عرض/وديع عواودة

طالما حُمّلت المؤسسة الأمنية في إسرائيل مسؤولية فشلها في حرب رمضان في أكتوبر/تشرين الأول 1973، وهي الحرب التي قتل وجرح فيها آلاف من الجنود الإسرائيليين وحطم الجيشان المصري والسوري أسطورة "الجيش الذي لا يقهر" وأصاب قوة ردعها بجراح موجعة.

-الكتاب: 1973 الطريق للحرب
-المؤلف: د. يجئال كيبنيس
-اللغة: العبرية
-عدد الصفحات:366
-الناشر: كنيرت، زموراه- بيتان، دفير, تل أبيب
-الطبعة: الأولى/2012

وهذا يفسر تكرس مشاعر المفاجأة والصدمة في ذاكرة إسرائيل جراء تلك الحرب التي انتحر في أعقابها رئيس أركان جيشها ديفيد بن إليعازر.

لكن كتابا إسرائيليا جديدا (1973 الطريق إلى الحرب) يستند لأرشيفات أميركية وإسرائيلية كانت سرية ينسف الرواية الإسرائيلية التقليدية للحرب بتوجيهه أصابع الاتهام وبقسوة للمستوى السياسي لا للجهاز الاستخباري.

ويكشف الكتاب أن حكومة إسرائيل رفضت مبادرة الرئيس المصري الراحل أنور السادات لعقد اتفاقية سلام معها قبيل حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 مقابل انسحاب تدريجي من سيناء يبقي وجودا إسرائيليا في بعض مواقع سيناء، مشددا على أن الحكومة أخفت عن المخابرات هذه الوقائع الهامة.

على غرار لجنة التحقيق الرسمية التي عينتها إسرائيل في ختام تلك الحرب "لجنة إغرانات"، وكبقية الباحثين يقّر مؤلف الكتاب د. يجئال  كيبنيس بفشل رؤساء الاستخبارات العسكرية (أمان). لكنه يوضح أنهم لم يؤثروا على صناعة القرار أصلا خاصة أن الحكومة حجبت عنهم حقيقة مبادرة السادات.

القنال السري
وفقا للكتاب التقى خلسة مستشار السادات حافظ إسماعيل بواشنطن في 25 فبراير/شباط 1973 د. هنري كيسنجر مستشار الرئيس للأمن القومي ريتشارد نيكسون وقتها، وذلك بمبادرة السادات نفسه.

ويقول المؤلف إن المبعوث المصري كان يدرك وجود عقبة في طريقه للسلام مع إسرائيل تتمثل بعنجهيتها وانتشائها بعد انتصارها في حرب 1967. وفي اللقاء طلب إسماعيل من كيسنجر أن تتدخل الولايات المتحدة للحيلولة دون قيام إسرائيل بالتهرب من السلام والاختباء خلف حقيقة وجود انتخابات عامة حددت في 30 أكتوبر/تشرين الأول 1973.

ويشير الكتاب أن مقترحات إسماعيل هزت كيسنجر، وتركت عليه آثارا قوية، ولا سيما أنها تنطوي على تنازلات هامة وعلى أجندة واضحة وجدول زمني.

وفورا أطلع كيسنجر الرئيس الأميركي نيكسون على نواياه هو بالتوصل لاتفاق مبادئ لسلام بين إسرائيل ومصر وإعلانها قبيل الانتخابات الإسرائيلية العامة بروح المقترحات المصرية.

وبعد يومين من لقائه بالمبعوث المصري التقى كيسنجر سرا غولدا مائير أثناء زيارتها واشنطن، لكنها أوضحت أنها لم تأت للتحدث حول السلام، بل طالبته بالتزام وعوده بعدم ممارسة الضغوط على إسرائيل لتتوصل لاتفاقية سلام ترجع فيها سيناء لمصر.

كسب الوقت
ويقول الباحث إن واشنطن كررت محاولاتها عدة مرات لإقناع إسرائيل دون جدوى، لدرجة أنها أصيبت بالحرج مع مصر، منوها بأنها أضاعت فرصة تاريخية للسلام مع كبرى الدول العربية قبيل حرب رمضان في أكتوبر/تشرين الأول 1973.

ويتابع "لم يرغب كيسنجر الاستجابة لموقف إسرائيل بسهولة، لأن اتفاقية سلام مع مصر تخدم مصالح أميركية في الشرق الأوسط خاصة إضعاف النفوذ السوفياتي في العالم وفي المنطقة علاوة على رغبة واشنطن بمنع حرب تمس بمساعيها لخفض التوتر مع موسكو".

بعدما تبين للسادات أن لقاء القمة بين نيكسون وبريجينيف في يونيو 1973 لم يثمر عن نتائج سياسية شرع بخفض تهديداته المعلنة بالحرب وفي المقابل حث التحضيرات العملية السرية على خيار وحيد لتحريك المسيرة السياسية

لكن الولايات المتحدة قبلت بتهرب إسرائيل من السلام مع مصر مقابل التزامها بعدم القيام بضربة عسكرية استباقية أو تصعيد التوتر معها في حال استدعت مصر قواتها في الاحتياط.

في المقابل يشدد الكتاب على أن إسرائيل حرصت على تبليغ كيسنجر بأنها معنية باستمرار الجمود السياسي وبتنسيق الخطوات معه لتكريسه، لكنه فشل بإقناعها مرة تلو المرة. وغداة تسلمه حقيبة الخارجية في مطلع سبتمبر/أيلول 1973 بدأ كيسنجر بتهيئة إسرائيل لنيته دفع المبادرة السياسية مجددا، لكنها أبلغته عبر سفيرها الجديد سمحا دينيتس بأنها غير معنية بسبب انشغالها بانتخابات عامة.

ويقول الكتاب إن السادات لم يكن يعرف بالتنسيق بين كيسنجر ومائير، لكنه أدرك جيدا نتائجه المتمثلة برفض مقترحاته المتكررة. وينوه بأنه بعدما تبين أن  لقاء القمة أيضا بين ريتشارد نيكسون والرئيس السوفياتي ليونيد بريجينيف في يونيو/حزيران 1973 في كاليفورنيا لم يثمر عن نتائج سياسية شرع بخفض تهديداته المعلنة بالحرب، وفي المقابل حث التحضيرات العملية السرية على الأرض كخيار وحيد تبقى أمامه لتحريك المسيرة السياسية.

قوة الردع
ويؤكد الكتاب خطأ صناع القرار في إسرائيل باعتقادهم وقتها أن قوة الردع العسكرية والمواقف الأميركية الداعمة لها ستحول دون مسيرة سياسية هي لا ترغب بها. ويرى كيبنيس أن فشل القيادة  الإسرائيلية بالتحليل بلغ ذروته في أكتوبر/تشرين الأول 1973 حينما توهمت أن السادات سيمتنع عن شن حرب وأنه سينتظر انطلاق مسيرة سياسية تبدأ بعد الانتخابات العامة في إسرائيل في نوفمبر/تشرين الثاني.

يتوافق الكتاب مع باحثين إسرائيليين كثيرين بأن إسرائيل وقتها غرقت بنشوة الانتصار وكانت تتوهم بعد انتصارها في حرب 1967 أنها قادرة على إلحاق الهزيمة بالعرب ثانية وأن جيشها قادر على احتلال أراض عربية حتى ليبيا.

وفعلا يظهر الاستخفاف بالعدو العربي وقتها باستطلاع رأي أنجزته الجامعة العبرية في مطلع 1973 أفاد بأن 96% من الإسرائيليين كانوا غير مستعدين للتنازل عن نقاط إستراتيجية في سيناء حتى مقابل سلام كامل.

ويشير الكتاب إلى أن الإسرائيليين بعد الحرب ضموا 4% المتبقية التي أيدت سلاما مع مصر مقابل التنازل عن سيناء ما يعزز المقولة بأن إسرائيل لا تفهم سوى لغة القوة، وهذا ما يكتفي الكاتب بالإشارة له بالتلميح.

وللتدليل على جسامة خطأ إسرائيل ينوه كيبنيس بأن إسرائيل بنهاية المطاف وبعد خسارة 2650 من جنودها عادت وتعاونت مع واشنطن في موضوع مبادرة السلام المصرية التي كانت هربت منها كالهروب من النار. كما ينبه إلى أن مبادرة السلام مع مصر بعد أربع سنوات على يد رئيس حكومة جديد في إسرائيل مناحم بيغن لم تختلف عنها قبيل الحرب.

تظهر وثائق الأرشيف تظهر أن كيسنجر لم يقم بقيادة الخط الرافض لمبادرة السلام بل لعب دور المساعد للتهرب منها وإن كان على مضض ووسط احتجاج بعدما فشلت مساعيه بإقناع إسرائيل بها

وزير الخارجية الأميركية هنري كيسنجر الذي قال عن إسرائيل مرة إنها تحسن السياسة الداخلية وتعدم السياسة الخارجية ينتقد، استنادا لإحدى الوثائق الواردة في الكتاب، بأسلوب لطيف مبطن الطبقة السياسية الإسرائيلية التي فشلت في قراءة وتحليل التطورات السياسية خلال 1973.

وفيما يتهم الكتاب المستوى السياسي في إسرائيل يبرئ كيسنجر، وذلك بعكس الدراسات الإسرائيلية التاريخية القليلة في المجال السياسي في 1973 التي تميل لتحميله هو أيضا مسؤولية عدم منع الحرب نتيجة تبديده مبادرة السلام المصرية.

ينوّه الكتاب بأن التعمق بدراسة وثائق الأرشيف تظهر أن كيسنجر لم يقم بقيادة الخط الرافض لمبادرة السلام بل لعب دور المساعد للتهرب منها وإن كان على مضض ووسط احتجاج وفقط بعدما فشلت مساعيه بإقناع إسرائيل بها.

حرب تحريك
وعقب لقائه بالسادات في القاهرة فور انتهاء الحرب في 7 نوفمبر/تشرين الثاني قال كيسينجر إن الرئيس المصري فهم الوضع السياسي أفضل منه وأحسن تعريف أهدافه، بينما وصف القيادة الإسرائيلية بالضعيفة في تحليل الأوضاع المركبة وفي قيادة سياسات طويلة الأمد، وتابع "لا يوجد لإسرائيل سادات".

ويبدي الكاتب أيضا إعجابه بالسادات، ويقول إنه كلما مضت الأيام دون نتيجة واصل التحرك في الحلبتين الدبلوماسية والعسكرية، معتبرا أنه في كلتيهما عمل من أجل تحريك مسيرة سياسية متساوقا مع عدد من الباحثين والمسؤولين العرب ممن عدوها حرب تحريك لا تحرير.

ويشير إلى أن إسرائيل وقتها دفعت السادات نحو الزاوية، نحو خيار الحرب، لم تستعد لمواجهة مخاطرها ولم تشرك الاستخبارات والجيش، بل قيدته مقابل مسيرة دبلوماسية فارغة افتراضية هدفت لإحباط أي مفاوضات جدية.

وللتدليل على فداحة فشل الطبقة السياسية يكرر المؤلف تذكيره بأن إسرائيل في تلك الحرب فقدت  قوة الردع والثقة بالقيادة إضافة للخسائر البشرية.

الكتاب الذي يعالج الجغرافيا التاريخية والتاريخ السياسي للجولان المحتل يتناول ملابسات ما قبل الحرب ويكرس فصلا لأشرف مروان ولا يجزم بحقيقة كونه عميلا مصريا لإسرائيل أم مزدوجا ولا يساهم في حسم الجدل حوله.

ولا يتمحور الكتاب بالحرب التي تعرف بالتسمية الإسرائيلية "حرب الغفران" لمصادفتها فيما يعرف بيوم الغفران، بل بجذورها وللمرة الأولى تقدم وقائع الأحداث قبيل اندلاعها في ذاك العام بالتفصيل وبشكل كامل بعيون إسرائيلية.

المؤلف ينوه إلى أن مائير وديان أخفيا عن بقية المستوى السياسي وعن الجهاز الأمني المقترحات المصرية للسلام في مطلع 1973 معتبرا ذلك فضيحة تنم عن عمى سياسي

يشار إلى أن كتابا إسرائيليا آخر صدر الشهر الماضي (حرب الظلال للكاتبين الصحفيين يوسي ميلمان ودان رفيف) يؤكد حجم صدمة وخسارة إسرائيل من الحرب ونتائجها، وبذلك يتساوق الكتابان مع الرواية العربية السائدة للحرب.

ويكشف ميلمان ورفيف أن غولدا مائير درست إمكانية الانتحار بعد تقدم الجيشين السوري والمصري في بداية الحرب، فيما دخل درس وزير حربها موشيه ديان إمكانية استخدام السلاح النووي منعا لـ"خراب الهيكل الثالث".

وينوه كيبنيس بأن مائير وديان أخفيا عن بقية المستوى السياسي وعن الجهاز الأمني المقترحات المصرية للسلام في مطلع 1973، معتبرا ذلك فضيحة تنم عن عمى سياسي وعن رؤية متعجرفة وعن غرور.

العنجهية والعمى
يشار إلى أن رئيس الموساد الأسبق تسفي زمير ورئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق إيلي زعيرا  قد عبرا عن صدمتهما في حديث أدليا به لصحيفة "يديعوت أحرونوت" (14.09.12) بعدما انكشفا على مضمون الأرشيفات الواردة في هذا الكتاب.

في معرض تلخيصه رؤيته يتهم الباحث الطبقة السياسية في إسرائيل بقسوة ومباشرة بالفشل الذريع في فهم الواقع والتصرف بعنجهية وبثقة مفرطة بالنفس وبعمى سياسي. في المقابل يوجه انتقادات مبطنة للجنة "إغرانات" لعدم تداولها أداء القيادة السياسية عشية الحرب ولرؤيتها الضيقة للحدث.

الكتاب دراسة عن التاريخ السياسي للجولان المحتل، لكنه عبارة عن حساب عسير راهن للنفس ومؤلفه د. يجئال كيبنيس يرى أن أهميته لا تنحصر بتبيان الحقيقة فحسب.

كيبنيس يشدد على استخلاص الدروس حول خطورة العلاقات غير السليمة بين القيادة السياسية والمخابرات وحول مخاطر صمت الصحافة المجندة وحول حالة الانتشاء القومي التي لازمت الإسرائيليين بعد انتصار 1967 وحول ثمن الشعور المضلل بأن الزمن يعمل لصالح إسرائيل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك