عرض/  حسين عبد العزيز

يناقش الكتاب الأسباب التي أدت إلى الثورة في بعض بلدان الوطن العربي، متوقفا عند حالات التشابه والاختلاف. كما يبحث دور المؤسسة العسكرية في هذه الدول وسلوكها خلال الحراك العربي، واختلافه بين بلد وآخر.

الدوافع السياسية والاجتماعية
يرفض سعد الدين إبراهيم مقولة أن تلكؤ مسيرة التنمية الاقتصادية هو السبب الرئيسي لثورات الربيع العربي، بل إن العكس هو الصحيح، فالبلدان التي شهدت الثورات حققت في السنوات العشر الماضية معدلات نمو غير مسبوقة في العقدين السابقين.  

-الكتاب: الثورة والانتقال الديمقراطي في الوطن العربي(نحو خطة طريق)
-تحرير: عبد الإله بلقزيز، يوسف الصواني
-عدد الصفحات: 1024
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2012

ففي البحرين ارتفع النصيب السنوي للفرد من الدخل ثلاث مرات من 13000 دولار عام 1999 إلى 37000 دولار عام 2009، وفي مصر ارتفع النصيب السنوي للفرد من 500 دولار إلى 5500 دولار، وكذلك الأمر في تونس من 1300 إلى 8000 دولار، وفي ليبيا قفز ثلاث مرات من 5000 إلى 15000 دولار.

وفي كل الأحوال لم تعرف الشعوب العربية الحرمان لا في حاجاتها الأساسية ولا في الكمالية، وهنا يطرح المؤلف ما هو الحرمان الذي يدفع هذه الشعوب للثورة؟

يقول سعد الدين إبراهيم إن علماء اجتماع الثورات قدموا مقولة الحرمان النسبي، وفحواها أن الناس تقارن نصيبها من السلع والخدمات وحظوظ الحياة، لا بما كانت عليه منذ عشر سنوات، ولكن بما عليه حظ الآخرين خلال نفس المدة في نفس البلد، أو في بلدان قريبة.

فعلى الرغم من تحسن دخل كل واحد منا، فإن معدل التحسن عند جاري أضعاف المعدل عندي، وهذا ينتج عنه ما سماه علماء الاجتماع الحرمان النسبي، بعبارة أخرى ليس الظلم هو الذي يؤدي إلى الثورات، بل الشعور بالظلم.

والأمر بحسب إبراهيم لا يقتصر على الشعور بالظلم، بل يتعداه إلى الاستبداد السياسي، فمع الحكم المطلق يستقر في وجدان السلطان أن بلاده قد أصبحت ضيعة خاصة، وقد رصد المراقبون شيئا مشابها في ليبيا، حيث وضع القذافي أبناءه وأولاد عمومته وأفراد قبيلته في كل مواقع المسؤولية، وهو نفس ما فعله زين العابدين بن علي في تونس، وإن كانت المحسوبية في حالته شملت إخوة وأقارب زوجته من عائلة الطرابلسي، ونجد نفس الظاهرة في سوريا، فلم يكتف حافظ الأسد بتعيين إخوته، وأبنائه في أعلى مواقع الجيش، بل وضع أصهاره من آل مخلوف في كل المواقع الحاكمة للاقتصاد والأمن الداخلي، وإذا بقيت مواقع لم يشغلها أقارب الدرجات الثلاث الأوائل، فلتكن لأبناء الطائفة العلوية.

حتى مصر، صاحبة الدولة الأقدم في المنطقة والعالم، لم يبرأ نظامها السياسي من المحسوبيات الصارخة، ففضلا عما فعله مبارك بإطلاق يد زوجته في مساحات كبيرة من الفضاء العام، فإنه أطلق يد ابنه علاء في مجال المال والأعمال، وابنه جمال في أعلى مستويات الحزب الوطني الحاكم.

المؤسسة العسكرية والثورة
يمكن التمييز في أداء الجيوش العربية حيال الثورات بين مواقف ثلاثة:
1 -الجيش الممتنع عن حماية الحاكم والنظام     

-الحالة التونسية
نُظم الجيش التونسي وأنشئ على أساس وطني غير طائفي أو ديني أو فئوي، لكن المحاولة الانقلابية التي قام بها العقيد الشرايطي عام 1962 دفعت بورقيبة إلى الحذر وتقييد الجيش بإنشاء أجهزة أمن فاعلة لمراقبته، ولما جاء بن علي خلفا لبورقيبة أمعن في إقصاء الجيش عن السياسة والتدخل في شؤون الدولة إلى الحد الذي شعر فيه الجيش بالتهميش.

وقد تنامى هذا الشعور لدى ضباط الجيش بحيث إن أحدا منهم لم يكن مستعدا للقتال من أجل الرئيس، وكان الفريق أول رشيد عمار صريحا عندما أبلغ بن علي في الأسبوع الثاني للحراك الشعبي، أنه غير مستعد لإطلاق النار على المتظاهرين.

ومع تعاظم الحراك الشعبي، وجد الجيش أن احتمال الفوضى وانهيار الأمن في البلاد بات أمرا محتملا، فتدخل لإقناع الرئيس بمغادرة الحكم، وهنا والكلام للمؤلف أمين حطيط يمكن تفسير موقف الجيش بأنه مغادرة لدائرة الحياد، والدخول في مواجهة مهذبة مع الرئيس من دون استعمال القوة.
 
-الحالة المصرية

وجد الجيش المصري نفسه بين خيارين: التصدي للشعب لحماية الرئيس، أو النأي بالنفس عن المواجهة، وتبين له أن الخيار الأول خطير جدا، أما الخيار الثاني فقد كان أقل كلفة

ظل الجيش في عهد عبد الناصر مرتكزا للنظام، ولم تعرف مصر مع عبد الناصر جفاء بين المؤسسة السياسية والعسكرية، ومع السادات تراجعت العلاقة بين المؤسستين عقب حرب 73، وكان وصول مبارك إلى الحكم مناسبة إضافية لتراجع هذه العلاقة إلى أن نشأ في الجيش مستويان:
1- المستوى السياسي العسكري، المتمثل بالقيادة والأركان وقادة التشكيلات، وهو المستوى الأعلى القيادي الذي يدين بالولاء للرئيس.
2 - مستوى عسكري ميداني، متمثل بالقيادات الميدانية التي حاولت القيادة العليا إبعادها عن الحراك السياسي والخيارات الإستراتيجية.

فوجئ الجيش المصري بحجم الحراك الشعبي الذي تضخم بسرعة قياسية، ووجد نفسه بين خيارين: التصدي للشعب لحماية الرئيس، أو النأي بالنفس عن المواجهة، وتبين لقيادة الجيش أن الخيار الأول خطير جدا، وقد يكون تدميريا، أما الخيار الثاني فقد كان أقل كلفة، خاصة إذا استطاع الجيش النجاح في إخراجه بشكل يضمن وحدة البلاد.

وقد اعتمد الجيش لذلك ثلاثة عناصر: استجابة للشعب بتنحي الرئيس مع وعد بتغيير النظام بعد مرحلة انتقالية، وتسلم القيادة العسكرية مسؤولية قيادة المرحلة عبر مجلس عسكري، مما يعني أن الثورة لم تسقط النظام مباشرة، وأن الجيش صنع مخرجا للرئيس.

2 -الجيش المنقسم بين النظام والشعب

-الحالة الليبية
لم يبن القذافي جيشا بالمعنى الحقيقي للكلمة، سواء من حيث اعتماد العقيدة الوطنية، أم التنظيم والإعداد القتالي، ولا تعرف الأسباب وراء ذلك، لكن حطيط يرى أن عدم وجود عدو خارجي مباشر من جهة، وخشية القذافي من الانقلابات العسكرية من جهة ثانية، هما السببان وراء عدم اهتمامه بالجيش.

مع بدء الاحتجاجات الشعبية، وجد الجيش المهمش تاريخيا فرصته في معاقبة من أذله وهمشه، فلزم الحياد أولا ثم سرعان ما بدأ التسرب نحو الحركة الشعبية بشكل فردي أولا، ثم بالتشكيلات الجماعية إلى أن انتهى الأمر بالتحاق الأغلبية.
والأسباب التي كانت وراء ذلك بحسب المؤلف:
ـ اعتقاده أن الشعب الليبي خرج على الرئيس وأسقط شرعيته.
ـ ميل الجيش إلى الانتقام من القذافي الذي أمعن في تهميشه.
ـ شعور الجيش بأن معركة صمود القذافي باتت خاسرة.

-الحالة اليمنية

الخروج على صالح لم يكن شاملا، حيث وقفت عشيرته وقبيلته وحلفاؤها في مواجهة الفئات الشعبية المطالبة بتنحيه، وهكذا كان في اليمن شعب يواجه بعضه بعضًا 

لا تختلف الحالة اليمنية كثيرا عن الحالة الليبية، لكن نتائج الحراك اختلف بسبب طبيعة التدخل الخارجي، وطبيعة الموقع الجيوسياسي لكل من الدولتين، ففي ليبيا يغري النفط الغرب بالتدخل، أما اليمن فلا تجذب ثرواته الطبيعية الغرب رغم موقعه الهام.
سار علي عبد الله صالح على منوال القذافي في إيلاء المسؤوليات والقيادات العسكرية لأقربائه وبني عشيرته، وشتت القيادات من القبائل والعشائر الأخرى.

ونظرا إلى التنظيم القبلي والعشائري الذي يتميز به الشعب اليمني، فإن الخروج على صالح لم يكن شاملا، حيث وقفت عشيرته وقبيلته وحلفاؤها في مواجهة الفئات الشعبية المطالبة بتنحيه، وهذا الانقسام بحسب المؤلف استتبع انقساما آخرا داخل الجيش، وهكذا كان في اليمن شعب يواجه بعضه بعضًا (ميدان يقابل ميدانا)، وجيش منقسم.

3 - الجيش الموحد والمدافع عن الدولة والنظام

-الحالة البحرينية
الاسم الرسمي للقوى العسكرية التي يمكن أن تسمى جيشا هو قوة دفاع البحرين بقيادة ملك البحرين نفسه، وهي بالإجمال قوة طرية يتولى مجلس التعاون الخليجي مع الولايات المتحدة تسليحها وتنظيمها وتدريبها على أساس دفاعي يرتكز في جوهره على حماية المملكة ونظامها الملكي.

وعلى مدار عقود نظمت القوات البحرينية على أساس طائفي حيث استبعد الشيعة عن المراكز القيادية، ولذلك لم تكن هناك ظاهرة الانقسام داخل هذه المؤسسة الصغيرة.

ومع ترويج النظام لفكرة طائفية الحراك الاحتجاجي من جهة، وإغداقه العطاءات المالية على القيادات العسكرية من جهة ثانية، استطاع الملك المحافظة على وحدة القوات العسكرية وولائها.

-الحالة السورية
بسبب تماسها المباشر مع فلسطين المحتلة كانت سوريا ملزمة ببناء جيش دفاعي قوي.
وانطلاقا من تركيبته العقائدية يقول المؤلف، وتحسبا للمخاطر التي تهدد الدولة جراء وجود إسرائيل على حدودها، رأى الجيش السوري أن المصلحة الوطنية تدفعه إلى التمسك بوحدته وقوته، وأن يبقى على ولائه للنظام وعدم دعم الحركة الاحتجاجية في البلاد.

ترافق نجاح الجيش السوري في حفظ وحدته مع حركة فرار محدودة، حيث لم تصل في مجملها حتى أواخر 2011 نسبة 1% من مجموع الجيش، أضف إلى ذلك أن جميع حالات الفرار كانت فردية لم يسجل فيها بحسب المؤلف انشقاق مجموعة قتالية حتى ولو كانت صغيرة، وهذا الأمر فتح الباب للمدنيين المسلحين للالتحاق بالتنظيم المسلح (المسمى) الجيش السوري الحر.

وإضافة إلى ذلك يتحدث حطيط عن سبب آخر في عدم ظهور حالات الانشقاق الكبيرة كما حدث في بعض الدول العربية، وهو البيئة الإقليمية والدولية التي كانت غير مشجعة لأي فريق داخل الجيش على الانشقاق أسوة بالحالة الليبية.

الإعلام والحراك الشعبي
ظهر نمطان متباينان من الإعلام، يمثل الأول السلطة وإعلامها، ويعكس الآخر رأي الشارع وغايته، ولكل منهما أدواته وفرسانه وساحاته، إلا أن ثمة إعلاما جديدا ظهر بين الخندقين، وكان الأكثر فعالية في إطار حركة الاحتجاجات، فقد تطور واتسع أفقيا وعموديا دور وسائل التواصل الاجتماعي الرقمي (الفيسبوك، تويتر، بلاك بيري، مسينجر وغيرها) لتشكل قوة إعلامية شديدة النفاذ في أوساط الشباب بشكل خاص.

وأتاحت تلك المواقع الفرصة ليتحول كل مشترك إلى مصدر لإنتاج المادة الإعلامية واستهلاكها في الوقت ذاته، وتحولت هذه الوسائل إلى أداة فاعلة في حشد الناس على أوسع نطاق.

وفي ساحات الحراك، مهدت شبكات التواصل الاجتماعي لبروز أشكال من ديناميات العلاقات العامة القائمة على أهداف مشتركة، وقد وفرت تلك الشبكات أدوارا سوسيولوجية وأيديولوجية في التعبئة والتنظيم، ولذلك أصبحت أدوات ثورية حقيقية فاعلة في الشارع السياسي.

ساهمت قناتا الجزيرة والعربية مع غيرهما، في بناء صياغات خبرية متعايشة مع الوقائع في الشارع السياسي، وقدمتا أيضا ما يمكن تسميته تلفزيون الواقع  لميادين الثورات

مارس التلفزيون الفضائي تكاملا مع الأدوار التي مارستها شبكة التواصل الاجتماعي، ومع المدونين على مواقعهم، ليوسع  دائرة متابعته وتفاعله مع الأحداث ميدانيا.

لقد بينت الأحداث قدرة قنوات التلفزة على المساهمة في التأثير وملاحقة الأحداث، وأن تشكل ليس مصدرا رئيسيا للخبر فحسب، بل أن تصنعه أيضا، وقد تصدر هذا الدور عدد من الفضائيات وفي مقدمها قناتا الجزيرة والعربية.

وقد أسهمت هاتان القناتان مع غيرهما، في بناء صياغات خبرية متعايشة مع الوقائع في الشارع السياسي، وقدمتا أيضا ما يمكن تسميته تلفزيون الواقع، وكان ذلك واضحا في متابعة قناتي الجزيرة والعربية لميادين الأحداث.

وإلى جانب حجم التغطية، فقد أعلنت هذه القنوات انحيازها إلى جانب الحراك الشعبي ضد الأنظمة السياسية القائمة، وتصدرت نشراتها تقارير ميدانية تعكس وجهة نظر منحازة للشارع الثائر، في الوقت الذي أهملت فيه مواقف الطرف الآخر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك