عرض/ زياد منى

المؤلف هو ألان غريش صحفي وكاتب معروف في الأوساط اليسارية الفرنسية، وفي التيار اليساري الأوروبي. رأس تحرير نشرة لوموند دبلوماتيك الشهرية، ثم منصب نائب المدير. إضافة إلى ذلك فإنه يتولى منصب الأمين العام لجمعية الصحافيين الفرنسيين المتخصصين بالمغرب العربي والشرق الأوسط. له العديد من المؤلفات عن الصراع على فلسطين وفيها، وكذلك عن الإسلام، إضافة إلى مقالات كثيرة عن المواضيع ذاتها.

الكتاب
بداية، لابد من التنويه إلى اللغة الراقية التي صاغتها السيدة داليا سعودي، مترجمة الكتاب، وإلى مقدمتها التي تشرح عبرها نقاطا مهمة بخصوص الترجمة والمحتوى.

-الكتاب: علام يُطلق اسم فلسطين؟
-المؤلف: ألان غريش
-ترجمة: داليا سعودي
-عدد الصفحات: 256
-الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات, الدوحة، قطر
-الطبعة: الأولى/ بيروت، 2012

والكتاب، بما يحويه من تفاصيل معروفة للقراء العرب، المتخصصين وغير المتخصصين في موضوع الصراع العربي الإمبريالي على فلسطين والمشرق العربي، موجه للقارئ الغربي أكثر منه للعربي. إذ أنه يعرض أمورا معروفة عن جرائم الاستعمار كونيًا، وليس فقط في وطننا الكبير.

والمؤلف لا يتعامل مع القضية الفلسطينية وفق تسلسل تاريخي، لكن هذا لا ينتقص من منهجية العمل حيث إنه يتناول، بتفاصيل مهمة أحيانًا، نعترف بأننا لم نكن على اطلاع عليها، رغم عشرات، بل مئات الكتب التي قرأناها عن القضية، محطات رئيسة في مسار تطور مأساة شعب فلسطين، ويناقش آراء مخالفة (استعمارية ومنحازة إلى حد كبير إلى جانب المعتدي) لرأيه، ويستحضر البراهين على صحة نظرته، من دون أن يعني موافقتنا على كل ما يطرح. هذه مسألة تخصنا، لكننا رأينا ضرورة ذكرها منعًا لأي التباس بخصوص مدى اتفاقنا على كل التفاصيل التي يسردها.

ولنضع القارئ في صورة المحتوى نذكر عناوين المؤلف، ما يساعد القارئ، كما نأمل، في تقبل أسلوب عرضنا للكتاب.

يبدأ ألان غريش كتابه بمقدمة خاصة بالطبعة العربية بعنوان دال "هل سقطت فلسطين من حساب الثورات العربية؟". المؤلف لا يقدم إجابة قطعية عن السؤال، نكتب هذا ونحن نرى بأعيننا الموقف العربي الرسمي من العدوان الصهيوني الجديد على قطاع غزة المحاصر، وفي مقدمة ذلك موقف "مصر الثورة" من القضية الفلسطينية" الذي أولاه عناية خاصة في المقدمة.

في التمهيد يسرد المؤلف ذكريات شخصية عن المشرق العربي وقضاياه وتاريخ صدام الغرب الاستعماري بالمشرق العربي، انطلاقًا من معايشته مصر في الخمسينيات.

الفصل الأول "حين نفهم لماذا يكون بقاء الشعوب في "قاعة انتظار" التاريخ حتميًا" يشكل، في ظننا، المقدمة النظرية الأساس والجزء الأهم في الكتاب لأنه يشرح الخلفيات النظرية للاستعماري وتعالي الغرب على بقية البشر، وأسسها العنصرية اللاإنسانية. وهو يطرح الموضوع بجملة قصيرة معبرة تمامًا عن ذلك الفكر هي "الحق في الاستعمار".

الفصل الثاني "حين نرافق صعود المستعمرين إلى أرض الميعاد" هو الأطول، ويستعرض المؤلف من خلاله الحركات والوجهات لاستعمار فلسطين كونها (أرض الكتاب المقدس) ويحوي معلومات مهمة عن المادة مأخوذة من مصادرها التاريخية الأصلية، إضافة إلى اعتماد التأويلات الدينية، ذات الطابع والجوهر العنصري، مراجع. ومن العناوين الرئيسة التي ترد في أقسام الفصل "منطق الإقصاء"، "الدفاع عن الحضارة"، "توافق مقلق"، "تطهير عرقي".

في الفصل الثالث ينتقل المؤلف إلى "الغيتو" الذي استحال مركزًا للعنف ممثلاً في الدولة اليهودية، وكيف صارت الضحية هي الجاني. على هذا يطلق المؤلِّف مسألة "طريقتان لقراءة التاريخ".
الفصل الرابع مخصص لمسألة الإعلام واحتكاره، وانتقال مركز الثقل من محطة "سي إن إن" الأميركية إلى "الجزيرة" كونها مركزًا لاستقاء الأخبار وصناعتها، والمواجهة الإعلامية,
في الفصل الخامس يعلن المؤلِّف (براءته) الفلسفية الطوباية!!، ويطرح أحلام السلام من عدة وجهات نظر.

ثمة ملحقان أعدهما ثانيهما الأهم في الكتاب وهو حوار منفرد يجريه الكاتب مع كتابات برنار هنري ليفي وأفكاره وتسويغاته ومواقفه السياسية والأخلاقية تجاه ما يجري. لا أدري إن كان السيد ألان يعد برنار هنري ليفي فيلسوفًا، لأن هكذا صفة كبيرة للغاية، والفيلسوف يطرح رؤى لفهمه كيفية تكون العالم، وبالتالي مجتمعاته المختلفة.. إلخ، وليس مسوغًا صحفيًا لأفكار عنصرية وعدوانية تجاه المظلومين.

المؤلف يتعامل مع مسألة توظف الدين للكسب المادي، مدخلاً للاستعمار ولتسويغ الهيمنة على الغير وعلى ثروات الشعوب، وهو ينطلق في هذا من مقولات عديدة وفي مقدمتها "ها قد عدنا يا صلاح الدين"

من منظوري، الأخير ليس فيلسوفًا ولا حتى هو قريب من هذه الصفة، لكن الصحافة الغربية المعادية للعرب تطرحه بطلاً وقائدًا ومنظرًا.. وما إلى ذلك من اللغو. المؤلف يناقش مقولات برنار هنري ليفي وأطروحاته ومقالاته ويبين، لم يُرد أن يرى ويقرأ بعينين وأذنين مفتوحتين تتقبل سماع رأي مخالف، أن (الفيلسوف) وقف ضد طموحات شعوب أمتنا وفي مقدمة ذلك حقوق أمتنا في فلسطين.

وحسنًا فعل الناشر، والكاتب، بطرح هذا الموضوع، وإن كنا نود لو أنه كان أكثر توسعًا في الموضوع ليوضح الدور التخريبي والتدمير الذي يفخر به برنار هنري ليفي، لكنه يؤوله على أنه دعم للشعوب والثورات. ألان يكشف أن هذا الدعم والحماس للحراكات الشعبية العربية يتوقف عندما تمس مصالح الغرب، وفي المقدمة منها دولة الاغتصاب الصهيوني. في ظني، هذا هو القسم الأهم من الكتاب، لكن من دون التقليل من قيمة الأقسام الأخرى.

في الملحق الأول يتعامل مع مسألة توظف الدين للكسب المادي، مدخلاً للاستعمار ولتسويغ الهيمنة على الغير وعلى ثروات الشعوب، وهو ينطلق في هذا من مقولات عديدة وفي مقدمتها المنسوبة إلى جنرال فرنسي قيل إنه وضع قدمه على قبر الناصر صلاح الدين الأيوبي في دمشق قائلاً: "ها قد عدنا يا صلاح الدين".

المسألة ليس في صحة الحدث وإنما في نظرة العرب للحروب الجديدة واستعمار الغرب لبلادهم في أعقاب الحرب العالمية الأولى، هذا بعدما كانوا وعدوا من وعدوا بالاستقلال ووو. وما أشبه اليوم بالبارحة. الغرب قدم للمؤسسة السياسية الفلسطينية، إن تخلت عن كل ثوابتها، وعدًا بوعد بوعد بوعد.. إلخ. التاريخ يعيد نفسه، مرة أولى (في أعقاب ثورة عام 1936 في فلسطين) على شكل مأساة وثانية على شكل ملهاة (سايكس بيكو)، وثالثة أخذت شكل (أوسلو 1، أوسلو 2، أوسلو !!!!).

ثم ماذا؟
الكتاب مهم، والأكثر أهمية فيه التفاصيل الموزعة عبر الفصول والفقرات. مهم للقارئ العادي، لكنه مهم أيضًا للبحاثة والكتاب العرب لأنه يعرض على نحو صريح آلية تفكير اليسار في الغرب تجاه تواريخنا وقضايانا.

في رأينا، ليس ثمة من يسار أوروبي واحد موحد، بل متعدد. أغلبية يسار الغرب متعاطف مع العدو، من منطلق أنه يواجه حركات عربية يمينية (كانت متحالفة مع دكتاتوريات حلف وارسو أو دينية). هو جهل متعمد بطبيعة كيان العدو القائم أساسًا ليس فقط على الدين وإنما أيضًا على أساطير وخرافات ما أنزل الله بها من سلطان.

هو يعتمد في مواقفه المعادية لحقوق شعب أمتنا العربية الفلسطيني في وطنه، لأنه خاضع لابتزاز تاريخ أوروبي حافل بالظلم ومعادة الغير (ليس فقط معادة اليهود، بل أيضًا الإسلام "في الأندلس" وتجاه السندي والروما (الغجر) وأقليات دينية وعرقية أخرى، ومن عاش في دولة أوروبية "لنقل: الشِمالية" فترة طويلة، وليس على هامش المجتمع، ودرس في مؤسساتها الأكاديمية وعمل فيها يعلم مدى الكذبة الكبرى التي يتخفى وراءها النظام الأوروبي الاستعماري الجديد وفراغ المصطلح (ديمقراطية) من أي جوهر إنساني.

المؤلف، يصل إلى نتيجة منطقية ستفرض نفسها في وقت أقرب ما يتوقع كثير من الناس، هي أن الحل الوحيد المتاح لإنهاء الصراع هو قيام دولة واحدة في فلسطين، تضم الفلسطينيين أيضًا

ألان غريش من اليسار الصادق مع نفسه والمنحاز لحقوق العرب، مع أنه لا يتبنى مواقفنا من قضيتنا المركزية فلسطين، ولا نتوقع منه ذلك. فالكتاب ليس موجهًا للعرب أصلاً، وهو لذلك نجح في مخاطبة العقل الأوروبي، أو النخبة المهتمة فيه بقضايا المشرق العربي ومغربه.

الأحداث الجسام التي تمر بها بعض دولنا في وطننا العربي الكبير قد تفرض على الكاتب التريث مستقبلاً قبل إطلاق أحكام على بعض الحراكات وطبيعتها وتوجهاتها، بدت لنا في هذا المؤلف متسرعة، وكان يمكن له التنويه إلى ذلك في المقدمة الخاصة بالطبعة العربية، التي لا ننسى الإشارة إلى أناقتها التقنية.

والملاحظ أن المؤلف، يصل في ختام كتابه إلى نتيجة منطقية ستفرض نفسها في وقت أقرب ما يتوقع كثير من الناس، هي أن الحل الوحيد المتاح لإنهاء الصراع هو قيام دولة واحدة في فلسطين، تضم الفلسطينيين أيضًا، أو لنقل: أولاً، وهذه قناعتنا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك