عرض/ أحمد التلاوي

بين أيدينا كتاب بعنوان "مثلث النهضة.. التنمية والتربية والحُكم الصالح.. تركيز على الحالة اللبنانيَّة"، من تأليف الخبيرة التربوية اللبنانية نادين جوزف الفرنجي، تطرح فيه العلاقة بين التربية والحكم الصالح والتنمية، كمثلث تقوم علاقة عضوية قوية بين أضلاعه، وتقول الكاتبة في مقدمة الكتاب إن هذا المثلث هو الذي يعكس طموحات المواطن العربي وتصوراته حول التنمية في بلاده.
-الكتاب: مثلث النهضة.. التنمية والتربية والحُكم الصالح.. تركيز على الحالة اللبنانيَّة
-المؤلف: نادين الفرنجي
-عدد الصفحات: 259
-النَّاشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر, بيروت
-الطَّبعة: الأولى/ 2012م

والرسالة الأهم التي تحاول المؤلفة الوصول بها إلى القارئ، هي أنه لماذا لا يتم تأسيس تجارب نهضة وتنمية جديدة، وتحقيق التغيير المنشود من دون إراقة الدماء، وتقول إن الوسيلة الوحيدة لذلك هي التربية السليمة التي تعمل على تفعيل التنمية والديمقراطية، وتطرح في الإطار تساؤلاً شديد الأهمية، هو: "لماذا لا تكون الثورات العربية "وردية"، ملونة بتربية وطنية ومعرفة واضحة لمبادئ التنمية والحكم الصالح، فتصبح النهضة مبنية على أسس متينة؟!".

والمؤلفة هي باحثة وأكاديمية لبنانية، حاصلة على ماجستير في العلوم السياسية من كلية الحقوق والعلوم السياسية بالجامعة اللبنانية عام 2010م، بالإضافة إلى شهادة كفاءة في التربية من كلية التربية من نفس الجامعة عام 2002م، وتعمل في مجالَيْ الإعلام والتأليف المدرسي لتلاميذ مرحلة التعليم الأساسي، ولها مشاركات في بعض الدراسات المتعلقة بالتنمية والتربية.

الكتاب جاء في جزأيْن، كل منها من ثلاثة فصول، بإجمالي ستة فصول، تناول الجزء الأول منها "مفاهيم ونظريات"، الإطار النظري لموضوع الكتاب، مثل تعريف التنمية والفارق بينها وبين النمو، والحكم الصالح ومبادئه، وعلاقته بالتنمية، وكذلك أهمية الدور الذي تلعبه التربية- بمعناها الواسع القيمي والمجتمعي- في تحقيق التنمية والحكم الصالح.

أما الجزء الثاني- التطبيقي- الذي جاء بعنوان "الحالة اللبنانية"، فقد تناول مجموعة من القضايا المتعلقة بالتنمية والحكم الصالح في لبنان، ومعوقاتهما، من خلال تناول خصائص المجتمع اللبناني والوضع السياسي والاقتصادي المعاصر في هذا البلد.

التنمية والحكم الصالح
الفصل الأول من الكتاب كان بعنوان "النمو والتنمية: السياق التاريخي والنظري"، وحاولت فيه الكاتبة أن تؤكد أنه من بديهيات صيرورة أي مجتمع إنساني أن يسعى دائمًا إلى النمو والنهضة والتقدم، والسعي إلى تحقيق التنمية المنشودة في مختلف المجالات.

وتؤكد من منظور تاريخي وفلسفي، أن الاهتمام بقضايا التنمية ومضمونها، وخصوصًا الحياة الإنسانية الفُضلى وشروطها الأساسية، تعود جذورها في التفكير الإنساني إلى منطلقات فلسفية وأخلاقية ودينية قديمة، وتعود إلى التنظيرات التي قدمها عدد من الفلاسفة والمفكرين القدامى، مثل أرسطو، في هذه المسألة.

وتميز الكاتبة بين النمو والتنمية، باعتبار الأول مفهوما محددا في دلالته يرتبط بالإنتاج العام للمجتمع بشكل مباشر، أي -بمعنًى آخر- هو عبارة عن عملية زيادة الإنتاج وارتفاع معدل دخل الفرد في بلد ما، أما التنمية فذات مفهوم أوسع وأشمل، حيث تُحدد إضافة إلى الإنتاج، بمستوى الشعب التعليمي والخدمات الاجتماعية، والاستثمار في رأس المال البشري بشكل عام، وطرق توزيع الثروة.

التحول الكبير الذي حصل في فهم العالم لقضية التنمية والحكم الصالح، هو توسيع نطاق التنمية من التركيز على النمو الاقتصادي، إلى التركيز على التنمية البشرية المستدامة

وناقشت الكاتبة في الإطار مفهوم التنمية المستدامة التي لا ترتبط بالمفهوم المباشر المُعتمد لها، وهو التنمية التي تراعي اعتبارات البيئة، حيث تشير بالمستدامة هنا إلى التنمية الدائمة أو الناجحة، وتضع لها مجموعة من الاشتراطات والقواعد، مثل العدالة والإنصاف والمشاركة والتمكين والمساواة وعدم التمييز بين فئات المجتمع، بما في ذلك المرأة، وهي كلها من سمات الحكم الرشيد أو الحكم الصالح.

الفصل الثاني "الحكم الصالح وعلاقته بالتنمية"، تفصل فيه الكاتبة بعضًا مما أوردته في الفصل الأول، حيث تشرح معنى الحكم الصالح ومتطلباته، وتؤكد أن موضوع الحكم الصالح صار من الموضوعات البارزة على المستوى العالمي، مع ارتباطه بالتنمية، وتشير إلى أن الأهداف التي تبنتها الأمم المتحدة في مطلع الألفية الثالثة، ومن بينها مكافحة الفقر والتمكين للمرأة وتحسين شروط التعليم، كلها أساسيات في مسألة كيفية تحقيق الحكم الصالح.

وتؤكد أن التحول الكبير الذي حصل في فهم العالم لقضية التنمية والحكم الصالح، هو توسيع نطاق التنمية من التركيز على النمو الاقتصادي، إلى التركيز على التنمية البشرية المستدامة.

وتتتبع نادين الفرنجي تطور المفهوم، فتشير إلى أن الحكم الصالح أو الـ"good governance" بدأ من فكرة الحاكمية أو الـ"governance"، التي تعني مختلف أشكال التفاعل داخل الحكم بين الأنظمة والحكومات وبين المجتمع، بمختلف مفرداته، بما في ذلك القطاع الخاص والمجتمع المدني الذي تؤكد الكاتبة أهمية دوره في تحقيق التنمية والحكم الصالح في أي مجتمع.

دور التربية
الفصل الثالث من الجزء الأول، كان بعنوان "أهمية التربية للتنمية والحكم الصالح"، وتعرف فيه الكاتبة التربية على أنها: "ما يكتسبه المُتعلِّم من معارف ومهارات وقيم ووسائل مشارَكة في شؤون مجتمعه، وذلك لإعداده كمواطن مسؤول ومُنتِج بواسطة مؤسسة تربوية منتظمة في برامجها ومناهجها، وذات غايات وأهداف واضحة".

ومن خلال استقراء التجارب العالمية في التنمية تؤكد الكاتبة أن الدول التي نهضت وتقدمت هي تلك التي وضعت التعليم والتربية بمعناها الأوسع نصب عينيها، ولذلك تؤكد على أهمية التخطيط التربوي الذي ينطلق من واقع المجتمعات، ويراعي الظروف الاقتصادية والاجتماعية القائمة فيها، وتشير إلى أن التخطيط التربوي المنشود يجب أن يكون عبارة عن "عملية عقلانية لمجموعة من التدابير التي تنطلق من احتياجات المجتمع".

خصوصية لبنانية
الفصل الأول من الجزء الثاني من الكتاب "لبنان والتنمية"، يتتبع بعضًا من معالم التطور الدستوري والسياسي والمجتمعي الذي مر به لبنان في القرن العشرين، وتركز الكاتبة على إطلاق دستور 1926م المعمول به في لبنان، للحريات العامة وإقراره لآليات الديمقراطية المطلوبة لتحقيق الحكم الصالح والتنمية المنشودة، كما تناولت بشكل خاص تأثير التعدد الطائفي على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في لبنان.

ولكنها تقول أيضًا إن هذا التعدد سلاح ذو حدَّيْن؛ فهو إما أن يكون عنصرًا إيجابيًّا للتفاعل الإيجابي المنشود بين الدولة والمجتمع كما في الحكم الصالح، أو أن يتحول إلى مصدر للخلافات والصراعات.

وفي تقييمها لواقع لبنان التنموي في العقدَيْن الأخيرَيْن، تورد الكاتبة مجموعة من الإحصائيات والأرقام التي توضح بعض مظاهر فشل إستراتيجية الدولة التنموية، مثل ارتفاع مستويات الفقر والبطالة.

ومن هذه النقطة ينطلق الفصل الثاني "لبنان والحكم الصالح"، فتقول الكاتبة فيه إن هناك الكثير من المعوقات التي تقف أمام انطلاق لبنان نحو بناء نموذج يحتذى للحكم الصالح في العالم العربي، وتشير إلى أن أبرز هذه المعوقات هو تقديم مصلحة الطائفة على مصلحة الوطن، بل إنها تشير إلى أنه في بعض الأحيان يتم الإعلاء من شأن "العائلية" على حساب الوطن.

لكي ينجح لبنان في مجال التنمية وبناء أركان الحكم الرشيد الصالح، فإنه يجب عليه أولاً الانتقال من حالة المجتمع الفوضوي الطائفي إلى المجتمع المدني

وتقول إن انطلاق لبنان في تجربة تنموية وحكم صالح سليم، يجب أن يكون من خلال إستراتيجية طويلة المدى تعمل على مواجهة معوقات الديمقراطية الحقيقية والتنمية، ومن بين ذلك تقوية العلاقة بين الفرد ومؤسسات الحكم الوطنية.

أما الفصل الثالث والأخير من هذا الجزء من الكتاب، "التربية في لبنان ودورها في التنمية والحكم الصالح"، فتُقيِّم فيه المؤلفة مدى قيام الأدوات التي تعتمدها الدولة والمجتمع، في مجال التربية في تحقيق الهدف من هذه الأخيرة، وهو إعداد الإنسان لمستقبل عليه أن يعرف كيف يعيش فيه وأن يتفاعل مع أفراد المجتمع الذي ينتمي إليه ويكون فيه عضوا منتجًا وفاعلاً.

ومن أهم ما ذكرته الكاتبة في هذا الأمر، أن هناك أرضية غير مُستغلَّة من جانب الدولة والمجتمع في تحقيق هذا الهدف، وهي الوثيقة المنبثقة من اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، التي حملت عنوان "التربية والتعليم"، والتي تنص صراحة على ضرورة إعادة النظر في مختلف مكونات العملية التعليمية والتربوية في لبنان، بالشكل الذي يضمن تعزيز الانصهار والانتماء الوطنيين.

وتعود فتؤكد أن الطائفية هي أُس مشكلات المجتمع اللبناني، وأن لبنان، لكي ينجح في مجال التنمية وبناء أركان الحكم الرشيد الصالح، من خلال أساليب التربية المختلفة، بما فيها التعليم على المستوى الأقرب للفهم، فإنه يجب عليه أولاً الانتقال من حالة المجتمع الفوضوي الطائفي إلى المجتمع المدني الذي يعتبر القانون معيارًا لتصرفات الناس!

المصدر : الجزيرة

التعليقات