عرض/نبيل السهلي
حاول الكاتب أن يستحضر في فصول الكتاب المختلفة سوسيولوجيا الجدل الدائر في الداخل الإسرائيلي نتيجة بروز ظاهرة تيار ما يسمون المؤرخين الجدد، وقام بتوصيف أطروحة ما بعد الصهيونية وأظهر المراجعات التي قام بها المؤرخون الجدد وأصحاب تيار ما بعد الصهيونية من أجل تأسيس هوية بديلة لليهودي الإسرائيلي.

- الكتاب: ضيوف ما بعد الحداثة
- الكاتب: حسام سعد
- الصفحات: 214
- الناشر: دار الفكر، دمشق
- الطبعة: الأولى/2008

ورغم بروز ظواهر عديدة في إسرائيل وصلت إلى حد الكشف عن مجازر ضد الشعب الفلسطيني عام 1948 وبعده، مثل مجزرة أهالي الطنطورة في قضاء حيفا على الساحل الفلسطيني، فإن مئات الملفات الصهيونية لا تزال مغفلة خاصة تلك المتعلقة بالتخطيط الصهيوني لاحتلال وطرد أهالي المدن والقرى الفلسطينية بقوة المجازر، ناهيك عن إغفال الملفات التي تشير إلى عملية التفاوض بين الحركة الصهيونية والقوى العظمى قبل وبعد إنشاء إسرائيل في مايو/أيار 1948.

وقد اعتمدت إسرائيل ومن قبلها الحركة الصهيونية على حليفين أساسيين هما بريطانيا وفرنسا قبل العام 1967، أما بعده فتأكدت العلاقة الإستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وباتت إسرائيل تلعب دورا أساسيا في إطار المصالح الأميركية الشرق أوسطية.

المؤرخون الجدد وفكرة الترانسفير

يشير الكاتب في الفصل الأول من الكتاب إلى أن المتغيرات السياسية لعبت دورا بارزا في صعود ظاهرة المؤرخين الجدد، وأصر على تسمية المؤرخين الجدد بالانتقاديين الجدد نظرا لمشاركة عدد كبير من غير المؤرخين في البحث والسجال والنتائج والخلاصات المختلفة كل بحسب اختصاصه ومنهجه الذي استعان به.

وملخص وجهة نظر أصحاب الظاهرة الإسرائيلية قبول الحوار مع الفلسطينيين بوصفهم ذوو هوية وتاريخ في فلسطين، وتتضمن أفكار أصحاب الظاهرة الإسرائيلية الجديدة إنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بالدرجة الأولى، وهذا لا يتم على المستوى السياسي إلا بإعادة الاتفاق على تفاصيل التاريخ الحديث (الاستقلال/النكبة).

وأكد الكاتب أن الخطوط العريضة لأطروحات المؤرخين الجدد رغم بعض التباينات البسيطة تمثلت في الآتي:
1- الشك في الرواية الصهيونية الرسمية حول حرب عام 1948.
2- موقف قادة الصهيونية (اليشوف) من إبادة اليهود في أوروبا.
3- مشروع بناء الدولة الصهيونية.
4- الأسس التي أرست صوغ الهوية اليهودية.

"
الحاجة إلى إنشاء الدولة أي إسرائيل أهم من الظلم الواقع على الفلسطينيين نتيجة اقتلاعهم من أرضهم
"

وقد أشار الكاتب إلى بعض الكتب الناتجة عن ظاهرة المؤرخين الجدد، ومنها كتاب "ولادة مسألة اللاجئين الفلسطينيين" لبني موريس، وكتاب "ميلاد إسرائيل: الأسطورة والحقيقة" لسمحا فلابن، وكتاب "بريطانيا والنزاع العربي الإسرائيلي" لإيلان بابه، بالإضافة إلى كتب وأبحاث أخرى لكل من توم سيغيف وباروخ كيمرلنغ وآفي شلايم.

ورغم أن بعض المؤرخين الجدد استطاع فتح بعض ملفات الأرشيف الإسرائيلي حول الحكاية التاريخية للنكبة وغيرها، فإن ظاهرة ما يسمون المؤرخين الجدد في إسرائيل لم تحمل العصابات الصهيونية وبريطانيا مسؤولية تاريخية وسياسية وأخلاقية عن بروز قضية اللاجئين.

وبالتالي لم تتم عملية إحالة وربط عمليات الترانسفير الكبيرة التي لحقت بالشعب الفلسطيني في العام 1948 وبعده بسياسات العصابات الصهيونية وبمخططات الحركة الصهيونية بشكل عام، حين تم طرد نحو 850 ألف فلسطيني من 532 مدينة وقرية فلسطينية تحت وطأة المجازر الصهيونية في ظل الاحتلال البريطاني لفلسطين وبعده.

وقد ساعدت بريطانيا بنقل ملكيات أراضي الشعب الفلسطيني إلى الوكالة اليهودية وإسرائيل وفتحت أبواب الهجرة اليهودية إلى فلسطين على مصراعيها حتى وصل عددهم في فلسطين عشية النكبة الكبرى إلى 650 ألف يهودي، من أجل إقامة إسرائيل عام 1948 على 77% من مساحة فلسطين التاريخية البالغة 27009 كيلومترات مربع.

وكذلك لم تطرح تلك الظاهرة تصورا للكيفية التي يستطيع الشعب الفلسطيني بها أن يحصل على حقوقه في أرض أجداده التي اقتلع منها.

بل أشار بني موريس في كتبه المختلفة إلى أن الحاجة لإنشاء الدولة أي إسرائيل أهم من الظلم الواقع على الفلسطينيين نتيجة اقتلاعهم، وبذلك تتضمن بحوث المؤرخين الجدد رغم سردهم بعض تواريخ الصراع نفحات عنصرية ضد الآخر الفلسطيني وعملية إسكات مبرمجة للحق الفلسطيني.

الاستيطان وهوية إسرائيل الممزقة

في الفصل الثاني من الكتاب يشير الكاتب إلى بروز ثنائيات في مفهوم الأنا والآخر عند الإسرائيليين، حيث يتم الاعتماد دائما على منطق استعماري محدد بأحكام تصدر قوانين تشكل نظريات ثابتة تجاه الـ"نحن والآخر" وعلى هذا تصبح صيغ فهم الأشياء جاهزة أو ناجزة.

وفي حالة ما بعد الحداثة تبدو مفاهيم مثل الوصاية والانتداب والاحتلال على جانب سياسي عسكري، واستشراف وتنميط وفكر كولونيالي على جانب معرفي فكري، إحدى المقدمات المتكررة للسيطرة والهيمنة.

ويقصد الكاتب هنا حالة إسرائيل وسيطرتها على الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدراته الطبيعية.

"
رغم حصول كل فرد من أفراد الأقلية العربية على المواطنة الإسرائيلية بفعل الاحتلال والأمر الواقع، فإن المؤسسات الإسرائيلية المختلفة تطلق مصطلح عرب إسرائيل على الأقلية العربية
"

وفي ظل السطوة الأيديولوجية التراتبية بنى التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين صورته عن ذاته أولا، ثم صورة الآخر الفلسطيني العربي ثانيا.

وحاولت المؤسسات الإسرائيلية والصهيونية المختلفة منذ العام 1948 تكريس رواية وسرد ينطلق من ذاتية يهودية تعرقن الآخر العربي وتحاول تفريغه من تاريخه وصفاته ومكوناته المختلفة.

وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى حالة الأقلية العربية داخل الخط الأخضر، حيث يعيش 1.4 مليون عربي وضعا يتنافى مع التعريف الثابت لإسرائيل بأنها دولة اليهود مع وجود أطياف عرقية وإثنية متعددة.

ورغم حصول كل فرد من أفراد الأقلية العربية على المواطنة الإسرائيلية بفعل الاحتلال والأمر الواقع، فإن المؤسسات الإسرائيلية المختلفة تطلق مصطلح عرب إسرائيل على الأقلية العربية.

وقد عانى فلسطينيو الداخل ولا يزالون من أشكال عديدة من التمييز أبرزها على مستوى العلاقة السياسية القانونية بالدولة، ومن ضعف الثقة بهم، حيث تنظر إليهم المؤسسة الإسرائيلية أنهم طابور خامس تارة وأنهم قضية أمنية تارة أخرى.

وفي الفصل الثالث من الكتاب يؤكد الكاتب أن الصهيونية قد أرست مفاهيمها لتكرس تعريفا للذات اليهودية في بعدها القومي تتماهى مع المجتمع الأوروبي ظاهريا وتناقضه داخليا.

وفي هذا السياق يرى المفكر العربي الفلسطيني عزمي بشارة أن صراع الصهيونية مع أوروبا صراع خارجي لا تناقض فيه، فهي تدير ظهرها لأوروبا ليكون بإمكانها أن تمثل أوروبا أمام الشرق، فخارج أوروبا تسنح لها الفرصة التي طالما تاقت إليها بأن تصبح أوروبية.

وإذا كانت الصهيونية قد أسست هوية يهودية واحدة تتجاوز الدين كفكرة قومية، كما أوضح بشارة، فإن ذلك يعني الانتقال من القومية كفكرة إلى الدولة كواقع سياسي.

أما في إسرائيل، فيرى أوري رام أن وصف الصهيونية كحركة كولونيالية يعتبر نوعا من التشويه لأنه ينطوي على النظر إلى إسرائيل باعتبارها مجتمعا كولونياليا وأنه اعتراف ضمني بأن اليهود احتلوا وسلبوا أرضا مأهولة واستغلوا وطردوا السكان العرب الأصليين.

وفي هذا -حسب أوري- ما يتنافى مع صميم الصورة الذاتية التي رسمها الصهاينة عن الصهيونية باعتبارها حركة شعب بلا أرض يعود إلى أرض بلا شعب.

"
تيار "ما بعد الصهيونية" يدعو إلى تعريف جديد للهوية الإسرائيلية يصب في إطار مدني لأن الوضع الراهن في إسرائيل ينمي الفروق الإثنية والطبقية والطائفية بين السكان في إطار الدولة التي فرضت على القسم الأكبر من فلسطين
"

أفكار تيار ما بعد الصهيونية

في الفصل الرابع يوضح الكاتب دعوات تيار "ما بعد الصهيونية" الهادفة إلى البحث عن تعريف جديد للهوية الإسرائيلية يصب في إطار مدني وليس ثيوتاريخي، لأن الوضع في إسرائيل على ما هو عليه ينمي الفروق الإثنية والطبقية والطائفية بين السكان في إطار الدولة التي فرضت قسرا على القسم الأكبر من فلسطين.

ويبدو أن هناك اعتراضا يطفو على السطح على الطرح المذكور، هو الادعاء بدفن التاريخ الذي أسس لبناء الدولة، أي دفن الصهيونية.

ولهذا يرى أحد مكونات ما يسمى بظاهرة المؤرخين الجدد في إسرائيل وهو إيلان بابه أن هناك ثلاث صهيونيات تتعارض فيما بينها: الصهيونية التقليدية التي يمثلها حزبا العمل والليكود وتمثل التيار السائد، والصهيونية الجديدة التي تعتبر تفسيرا متطرفا للصهيونية وتمثل التحالف بين الحاخامات الأرثوذكس والمستوطنين القوميين المتطرفين.

أما ما بعد الصهيونية فهي ظاهرة يهودية تمثل مرحلة انتقالية للخروج من الصهيونية، ولكن من غير الواضح إلى أين، موضحا أن تلك الظاهرة الصهيونية الجديدة نشأت في أوساط الطبقة المتوسطة بين التجمع الاستيطاني في إسرائيل، وهي أقل اهتماما بالأساطير التاريخية.

ووصل الكاتب إلى نتيجة هامة مفادها وجود تقاطع خطاب تيار ما بعد الصهيونية مع خطاب المؤرخين الجدد، ولذلك يمكن القول -حسب الكاتب- إن ملامح هذا التيار تم التعبير عنها بثلاثة محاور من الأفكار المناقضة لخطاب الصهيونية:
1- انتهاء دور الصهيونية في الحياة الإسرائيلية
2- تصفية حساباتها، أي الصهيونية مع تاريخها
3- الاعتراف بكولونيالية الصهيونية المدعومة بالفكر الاستعماري الأوروبي.

أهمية الكتاب

تكمن أهمية الكتاب في تسليطه الضوء على ظواهر باتت تبرز مؤخرا في التجمع الاستيطاني في فلسطين، كظاهرة المؤرخين الجدد.

ورغم أن تلك الظواهر لم تعترف بكامل الحقيقة بشأن مسؤولية إسرائيل عن نكبة عام 1948، وعمليات التطهير العرقي التي أدت إلى تهجير غالبية الشعب الفلسطيني واحتلال أرضه التاريخية، فإن انتشار واتساع وتراكم مثل تلك الظواهر تعتبر بحد ذاتها مؤشرات ذات دلالة على بداية تساقط وانهيار حقيقي في ركائز المشروع الصهيوني في فلسطين.

وهي كذلك مؤشر على انهيار المقولات التي كانت مقدمات لإقامة الدولة الصهيونية على أرض فلسطين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك