عرض/ حسن السرات
ما شعر الريسوني بثقل الوجوب وضغطه في شيء كتبه مثل شعوره به عند تأليف كتاب "فقه الثورة" الذي يتناول الأحداث الجارية اليوم في عدد من البلدان العربية، كما أعلن منذ أول كلمة في أول سطر، وهو يقدم هذا الكتاب.

فمنذ انطلاق ما سمي الربيع العربي والرجل يشارك فيما يدعى إليه من حوارات علمية وصحفية حول الموضوع، وخاصة في جوانبه الشرعية الفقهية، إحساسا بالواجب والأمانة وخطورة القضية، وإدراكا بأن هذا الواجب بالذات لا يحتمل التأخير ولا التمهل، لأن الناس يريدون الجواب والبيان الآن وليس غدا، ولأن تأثير الجواب سيكون أيضا في يومه أو الأيام الموالية له.

أسعفونا يا مولانا
وضرب الريسوني لذلك مثلا عندما اتصل به شاب مصري بداية فبراير/شباط 2011 من ميدان التحرير بالقاهرة وقال له "أسعفونا يا مولانا، اكتبوا، تكلموا، فقد هجمت علينا فتاوى بعض الشيوخ السلفيين وبعض فقهاء دار الإفتاء، فأحدثت بلبلة في صفوفنا، بما تنادي به من تحريم للمظاهرات والاعتصامات، وتحريم للخروج على النظام، ووجوب طاعة ولي الأمر، ووو..." فعكف الريسوني في تلك الليلة على كتابة مقال "وجوب عزل الرئيس المصري ومحاكمته" فلم ينم ولم يسترح حتى أنهاه وأرسله.

-الكتاب: فقه الثورة.. مراجعات في الفقه السياسي الإسلامي
-المؤلف: د. أحمد الريسوني
-عدد الصفحات 112
-الناشر: مركز نماء للبحوث والدراسات, بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2012

وعندما شارك الريسوني في برنامج "الشريعة والحياة" بقناة الجزيرة حول فقه الثورة اتصل به الكثيرون من شتى الدول العربية، ومنهم بعض الإخوة السوريين، وقالوا "لقد رفعت عنا الحرج وأزحت من طريقنا عددا من الإشكالات" ثم عرضوا عليه إشكالات أخرى فكتب عنها وأجاب.

وحينما اتصل به المسؤولون بمركز نماء للبحوث والدراسات وطلبوا منه أن يكتب ويجيب عن بعض "أسئلة الثورة وما بعد الثورة" لم يسعفه إلا أن يقبل ويتعهد بما طلب منه، وما دام السائلون قد عينوا فقد خرجت المسألة من فروض الكفاية إلى فروض العين كما قال الريسوني، فاستغرق إعداد هذا "الكتاب الجواب" خمسة أسابيع بالتمام والكمال.

فهذا إذن عالم رباني حاضر في قلب المعمعة، متحمل للمسؤولية والأمانة، مدرك للأثقال التي يحملها بوراثة النبوة، خائف من خيانتها، "مخاطر ومغامر" بالحياة والمناصب والمال. وهذا الكتاب إذن فتوى علمية سياسية وتحليل سياسي مركز يجيب عن أسئلة واقع مرير شديد التعقيد محليا وإقليميا وعالميا، في منعطف حاسم من منعطفات التاريخ الإسلامي والعالمي.

وتناول الفقيه المغربي المقاصدي المجتهد في هذا الكتاب عشر مسائل: أولها الفقه السياسي الإسلامي ومدى حاجته للمراجعة، وثانيتها إمامة المتغلب بين نظرية الوكالة ونظرية الولاية، وثالثتها دور الشعوب مسألة أهل الحل والعقد، والرابعة الثورة والفتنة، والخامسة الثورات ونظرية المؤامرة الخارجية، والسادسة سرقة الثورات وسد الثغرات، والسابعة دول ما بعد الثورة ومسألة تطبيق الشريعة، والثامنة النظام السياسي في الإسلام والخيار الديمقراطي، والتاسعة الدولة الدينية والدولة المدنية، والعاشرة والأخيرة الإسلاميون والعلاقة  مع الغرب".

مراجعة مطلوبة
يدرك الريسوني منذ البداية أن الساحة التي يخوض فيها ليست ثابتة مستقرة ولا أحادية الجانب، بل "إن الفقه السياسي يشتغل ويجتهد في مساحات وأقضية هي دوما متحركة متغيرة، ثم هو يخضع لمؤثرات إضافية، وهي مؤثرات أشد وطأة مما في المجالات الفقهية الأخرى". فالأمر فصل، وما هو بالهزل.

ويؤكد الفقيه المقاصدي أن التمييز واجب بين الشرع والتاريخ في الإنتاج الفقهي السياسي للعلماء الذين تصدوا للنظر والتأليف والإفتاء، وأن المراجعة اليوم مطلوبة لهذا الفقه السياسي الموروث، وهي مراجعة عميقة وشاملة لا تستثني إلا ما كان شرعا منصوصا صحيحا صريحا.

الفقه السياسي يشتغل ويجتهد في مساحات وأقضية هي دوما متحركة متغيرة، ثم هو يخضع لمؤثرات إضافية، وهي مؤثرات أشد وطأة مما في المجالات الفقهية الأخرى

فالفارق الزمني الفاصل بيننا وبين ذلك الفقه يعد بمئات السنين، ثم إن التطورات النوعية الهائلة التي عرفتها الأمة والبشرية في كافة المجالات والأصعدة كثيرة ومعقدة، وأخيرا هذه الهزة السياسية الكبرى التي عرفتها المنطقة العربية خلال 1432 – 2011 وما تزال تجري كشفت عن وجوه مؤسفة من الضعف والقصور والتخلف والخلل في الفقه السياسي لدى الكثير من العلماء الشرعيين والقادة الإسلاميين.

وبعد عرض لمسألة إمامة المتغلب بين نظرية الوكالة ونظرية الولاية، يخلص الريسوني إلى أننا اليوم في زمن يتيح لنا بتجاربه وتطوراته ووسائله الخروج بصفة كاملة ونهائية من عهود الحكام المتغلبين بالدساتير ومقتضياتها ليخرج الحاكم من الحكم بسلام له ولشعبه، "فنحن للأسف ما زالت معظم دولنا لا يأتي حكامها إلا بواسطة القتل، ولا يبقون إلا بالقتل، ولا يذهبون إلا بالقتل أو الموت، وما زال عندنا حكام شعارهم: أحكمكم أو أقتلكم".

الثورة والفتنة
استعرض الريسوني في هذا المقام نصوصا من القرآن والسنة حول الفتنة ودلالاتها وحقيقتها، ونقل استشهادات وأقوالا لأئمة أعلام تبين الإشكالات وتزيحها، ليخلص إلى أن "مناهضة المفاسد والمظالم والانحرافات إذا استفحلت واطردت، ولم ينفع معها نصح ولا صبر، أمر لا بد منه، بحسب ما يلزم في كل حالة وكل درجة، ولو تطلب ذلك إسقاط شرعية الحاكم وإعلان خلعه وتنحيته، وأن ذلك ليس من باب الفتنة، بل هو من باب دفع الفتنة وقطع دابرها."

وأما الفتنة الممنوعة في المجال السياسي فتشمل حالات خمس هي الخروج المسلح على الجماعة وعلى الحكام الشرعيين، ومبادرتهم بالتمرد والقتال سعيا إلى الإطاحة بهم أو الانفصال عنهم. والحالة الثانية هي الفتنة الصادرة عن الحكام الظلمة المتكسبين، فهؤلاء وهؤلاء إذا تسلطوا على الأمة أضلوها وفتنوها وصرفوها عن دينها.

والثالثة هي الاقتتال الطائفي أو القبلي أو العشائري أو الحزبي، طلبا للحكم، أو لمجرد الغلبة والعصبية أو الثأر والانتقام. والرابعة هي الاقتتال على الأموال وما في حكمها من المغانم والمكاسب الدنيوية المتنازع عليها، أي التي لم يتضح الحق فيها. والحالة الخامسة هي الحروب والصراعات الغوغائية التي لا يتميز فيها حق من باطل ولا محق من مبطل، أيا كان سببها وغايتها.

وبناء على ذلك، وعلى الظروف الحاضرة للحركات الاحتجاجية وأشكالها وغاياتها، يقرر العالم المغربي أن الحالة الراهنة التي نحن بصددها لم يصدر فيها من الحراك الشعبي ولا من أحد قيادييه ما يمكن وصفه بالفتنة أو الغوغائية أو الفوضوية التخريبية، وأن الفتنة الحقيقية هي التي تلجأ إليها وتجر إليها الأنظمة الحاكمة القمعية، بما تمارسه من تقتيل وترويع وتخويف واختطاف واعتقال وتعذيب... فليس من الشرع في شيء أن نخلط الأمور، ونحمل الناس ما لم يفعلوه ولم يقولوه ولم يقبلوه، فيجب أن ننسب الفتنة إلى أصحابها وصناعها الحقيقيين (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) الأنعام 164

المؤلف يحذر من سرقة الثورات عبر ثلاث ثغرات هي غفلة الشعوب وعودتها للاستقالة والاستكانة، وضمانتها هي دوام اليقظة والفاعلية بانخراط كل طلائع المجتمع في الثورة

محاذير
وفند الكاتب مقولة وقوف الغرب وراء ما تشهده الأمة العربية من حراك وتحولات، مشيرا إلى بعض الأهداف الخبيثة رواء هذا الترويج مثل تشويه الربيع العربي والتحكم في مستقبله، مستغربا أن يكون الغرب قادرا على تحريك الملايين من الناس الذين خرجوا واحتجوا وقاوموا واعتقلوا واستشهدوا في سبيل الحرية والكرامة واستعادة الأمة لوعيها ومكانتها.

وحذر الريسوني من سرقة الثورات عبر ثلاث ثغرات هي غفلة الشعوب وعودتها للاستقالة والاستكانة، وضمانتها هي دوام اليقظة والفاعلية بانخراط طلائع المجتمع من علماء ودعاة وإعلاميين ومفكرين. والثغرة الثانية هي التصارع والتصدع بين قوى الثورة وقياداتها، وضمانتها وحدة الرؤية والهدف. والثغرة الثالثة هي التغلغل والاختراق الأجنبي، وضمانتها كبح جماحه وحصر نفوذه.

غفلة الصالحين وسذاجة المتدينين
يرى الكاتب أن بعض الإسلاميين يتساءلون هل علينا الآن أن نرضي الجماهير التي صوتت علينا ونعطي الأولوية لطلباتها ورغباتها ومصالحها، أم علينا أن نرضي الشرع ونعطي الأولوية والكلمة العليا لأحكامه وطلباته. طرح الإشكال بهذه الصيغة عده الريسوني من غفلة الصالحين وسذاجة المتدينين من الجهلة بمقاصد الدين.

ورد الفقيه المقاصدي على ذلك مبينا أن أحكام الشريعة هي عين المصلحة الحقيقية للناس أفرادا وجماعة وأن المصلحة الحقيقية هي أيضا شريعة ويجب أن تتخذ شريعة، وأنه لا تعارض بين الشريعة الحقيقية والمصلحة الحقيقية. ولذلك فإن أهم ما ينبغي البدء به بعد صعود الإسلاميين هو تصحيح مفهوم الشريعة ومفهوم تطبيق الشريعة، والمعول في ذلك على إطلاق طاقات الأمة المعطلة من علماء وأفراد وهيئات وجماهير ونساء وشباب وأغنياء ومفكرين لتطبيق الجمهرة العظمى من الشريعة.

التحية بين الغرب والإسلاميين
آخر قضية تناولها الريسوني في فقه الثورة هي العلاقة بين الغرب والإسلاميين بعد ما سمي "الربيع العربي" واختيار الجماهير للإسلاميين لتحمل مسؤولية الحكم عبر انتخابات ديمقراطية.

ولا يبالي الريسوني بالإرث التاريخي لتلك العلاقة وينصح الطرفين بعدم الالتفات إليها. فالواقع الجديد ألقى إلى الفريقين قولا جديدا جعل الغرب يبدأ في مراجعة موقفه في سبيل التفهم والإيجابية والتسامح، وتلك تحية ينبغي أن يرد عليها الإسلاميون بمثلها أو بأحسن منها.

فالعلاقات الخارجية لا تبنى مع الغرب على العواطف الإيجابية أو السلبية، ولا على البغض والحب ولا على العداوة والصداقة ولا على الولاء والبراء، وإنما تبنى على المصالح المتبادلة، إذ أن الغرب بحاجة إلى المسلمين بقدر ما هم بحاجة إليه، فمصالحنا عندهم ومصالحهم عندنا. وعليه فلا بد من فتح حوار سياسي وثقافي، وليس حوارا دينيا أو حوارا مسيحيا إسلاميا. حوار يسهم فيه أطراف كثر مثل المنظمات الدينية والأحزاب السياسية والهيئات الحقوقية، والجامعة والجامعيون والإعلام والإعلاميون.

فقيه الثورة
إن كان للميادين والساحات التي شهدت وتشهد الربيع العربي وهو يزهر ويثمر خطباؤها وزعماؤها وجنودها ومناضلوها، فإنه لا جرم أن الدكتور أحمد الريسوني الفقيه المقاصدي المغربي، هو فقيه الثورة ومنظرها ومؤصلها العلمي والفكري. ذلك أن الرجل لمح بذكائه الوقاد وبصره النفاذ وعلمه المتين وفهمه العميق أن الأمة في منعطف خطير وكبير، وأن العالم، إن كان حقا وصدقا من ورثة الأنبياء، فعليه أن يحمل الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.

إن كان للميادين والساحات التي شهدت وتشهد الربيع العربي  خطباؤها وزعماؤها وجنودها ومناضلوها، فإنه لا جرم أن الدكتور الريسوني هو فقيه الثورة ومنظرها

وإنه لحمل ثقيل يرهق الجسم والفؤاد، ويتطلب التضحية بالغالي والنفيس، والتحرر من كل ما يجر إلى الأدنى، وكل مشاعر الترقب والتخوف. لذلك صاحب الريسوني التحول يوما بيوم ولحظة بلحظة، مجيبا عن تساؤلات الميادين وأهلها، في ثوراتها وفي حكامها، وفي يومها وغدها، في مصر وتونس واليمن وسوريا، كما كان مجيبا عن تساؤلات المطالبين بالإصلاح في ظل الاستقرار كما هو الشأن بالمغرب والأردن وغيرهما.

وليس هذا بمدهش ولا غريب من رجل عركته الأيام والليالي منذ شبابه فكان من السابقين الأولين للصحوة والحركة الإسلامية بالمغرب، فوهب لهما كل شيء يملكه، وأتعبه إخوانه بالمسؤولية التي أنقضت ظهره، فظل يزاوج بين فقه الحركة وحركة الفقه حتى حملته الأقدار ليكون المسؤول الأول عن أضخم وأوسع موسوعة القواعد الفقهية التي سيصدرها مجمع الفقه الإسلامي بجدة لتكون في المرتبة الثالثة بعد الكتاب والسنة. وحقيق برجل بلغ من العلم مقاما عليا أن يكون في مقدمة "الثائرين المتحررين" وأن يكون هاديا أمينا رائدا لا يكذب أمته في لياليها الظلماء المؤذنة بصبح قريب وميلاد جديد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك