عرض/ حسين عبد العزيز

يبحث الكتاب نشوء القاعدة كتنظيم جهادي أممي، والمراحل والمحطات التي مر بها التنظيم، والضربات التي أدت إلى تفتيته وشرذمته. ويكشف المؤلف في فصول الكتاب عن تراجع شعبية القاعدة ليس لدى الجمهور الإسلامي، فحسب، بل لدى قادة جهاديين كبار في التنظيمات الجهادية العالمية بسبب الأسلوب الذي تبنته القاعدة، وجر ويلات على العالمين العربي والإسلامي.

صعود القاعدة
احتوت القاعدة باستمرار على بذور نهايتها، فمنذ قيامها في أواخر الخمسينيات وإلى أواسط السبعينيات، انصب تركيز الحركة الإسلامية المقاتلة المعروفة  بـ "الجهاد" على الداخل، حيث كان اهتمامها استبدال الحكام "الكفرة" بدول تقوم على القرآن.

-الكتاب: القاعدة الصعود والأفول.. تفكيك نظرية الحرب على الإرهاب
-المؤلف: د. فواز جرجس
-الصفحات: 271
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, لبنان
-الطبعة: الأولى 2012

وقد رأس سيد قطب من سجنه بين سنتي 54 - 1965 تنظيما شبه عسكري، يهدف إلى التخلص من أعداء الداخل (الحكام)، وخاض ورثة قطب لأربعة عقود حربا طويلة ضد الحكام المسلمين، غير أن الإسلام الجهادي الأممي أخذ أولويات قطب ثم قلبها رأسا على عقب، لقد كانت القاعدة تنظيما مسلحا صمم لإعلان حركة كفاح أممية ضد الغرب.

ووفق المؤلف فواز جرجس يمكن اعتبار جماعات الجهاد الإسلامي الأممي أصحاب الفضل في إطلاق الحرب الأفغانية ضد السوفيات، وأثمر هذا الجهاد تيارين أيديولوجيين: إسلامي راديكالي مصري، وآخر سعودي محافظ جدا، وكانت القاعدة ثمرة الزواج بين هذين الخطين، الظواهري ومجموعته المصرية القوية، وبن لادن ومعه المتطوعون السعوديون واليمنيون.

التقى بن لادن والظواهري في ثمانينيات القرن المنصرم بأفغانستان، ونجح الجهاد الأفغاني في إعادة تشكيل بن لادن، ووفر عبد الله عزام المرشد الروحي لابن لادن الإرشاد الفقهي والأيديولوجي.

لكن خلافات عميقة كانت ظاهرة بين بن لادن-عزام من جهة والظواهري وجماعته المصرية من جهة ثانية، اتفق الطرفان على الجهاد الأممي ضد السوفيات، لكنهم اختلفوا في نقاط كثيرة، رفض بن لادن-عزام قتل المدنيين من السوفيات، في حين اعتبر الظاهري قتل الروس جزءا من الجهاد، واختلفوا أيضا حول محاربة الحكام المسلمين، ففي وقت كان عزام يرفض قتل المسلم للمسلم، كان الظواهري يمثل امتدادا لسيد قطب في أولوية الجهاد ضد الحكام المسلمين.

لم يظهر بن لادن إلى ما بعد حرب الخليج الأولى أية مواقف معادية للولايات المتحدة، ويرى المؤلف أن التحول الحقيقي في مواقفه من واشنطن بدأ بعد حرب الخليج الأولى وتمركز قوات أميركية في السعودية، لكن من دون أن تتحول هذه المواقف إلى حالة عدائية، ووفق المؤلف فإن احتجاز السلطات السعودية لجواز سفره لتقييد حركته كانت شرارة إضافية ساهمت في هذا التحول.
غادر بن لادن السعودية إلى بيشاور الباكستانية عام 1992 ثم إلى السودان حيث قضى فيها أربع سنوات التي شكلت محطة مهمة في رحلته نحو القاعدة والجهاد الأممي.

أنشأ بن لادن شبكة معقدة تداخلت فيها الأعمال مع الأيديولوجيا ومع تطويع الناشطين، كان السودان في هذه الفترة موقعا مركزيا للإسلاميين الراديكاليين، وللأفغان العرب العائدين من أفغانستان، حيث برز كمقر قيادة جديد للجهاد.

وجد بن لادن الذي اقترب كثيرا من الشريحة المصرية للجهاد، نفسه محاطا بقادة تنظيم الجهاد، كان بن لادن يلجأ إلى عبد الله عزام ليوازن ثقل الظواهري والمقاتلين المصريين، أما في السودان فلا فرصة لاستعادة ذاك التوازن، وعليه استطاعت الحلقة الضيقة المحيطة به أن تعزز لديه المنحى الفقهي الأيديولوجي المتطرف.

تحولت مواقف بن لادن من أميركا إلى عداء صارخ ومكشوف، وطور مع رفاقه رؤية إستراتيجية فحواها جر الولايات المتحدة إلى خوض الحرب، ومنذ هذا التاريخ وافق بن لادن على قتل المدنيين بمن فيهم المسلمون، وأصدر مع حلقته فتويين أجازا الهجوم على الولايات المتحدة وقتل الأبرياء عند الضرورة، وقد دشنت الفتويان مرحلة جديدة في رحلته الجهادية اكتملت بتأسيسه الجبهة الإسلامية العالمية، الانطلاقة الرسمية لتنظيم القاعدة.

بعد الضغوط الدولية على السودان، غادر بن لادن إلى أفغانستان عام 96 ليباشر بتنظيم وتفعيل القاعدة، وتحويلها إلى تنظيم أممي، ولم يطل الأمر بالظواهري وجهاديين آخرين حتى التحقوا به

بعد الضغوط الدولية على السودان، غادر بن لادن إلى أفغانستان عام 96 ليباشر بتنظيم وتفعيل القاعدة، وتحويلها إلى تنظيم أممي، ولم يطل الأمر بالظواهري وجهاديين آخرين حتى التحقوا به، وغدوا معتمدين على المساعدات التي يقدمها، ليندمج بذلك تنظيم الجهاد بقيادة الظواهري تحت عباءة القاعدة بزعامة بن لادن.

بين عامي 96 و1998 جند بن لادن مقاتلين شبابا كانوا قد خرجوا للتو من حروب البوسنة والشيشان والجزائر ومصر والعراق، وقد فتحت أفغانستان المدمرة التي باتت تحت سيطرة طالبان أبوابها لهؤلاء المقاتلين.

بحلول عام 2001 نجح بن لادن في بناء كادر مؤلف من ثلاثة آلاف ناشط ومسؤول، إضافة إلى مجموعات قتالية ذهبت للقتال في الخارج كالشيشان، وصدرت تعليمات ضد القوات الأميركية كالتفجير الذي استهدف السفارتين الأميركيتين في نيروبي عام 1998 والمدمرة الأميركية USS COLE في اليمن عام 2000، لكن بن لادن رغم هذه العمليات وصل إلى قناعة أن جر الولايات المتحدة لحرب حقيقية يتطلب أن يسال دم كثير داخل الولايات المتحدة، وبات الأمر بعد ذلك في عهدة خالد شيخ محمد. المدير التنفيذي الأعلى لعمليات بن لادن.

النجاح والحسابات الخاطئة
طرح خالد شيخ محمد على بن لادن تنفيذ العملية بمشاركة عشر طائرات تستهدف مباني فيدرالية ومحطات الطاقة النووية، ثم يهبط خالد شيخ بالطائرة العاشرة ويلقي خطابا يظهر أسباب العملية.
وافق بن لادن، لكنه أجرى بعض التعديلات على الخطة، فقد اختصر الأهداف إلى أربعة: البنتاغون والبيت الأبيض ومركز التجارة العالمي وكابيتول، شاطبا البيان الإعلامي في مقترح خالد الأصلي.

اختار بن لادن الأشخاص الذين سينفذون العملية من اليمنيين المقربين إليه، ومن بين الأربعة الذين اختارهم تمكن اثنان هما خالد المحضار ونواف الحازمي من الحصول على تأشيرة دخول للولايات المتحدة، وتوجها فورا إلى لوس أنجلوس للتدرب على الطيران.

في هذه الأثناء وصلت مجموعة من الجهاديين من هامبورغ للتدرب في أفغانستان، وكانت طلاقتهم في اللغة الإنجليزية ومعارفهم التقنية وخبرتهم في العيش بالغرب، سببا كافيا عند بن لادن لضمهم إلى العملية، وهؤلاء هم محمد عطا ورمزي بن الشيبة ومروان الشحي وزياد الجراح.

توجهت خلية هامبورغ إلى أوروبا للتدرب على الطيران، لكن صعوبة التدرب في ألمانيا دفعها للانتقال إلى الولايات المتحدة، في هذا الوقت كان الحازمي والمحضار اللذان يتدربان في لوس أنجلوس فشلا في تعلم الإنجليزية وفي التدرب على الطيران، وعلى إثر ذلك غادر المحضار الولايات المتحدة وانتقل دور الحازمي من طيار إلى خاطف جسدي، أما مجموعة هامبورغ فقد حققت نجاحا في التدرب على الطيران.

وقعت أحداث أيلول / سبتمبر، ولكن الحدث لم يتحول إلى معمودية نار كما توقع بن لادن، فلم تنشأ هبة جماهيرية، ولا نهض نهر من المتطوعين ضد الحكام المرتدين المؤيدين للغرب، بل جلب الحدث للقاعدة وبن لادن نقدا لاذعا من داخل الجماعة الجهادية ذاتها، فقد اعتبر أبو الوليد المصري أحد أساطير الجماعة الجهادية وأول شخص غير أفغاني يقسم الولاء للملا عمر، أن هذه الهجمات كانت كارثية ناعيا في إحدى مقالاته القيادة الكارثية لبن لادن.

ولم يتوقف النقد على أبو الوليد ، ففي عام 2002 نشرت الجماعة الإسلامية في مصر نحو 25 رسالة حررها قادة كبار فيها، ركزت بعضها على نقد أيديولوجية القاعدة وتكتيكها. 
  
الانحدار والأفول
بعد طرد بن لادن وأنصاره من أفغانستان أصيبت القاعدة في الصميم، فقيادتها إما اعتقلت أو مطاردة، لكن الاحتلال الأميركي للعراق أتاح للقاعدة نافذة لإدخال المجاهدين إلى العراق، وخلال بضعة أشهر أمكن لأبي مصعب الزرقاوي الذي انشق عن بن لادن والظواهري لأسباب تكتيكية، أن يؤسس مع ثلاثين من أتباعه تنظيما دمويا (التوحيد والجهاد)، وفاق القاعدة خلال سنتين قوة وعددا ووحشية، وفي عام 2004 غير الزرقاوي اسم تنظيمه ليصبح القاعدة في بلاد الرافدين، معلنا ولاءه لبن لادن.

كان التحالف فرصة لبن لادن المعزول في باكستان لتوسيع رقعة الحرب مع واشنطن، وفرصة للعودة إلى ساحة المعركة، لكن رهان بن لادن على الزرقاوي كان مكلفا، فقد استهدف الزرقاوي المدنيين العراقيين، ونظم مجازر جماعية ضد الشيعة.

حاول بن لادن والظواهري ثني الزرقاوي عن ارتكاب هذه المجازر والتركيز على استهداف الأميركيين، لكن الزرقاوي كان يضرب كل هذه المطالب عرض الحائط، إلى أن بدأ السخط يزداد على تنظيمه في الساحة العراقية ولا سيما من السنة الذين شكلوا برعاية الولايات المتحدة مجالس الصحوة لطرده، إلى أن نجح الأمر حين أسقطت طائرة أميركية قذيفتين كبيرتين على منزل كان فيه الزرقاوي ومساعديه فقتلتهم جميعا.

حاول بن لادن والظواهري ثني الزرقاوي عن ارتكاب المجازر في العراق والتركيز على استهداف الأميركيين، لكن الزرقاوي كان يضرب كل هذه المطالب عرض الحائط

لم تكن الساحة العراقية وحدها التي تلقت القاعدة فيها نكسة قوية، فمعظم الفروع المحلية للقاعدة تعرضت لضربات موجعة.

في لبنان استطاعت الحكومة أن تنهي "فتح الإسلام" التي كانت على مقدار من التأثير في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين، وفي الجزائر معقل الإسلاميين المقاتلين منذ تسعينيات القرن الماضي، حدثت انقسامات حادة بين الجماعات الإسلامية بعد تأسيس الظواهري القاعدة في بلاد المغرب، وفي إندونيسيا تفككت الجماعة الإسلامية وهي فرع غير متماسك قريب من القاعدة، وفي باكستان كان التخبط واضحا.

وحدها القاعدة في شبه الجزيرة العربية المعروفة بالفرع اليمني "أكاب" أظهرت تصميما على تنفيذ هجمات داخل أميركا.

يتراوح عدد عناصر أكاب بين خمسين وثلاثمائة جلهم من اليمنيين صغار العمر ذوي الخبرة القليلة مقارنة باليمنيين الأفغان، ومع ذلك استطاعت أكاب تحت قيادة ناصر الوحيشي السكرتير الشخصي لبن لادن، ومع قاسم الريامي المسؤول العسكري، أن تتحول إلى تنظيم متماسك. نشأت أكاب من اندماج الفرعين السعودي واليمني عام 2009، ونالت شهرة سيئة بسبب أنور العولقي الطالب اليمني الأميركي.

سعى الوحيشي والرامي إلى التقرب من الناس، وخاصة من القبائل التي قدمت الملاذ والحماية، لكن هذه اللحظة لم تدم، فقد أعلنت أكاب الحرب على حكومة صالح التي أرهبت المسلمين وساعدت الصليبيين ضد المسلمين، وبمعزل عن هذه التبريرات، إلا أن أسلوبها الدموي أحال اليمنيين ضدها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك