربية، تلك الرؤية الرومانسية المثالية المبالغة عن التكامل العربي، وإغفال الاعتبارات العملية التي تحكم علاقات الدول ومصالحها وموازين قواها.

تاريخنا وما فعلوه به وبنا
يتوجه الكاتب بالنقد لطريقة تدريس التاريخ في مناهجنا التعليمية، حيث تحول لمجرد "منهج التاريخ"، ومادة نظرية، لا يترك حرية البحث فيها للطالب، ولا يتيح له حرية اختيار تبني وجهة النظر هذه أو تلك من مختلف آراء المؤرخين، وتحول لمجرد مادة دراسية أخرى كل الغرض من دراستها هو النجاح فيها.

ويعاني محتوى مناهج التاريخ عندنا مما يمكن وصفه بالطبقية، بالتركيز على تاريخ الحكام والقادة، فيما يدرس اليسير عن باقي طبقات الشعب دون التوغل في طبقاتهم المختلفة وتياراتهم المتنوعة، مما يخلق عنهم صورة عامة ضبابية ويضعهم في موضع "المفعول به" الذي يتشكل بشكل القالب الذي يضعه فيه الزعماء والحكام.

يحتكر التاريخ السياسي لأغلب صفحات كتب التاريخ، على حساب الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، فيما سقطت بعض فترات التاريخ كليا أو جزئيا من الحسابات

ويحتكر التاريخ السياسي لأغلب صفحات كتب التاريخ، على حساب التاريخ الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، فيما سقطت بعض فترات التاريخ كليا أو جزئيا من الحسابات، كالتاريخ القبطي، الذي يقتصر تدريسه على فصل بالصف الأول الثانوي، وكذلك الأمر بتاريخ مناطق مصر بأكملها، كسيناء، والتاريخ والثقافة النوبية.

ويتساءل الكاتب عن إهمال التاريخ الشعبي، واعتمادنا فقط "النسخة الرسمية" للتاريخ، كذلك إهمال رؤية المثقفين المعاصرين للأحداث، حيث يتم التعامل معها باعتبارها زيادات، مما يؤكد "المركزية المفرطة" لمناهجنا، بحيث تصبح القاعدة هي وجود مركز واحد رئيسي تخرج منه الرؤية الأحادية للتاريخ والوقائع بشكل عام.

ونتيجة لذلك تحولت مادة التاريخ المدرسي إلى سجن للعقل والوعي معا، واعتبار المحتوى التاريخي المصري "كلاما إنشائيا عاما" يفتقر للتحليل والتقييم الموضوعي، وبشكل مسيس، مع فرض القوالب الجاهزة لكل شيء لتفسير الأحداث.

حرب العولمة
يتطرق الكاتب للحديث عن العولمة، من منطق التاريخ، أي بالمعنى الإنساني، وليس بالمعنى الأكاديمي، من خلال عقد مقارنة بين عولمة "الإسكندرية" التي أسسها الإسكندر الأكبر كأول نموذج مصغر للعولمة، ومقارنتها بعولمة الرومان والأميركان والعولمة العربية الإسلامية.

ويري الكاتب أن الإسكندر نجح في تأسيس دولة عالمية واحدة تنصهر فيها حضارات الشرق والغرب في حضارة واحدة هي "الهيللينيستية" الابنة الشرعية لتزاوج الحضارة اليونانية الهللينية بالحضارات الشرقية، مصرية وعراقية وسورية وفارسية وهندية.

وتعامل الإسكندر مع المكونات الحضارية والإنسانية للمناطق التي فتحها كجزء من مكونات الدولة العالمية الجديدة، حتي أنه أمر قادته حين ينزلون بلدا أن يراعوا تقاليده ويتبعوا عاداته ويرتدوا أزياءه.

أما عولمة هذه الأيام، فهي عولمة حوارها خادع ومضلل ومترفع عن مجرد فهم الآخر وتقبله، وهي عولمة تعبد الدولار وتصلي للنفط وتوزع أسلحة الدمار الشامل، وتتبع طريقة رعاة البقر: صيد ثم ترويض ثم عملية حلب منتظمة تنتهي عادة بذبح البقرة أو إطلاق رصاصة الرحمة عليها.
كما أن عولمة الإسكندر أسسها الفلاسفة والمفكرون والعلماء، وصاغوها في ساحات النقاش وحلقات البحث وفي رحاب المؤسسات الثقافية العملاقة كمكتبة الإسكندرية وجامعتها القديمة، أما المتحدثون باسم العولمة في أيامنا هذه، فهم السياسيون أصحاب المخططات الاستعمارية أو الميول العنصرية، ومؤسسات عابرة للقارات هدفها تضخيم محتويات أرصدتها.

ولكن بوفاة الإسكندر، غرق الجناح الأوروبي من دولته في الصراعات الداخلية بين المطالبين بالعرش وبقايا الأسرة المالكة المقدونية، واشتعل الجناحان الآسيوي والأفريقي منها، بنيران الصراع بين البطالمة من مصر والسلوقيين من سوريا، وهكذا انهار حلم الإسكندر العالمي.

عولمة هذه الأيام، حوارها خادع ومضلل ومترفع عن مجرد فهم الآخر وتقبله، وهي تعبد الدولار وتصلي للنفط وتوزع أسلحة الدمار الشامل، وتتبع طريقة رعاة البقر

فيما يصف الكاتب العولمة العربية/الإسلامية، بكونها عولمة عنقودية: بدأت من العواصم الأولى: المدينة ودمشق وبغداد، ثم أصبحت لامركزية، وشارك فيها الكل سواء كان عربيا أم لا، مسلما أم غير ذلك، وتبادل قيادة رايتها عناصر عربية وتركية وحبشية وروسية وبربرية.

فكانت القدرة على الاندماج أهم ما تميزت به العولمة الإسلامية التي اتسمت بتعددية ثقافية ودينية كبيرة، فيما جاء سقوط هذه الإمبراطورية بسبب الانسياق لشهوة السلطة وتسليط البأس على الإخوة في الدين والحضارة والكفاح المشترك.

وكان النظام العثماني نظاما عنصريا قائما على سيطرة العرق التركي، ومن يجيدون تملقه، على مقدرات الأمور، هكذا فرضت على العرب والمسلمين عزلة استمرت حتى قدوم الحملة الفرنسية سنة 1799.

أما فيما يتعلق بالعولمة الأميركية، فيؤكد المؤلف أنه لو أن المحتوى الحضاري للعولمة الأميركية كان بالعمق الذي تشير إليه مظاهر تلك العولمة لما كان الأكثر انتشارا بين المتأثرين بالنمط الأميركي في الحياة هو "شكل" هذا النمط فحسب، من مأكل ومشرب وتقليد أعمى، بينما قلة هم من يتعاملون مع العمق الإنساني والثقافي للعولمة الأميركية.

فمضمون ما تقدمه أية حضارة هو ما تخلفه من ميراث أخلاقي وإنساني متمثل في أخلاقيات ومبادئ التعامل مع الآخر.

العنف
يتتبع الكاتب خط سير العنف داخل المجتمع المصري وكيف تحول في أقل من مائة عام إلى جزء أصيل من الشخصية المصرية.

ففي النصف الأول من القرن العشرين كان العنف عادة موجها من وإلى الاحتلال البريطاني، أما ذلك العنف المتبادل بين المصريين فكان هامشه شديد الضيق، فيما تحول الأمر تحديدا ما بعد 1952، حيث أخذ العنف مكانا قويا في السياسة الداخلية للدولة خاصة مع عسكرة الدولة.

وعاش المجتمع في البداية فترة من الصدمة نتيجة لتحول العنف من وإلى المصريين، ولكنه ما لبث أن تقبل العنف المنظم داخله كأمر واقع، ولأن الناس على دين ملوكهم، فقد تسربت ثقافة العنف من قمة هرم المجتمع "الحكام" إلى باقي طبقاته في صور وأشكال مختلفة.

ولكن شهدت العقود الثلاثة الماضية "توحشا" للنظام في تكميم المنافذ المشروعة للتعبير عن الرأي والمشاركة الإيجابية في إدارة المجتمع، تزامن مع تزايد التحديات الخارجية للمشاعر الوطنية والدينية والقومية، والتحديات الداخلية للاحتياج الإنساني العادل للحياة الكريمة الآمنة، وعدم ملاءمة تحركات النظام وتصرفاته لهذه التحديات أو تلك.

ولضرورة علاج العنف، المطلوب فصل كل خطوة وكل عنصر والتعامل معه على حدة، ليتم تجفيف المنابع، وبما أن مبتدأ العنف كان من النظام، وخبره هو حال المجتمع، وبالتالي فإن مبتدأ طرد العنف أيضا بيد النظام، فبدون تدخله إيجابيا لن يكون هناك حل للمشكلة.

مسألة أمن قومي
يؤكد الكاتب أن فكرة إغلاق الباب على أنفسنا لنستريح، فكرة خيالية أكثر من اللازم، فالتاريخ والواقع الحالي يؤكدان أن حدود الأمن القومي تتعدى الحدود السياسية، مدللا على ذلك بما يحدث على ساحات كل من فلسطين والشام والسودان ووادي النيل والعراق ومنطقة الخليج، تاريخيا ومعاصرا.

ويؤكد الكاتب أن الدول العربية وعلي رأسها مصر، دخلت في العديد من المعاهدات والمنظمات الإقليمية الداخلية على حساب الجامعة العربية، بل كانت مصر لفترة طويلة جدا وما زالت، جزءا من لعبة القص واللصق، التي تمارس في حق العرب.

وللأسف فإن تمزق العرب لا يأتي إلا بمزيد من قصر نظر الأنظمة في التعامل مع نطاقات أمنها القومي، فثمة واقع يقول إن التمزق العربي، هو عدوى تنتقل من مكان لآخر، حتي داخل النطاق الجغرافي والسياسي والثقافي الواحد، وتأخر بلوغ مصر دورها لمجرد أن نظامها السياسي على وفاق، بشكل أو بآخر، مع النظم الراعية لذلك التمزق العام، لا يعني أنها خارج حسبة التمزق.

دعوى إصلاح الإسلام من أخطر دعاوى الإسلاموفوبيا، والمقصود بها إخضاع المحتوى الإسلامي وقرآن وسنة وآراء فقهية لعملية فلترة فيتم حذف ما يمت بصلة لقيم الجهاد ومقاومة العدو

إسلاموفوبيا  
يري المؤلف أن الإسلاموفوبيا، مرض ينبغي علاجه وليس اتجاها ينبغي قبوله واحترام وجوده، ملقيا اللوم على المتهافتين من المثقفين وصناع القرار بالمجتمعات الإسلامية، الذين تتلبسهم حالة هيستيرية لنفي العنف عن الإسلام، فيما تحمل لغتهم استجداء الرضا الغربي أكثر مما تحمل من رفض الإساءة.

وهؤلاء يتحملون مسؤولية استيراد الإسلاموفوبيا ودعمها، مما يجعلهم يلعبون دورا سلبيا في حملة نشر الإسلاموفوبيا، حيث يستخدم فكرهم كدليل على قول القائلين بخطورة الإسلام لذاته.

ويري الكاتب أن دعوى إصلاح الإسلام من أخطر دعاوى الإسلاموفوبيا، والمقصود به إخضاع المحتوى الإسلامي من شريعة وتاريخ وقرآن وسنة وآراء فقهية لعملية فلترة فيتم حذف ما يمت بصلة لقيم الجهاد ومقاومة العدو، مما اعتبره المؤلف "عملية مسخ للإسلام".

وأصبحت هناك حاجة ملحة لتنظيمات فاعلة للمسلمين تمثلهم بالمحافل الدولية، تدير شؤونهم الدينية وتفصل بين نزاعات المذاهب والتيارات وتتوحد خلفها الصفوف، خاصة بعدما أصبحت هناك حالة انفصال تام بين الأنظمة الحاكمة والمؤسسات الدينية فيما ينبغي أن يكون فيه ارتباط كوحدة الموقف السياسي، وفي المقابل توجد حالة تبعية مفرطة من كبريات تلك المؤسسات فيما ينبغي أن يكون فيه انفصال واستقلالية كحرية المؤسسة الدينية في اختيار قياداتها وتنظيم شؤونها.

ويري الكاتب في ختام كتابه، أنه ورغم قيام الثورة، فإنها لم تنته، فالنظام ليس مجرد أفراد ومؤسسات، بل هو قيم وأفكار تسللت عبر عقود من الفساد السياسي والمجتمعي إلى كل ركن وكل فرد، مما يستدعي ضرورة النظر إلى تاريخنا بتعمق وتدقيق لو أن لنا نية جادة في كتابة مستقبلنا كما نريد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك